الاحـد 09 رمضـان 1433 هـ 29 يوليو 2012 العدد 12297
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

البيمارستان القيمري في حي الصالحية على سفوح جبل قاسيون بدمشق يعود لأواخر العصر الأيوبي

يتميز بعمارته الفريدة الجميلة ويروي قصص الاستشفاء وتطور الطب في العهود الإسلامية والخدمات الإنسانية المجانية

البيمارستان القيمري في دمشق.. في انتظار الترميم والاصلاح («الشرق الأوسط»)
دمشق: هشام عدرة
اشتهرت مدينة دمشق بوجود عدد من البيمارستانات (مشافي أيام زمان) التي تأسست في العهود الإسلامية المختلفة، حيث كانت تقدم العلاج والاستشفاء مجانا للمرضى، مع خدمات إنسانية تفتقدها حاليا الكثير من المشافي؛ إذ كان المريض يمكث في البيمارستان حتى يشفى من مرضه، ويظل فيه طيلة فترة نقاهته، مع إعطائه مالا في فترة النقاهة حتى يستطيع العودة لعمله، وإذا كانت هذه البيمارستانات تتميز بخدماتها الطبية المتقدمة في تلك الأزمنة، حيث عمل بها عدد من أهم الأطباء القدامى أمثال ابن النفيس وابن أبي أصيبعة وغيرهم، فإنها تتميز أيضا ببنائها المعماري الجميل والمترف زخرفيا وهندسيا، بحيث يعيش المريض في حالة من الراحة النفسية مع وجوده في مبنى واسع وبجانبه الحدائق الخضراء وبحرات المياه، ومع عزف موسيقي أحيانا استخدمه الأطباء منذ ذلك العصر لعلاج بعض الحالات المرضية في هذه البيمارستانات.

وإذا كان البيمارستان النوري الذي يتوضع في منطقة الحريقة قرب سوق الحميدية بدمشق القديمة هو الأشهر والأكبر بين هذه البيمارستانات، والذي بناه نور الدين زنكي وما زال حاليا محافظا على بنائه الفريد بالكامل، فإن هناك بيمارستانات أخرى اندثر بعضها، كالبيمارستان الدقاقي الذي كان قائما بجوار الجامع الأموي وقد تهدم فيما بعد، وكان يعتبر من أقدم المشافي في العالم، وهناك «البيمارستان القيمري» الذي بني في منطقة الصالحية بسفوح جبل قاسيون بجانب جامع الشيخ محيي الدين، والذي ما زال قائما وعمارته مكتملة، ولكنه مغلق ويحتاج لعمليات ترميم واسعة.

تاريخ وأسباب بناء البيمارستان القيمري، أو كما يطلق عليه مارستان الصالحية، تشرحها إلهام محفوظ الباحثة الآثارية: «أنشئ البيمارستان القيمري في نهاية العصر الأيوبي وأوقف من قبل الأمير الأيوبي سيف الدين أبو الحسن القيمري الكندي، الذي توفي سنة 653هـ ودفن بالسفح في قبته بجوار البيمارستان، ولإنشاء البيمارستان (المشفى) حكاية وقصة - توضح إلهام - وهي أن الأمير سيف الدين كان قد قدم صداقا كبيرا لزوجته بنت الأمير عز الدين، أحد الأمراء الأيوبيين، تجاوز مائتي ألف دينار وحمولة عشرين بغلا من المتاع الثمين، ولما توفيت حمل صداقها إلى أبيها فرفض أخذه وقال: ما جرت العادة أن يأخذ الأكراد صداقا ولا ميراثا، فقال سيف الدين هذا شيء خرجت عنه وما يعود إلى ملكي، فصرفه جميعه في بناء البيمارستان!! وبالفعل - تسهب إلهام - بوشر بناء البيمارستان سنة 654هـ، كما يفهم من نقش وجد في البيمارستان، وتمت العمارة سنة 656هـ، ويعد البيمارستان القيمري من العمائر التاريخية التي ترجع إلى أواخر العصر الأيوبي في سوريا. ومن أعظم آثار دمشق شأنا، ومن أجمل العمارات الأثرية بتخطيطه وزخارفه الجميلة, فمدخل البيمارستان مبني بالكامل بطريقة الأبلق، أي تناوب المداميك الملونة، وله قوس مزخرف، وحجارة الواجهة مربعة الشكل، بينما الحجارة المكونة للقوس منحنية الشكل، ويتوج البوابة مقرنص فخم، وقد نقشت صيغة الوقف على أسطر عريضة من الخط النسخي الجميل على مدخل الباب الرئيسي».

وندخل للبيمارستان لنرى أقسامه المعمارية الجميلة وأبنيته الفخمة وبركته الكبيرة التي كانت المياه تصل إليها من نهر بردى بواسطة ناعورة الشيخ محيي الدين القريبة منها، وحسبما توضح إلهام، فإن البيمارستان أخذ شكل المربع هندسيا، وله أربعة أواوين مركزية على كل منها مداخل إلى غرف أخرى، ويلاحظ أن إيوانه الجنوبي واسع، وهو الإيوان الأساسي، وفيه ثلاث نوافذ فوقها عقود على شكل صليبي، وفيه قلادتان فيهما زخارف نباتية، ويحيط بالإيوان شريط من الآيات القرآنية المكتوبة بالخط النسخي المذهب على أرضية زرقاء، وقد بقيت أغلب الزخارف الجصية بما فيها الرصائع حتى اليوم مغطاة بالزخارف المنقوشة على الجص الملون.

ويدل بناء البيمارستان القيمري على درجة التطور العمراني لمنطقة الصالحية، وهي منطقة قديمة خارج أسوار مدينة دمشق القديمة، ونظرا لدور المناظر الطبيعية الجميلة والمشاهد البانورامية في تسريع عمليات الشفاء، تم تزويد جميع غرف البيمارستان المواجهة للجنوب بنوافذ تطل على مدينة دمشق وحدائق خضراء، وكانت توجد قاعتان واحدة مخصصة للشرابات والمعاجين والأكحال، والثانية لتوزيع هذه الأدوية على المرضى والمراجعين، الذي كان يتم يومي الاثنين والخميس أسبوعيا، كما يؤكد عدد من المؤرخين الذين كتبوا عن البيمارستان، ومنهم ابن طولون.

وأخيرا ما هو حال البيمارستان القيمري حاليا؟ تجيب إلهام محفوظ: «لقد كان البيمارستان القيمري من أحاسن الدنيا، به الأشجار المخضرة والمياه والمناظر، لكنه منذ أكثر من عشر سنوات أقفل وأصبح مهجورا يستصرخ العزائم لإعادة تأهيله وإحيائه من جديد، ليقوم بدور إنساني كما كان في سابق عهده».

وكان البيمارستان قد استخدم كمستوصف عام يخدم سكان الحي مجانا، حيث افتتح كمركز صحي قبل ثلاثين عاما، ولكنه أغلق أبوابه قبل عدة سنوات، والحاجة ماسة حاليا لترميمه وفتحه أمام السياح والزوار.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال