الجمعـة 06 ذو القعـدة 1426 هـ 9 ديسمبر 2005 العدد 9873
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

عايض القرني ... طير الصحوة

بينه وبين القصيبي «جسر اللذة»

لندن: مشاري الذايدي
يقال إن الطيور هي أول من يتنبه لحدوث الزلازل والبراكين والكوارث الطبيعية، ثم تأتي الكائنات الاخرى، فالإنسان في مرتبة متأخرة، بل إنه لا يدري بالزلزال أو البركان إلا لحظة الواقعة. الاسلامي السعودي «الصحوي» عايض القرني ربما يكون هو «طير الصحوة» الاول الذي يتنبه دوما قبل الجميع.

الشيخ عايض، او الدكتور، او المؤلف، او الشاعر، او الداعية، كل هذه نوافذ مشرعة تفضي الى باحة عايض القرني، والتي من الممكن إضافة نافذة خلفية إليها، وهي : عايض المرح، وخفيف الظل.

منذ البداية، اختط الفتى القرني الآتي من جبال الجنوب وبلاد بلقرن، التي بثها اشواقه في قصيدته الاعتزالية مؤخرا، اختط طريقه بتفرد، وكان دائما يحب الصدارة، متسلحا بجماليات اللغة والبلاغة والعزف على أوتار الكلمات.

كان لافتا حضور الفتى الجبلي في سماء الحركة الاسلامية السعودية، او ما يعرف في أدبيات التأريخ للحركة المجتمعية والثقافية في السعودية بـ«الصحوة»، فقد درجت العادة على أن يتولى زمام التوجيه والارشاد الديني شيوخ تقليديون، كبار في السن والقدر، وغالبا من خريجي المدرسة السلفية التقليدية، غير الحركية، وحتى الاخوان المسلمين الكبار الذي كانوا في السعودية، أمثال مناع القطان او محمود الصواف او الراوي، كل هؤلاء لم يكونوا حاضرين كامتداد شعبي وتأثير جماهيري في الساحة السعودية، باعتبار سمة الضيف وسَمْته غالبة عليهم، فلا يتحركون إلا في مضافات الكبار ودوائرهم.

كانت الساحة تقاد، والجماهير ترشد، بالشيوخ التقليديين المحليين، امثال مفتي الديار السعودية الراحل محمد بن ابراهيم آل الشيخ ، او الشيخ عبد الله بن حميد، ثم بلغ الامر ذروته مع المفتي السعودي الراحل عبد العزيز بن باز. لكن عايض القرني ورفاقه، كانوا اختلافا عن هذا التقليد. عايض وبعض الاسلاميين ممن برزوا بشكل لافت في النصف الاخير من الثمانينات، ثم بلغوا نقطة الغليان أثناء حرب الخليج الثانية، حرب تحرير الكويت، وما تلا ذلك طيلة عقد التسعينات، حيث اصبحت خطب واشرطة عايض القرني وسلمان العودة و«تنظيرات» سفر الحوالي، هي صارية السفينة الصحوية... بكل الوانها الداخلية.

ويأتي في التأثير بعد هؤلاء دعاة أمثال ناصر العمر (أحد صقور الصحوة) أو عوض القرني (وهو غير عايض) أو بشر البشر، او محمد بن سعيد القحطاني .. وغيرهم. شكل كل هؤلاء، وفي مقدمهم الثلاثي: العودة والحوالي وعايض القرني، رأس حربة للاسلاميين في التصدي لما اعتقدوه «غزوا» صليبيا امريكيا للبلاد، ومطالبين بـ«الاصلاح» والتغيير، في جل المجالات، وفق الوصفة الاسلامية التي يقدمونها. ثم تطور الامر الى إنشاء خطاب ديني معارض، اختاروا له طريقة المحاضرات وأشرطة الكاسيت وسيلة للتعبير. البلد كان يمر بلحظة قلقة، وقد ازاحت امواج حرب الخليج الثانية الكثير من رمال الوهم، واتضح ان هناك الوانا وتنوعات داخل المتدينين، او «طلبة العلم» حسب التسيمة التقليدية المحلية، وبان لمن لم يكن يعرف، أن هناك شيوخا تقليديين، لا يتفقون مع مواقف «شيوخ» آخرين من الشباب، لا بل تطور الامر الى صدام، وصدرت فتاوى من هؤلاء الشيوخ التقليديين ضد بعض دعاة «الصحوة»، واندلع خلاف حقيقي بين رموز «الاسلام الحركي» السياسي مع بعض المثقفين السعوديين، اثناء حرب تحرير الكويت، أبرزهؤلاء المثقفين الذين خاضوا جدالا حقيقيا مع رجالات الاسلام «الصحوي» هو الدكتور، والوزير الحالي في السعودية، غازي القصيبي عبر سلسلة ردوده على رموز الصحوة، المعنونة بـ«حتى لا تكون فتنة» والتي اثارت حينها ضجة. وكتب القصيبي سلسلة مقالات في «الشرق الاوسط» تحت عنوان «في عين العاصفة» ردا على من وقفوا ضد حرب التحرير، ورد على تلك الزاوية عايض القرني، خطيب الصحوة وشاعرها ـ إن لزم الامر في الازمات ـ بمحاضرته «سهام في عين العاصفة»... عززها بقصيدة اخرى. ورد غيره.

القرني يدرج الان نحو بلوغ الخمسين ، فالرجل، حسب سيرته، ولد سنة 1959، وقد مر بمراحل كثيرة، وتغيرت آراؤه بحسب المعطيات والظروف التي مر بها ومرت به، لكنه لم يكن بعيدا عن الاضواء الا ليعود اليها مجددا، فدائما ما تشغله ويشغلها.

مرة أخرى : هو بالفعل مثل الطائر الذي يتنبأ بالمتغيرات من حوله قبل الجميع، وينتقل برشاقة وسلاسة، وبشكل يجعل الجميع ينظرون اليه وهو يطير من جبل الى سهل، ومن سهل الى جبل، ويمر على الاشجار بينهما ... ينظرون اليه فقط، ساخطين أو معجبين، بخفقات الجناح.

الرجل ولد في بلاده بلقرن، ودرس في معهد الرياض العلمي (المرحلة المتوسطة) في العاصمة، وهو معهد ديني ضمن سلسلة معاهد دينية موجودة في السعودية، لكن ميزة معهد الرياض العلمي، كما يقول من عرفه تلك اللحظة، أنه كان مسرحا خصبا للتبشير بأفكار التيار «السروري»، عكس معهد «امام الدعوة» في الرياض ايضا، الذي كان مسرحا لتيار آخر هو تيار الاخوان، وتلك قصة اخرى طويلة. و«السرورية» تيار اسلامي يمزج بين التشدد السلفي والحركية السياسية الاخوانية، أي أنه سلفي المضمون العقدي والفقهي، لكن سلفيته ليست موالية سياسيا، بل ذات نزعة قطبية (نسبة لسيد قطب).

وكان هذا التيار، أيضا، منتشرا في مدينة ابها عاصمة اقليم عسير على جبال السروات جنوب السعودية، تلك المدينة التي شهدت مراحل دراسة عايض الثانوية والجامعية، وكانت مهد خطبه اللاذعة في جامع ابي بكر الصديق بأبها. وفي مرحلة الدراسات العليا كان، كما يذكر احد المطلعين، فترة تعرفه الى، ومن ثم صداقته، مع الرمز الصحوي الشهير سلمان العودة، وتوثقت العلاقة بينهما، ربما بسبب كيمياء تجمع بين الرجلين، وهي التعلق بالادب وحب الشعر، وهموم أخرى. هل كان عايض «ملتزما» بالمعنى الحركي للكلمة؟ ام كان طيرا جوابا في السماء يستعصي على شباك الالتزام والانضباط الدعوي؟ وهل كان خارجا على النص الانضباطي؟

عارفوه يقولون إن عايض القرني كان داعية اسلاميا، يتقارب كثيرا مع خطوط وملامح الخطاب الصحوي، بل هو كان ظهيرا ونصيرا لهذا الخطاب، أي أنه منه بالمعنى الفكري، لكنه لم يكن داخلا في حبال الحركة، أو مشدودا إلى اطناب خيمتها الثقيلة، كانت دوما له نغمة خاصة، وخروج على المتن الحركي، الى هوامش المجتمع، وفلتات الابداع ... الامر الذي أتعب عايض، واتعب الدعاة «المنضبطين» معه، فدائما ما كان الرجل يقف على طرفه الخاص.

وإذا ذُكر عايض عند اصدقائه المقربين، فلا يمكن ان تخطأ عينك الابتسامة المرتسمة على الوجوه، ابتسامة ممزوجة بشيء من الود، فهو رجل المفاجآت. في ذروة المواجهة بين الاسلاميين الصحويين وبين بعض المثقفين والمؤسسة الدينية التقليدية، والدولة، كان عايض نجما خطابيا للصحويين، بالشعر والمحاضرات والخطب، وكان مركزه المكاني منبر جامع الصديق في ابها. ويذكر الجميع كيف غادر ابها الى الرياض في حمأة تلك اللحظة، على اثر قصة شهيرة، ثم تحدث عن «الابتلاء» بمحاضرة مؤثرة ومشبعة بالوجدانيات، وبعد اعتقال سلمان العودة في 1994، وسفر الحوالي في سبتمبر من نفس السنة، اعتقل القرني بعدهما بقليل، لكنه لم يمكث في السجن إلا بضعة اشهر ، ليعود اليه مرة اخرى، ويخرج قبل رفيقيه، العودة والحوالي اللذين خرجا في (يونيو) 1999. ويقال إن سجن عايض، في المرة الثانية، كان بسبب قصيدة مليئة بالتلميحات هجا فيها «الفراعنة»! ودوما مشكلات القرني لها علاقة بالقصائد التي غالبا ما تورطه شعبيا او سياسيا ! خرج القرني، وظل في حالة «كمون»، لكنه كان أول المنسلين من كهف النسيان، او الابتعاد عن الحديث في الشأن العام، من مشايخ الصحوة ورموز الاسلام الحركي، وخرج في قناة «الجزيرة»، وهو يقدم رجلا ويؤخر اخرى، حيث بان ذلك من تحفزه وهو يتحدث في البرنامج ، وكان ذلك اول ظهور «مسموح» لرمز صحوي في مثل هذه الحال، وذلك في نوفمبر 2001 ، بعد شهرين من تفجيرات 11 سبتمبر، وبداية اشتداد الحملة على الاسلاميين المسيسين في السعودية، والعالم كله. فخرج وتحدث بلغة هادئة، وأثنى على هيئة كبار العلماء، وتحدث عن البلد والدولة والمجتمع بلغة ودودة ، الامر الذي اثار سعد الفقيه، الاسلامي السعودي الاخر، فكتب من لندن معتبرا أن عايض القرني ورفاقه من المشايخ الصامتين قد تنازلوا عن قضية المعارضة الصحوية.

وهكذا كان عايض أول الطيور الصحوية التي غادرت اشجار الظل، وتركت ميناء الانتظار، وعانقت سماء الإعلام. وهو الرجل العارف بلغة الاعلام، وكيفية إبهار الجماهير و«تدبير شأنها».. ولا عجب فهو شيخ يجيد العزف على اوتار الجماهير. ثم انفتحت عليه «طاقة القدر»، او بالأحرى جاء الى القدر وجاء القدر اليه، بعدما ازيلت الحصاة السياسية عن طريقه، فكتب، وألف، وحاضر، وصار نجما لامعا، يبيع ملايين النسخ من كتابه «لا تحزن». وأصبح الضيف الجماهيري المرغوب دوما في الفضائيات والتلفزيون السعودي الرسمي، ويتم اختياره هو دون غيره لاجراء حوارات التراجع مع «مشايخ» القاعدة الثلاثة. وأبحر عايض القرني لوحده، وأغضب بعض قواعده وأنصاره من الصحويين ببعض تصريحاته الفقهية «الميسرة»، لكنه سرعان ما يتصالح معهم ببيان او «توضيح» ما، لكن لم يقبل كل الاسلاميين توضيحاته، ومن خرج منهم شاهرا سلاحه ومكفرا، من شباب «القاعدة»، حوّله الى خانة الاعداء ومشايخ السلطان، فقد اصبح جليس امراء، وخدين ملوك ومسامر اغنياء ، ونسي الدعوة والدعاة، لكن عايض يأبى دوما هذا التصوير له، ويقول انا من الدعوة وإليها...

الجماهير، بدروها، لا تصغي الى تحفظات «السروريين»، او اتهامات القاعديين، او نقدات «الجاميين»، فعايض عند العامة، والقاعدة الاعرض، هو «نجمها" المحبوب.

هل تغير عايض ؟ هو يقول نعم، ولكنه تغير على طريقة عمر بن الخطاب الذي قال :«هذا على ما نقضي وذاك على ما قضينا به» أي أنه تغيير «اجتهادٍ» جزئي، وليس منهجي. كان عايض يقول «لا وطنية في الاسلام» (كما في كتيبه : مجتمع المثل)، ولكنه عاد وصار داعية للوطن والمملكة العربية السعودية، وكتب قصيدة في الاشادة بجسر الملك فهد، الرابط بين البحرين والسعودية، وقال عنه «جسر اللذة»، وزار ملك البحرين وأثنى عليه. وشارك غازي القصيبي في الموقف ، فقد كتب الوزير ايضا قصيدة مديح بهذا الجسر ، وهذا هو الجسر الادبي الابرز بين الرجلين. وجه القرني، بالامس، سهامه في عين عاصفة القصيبي، «عدو الدعاة» ، لكنه عاد وأسماه اخا، يتعاون هو وإياه على البر والتقوى، قال إن تغطية وجه المرأة مسألة خلافية، وأن قيادتها للسيارة ليست محرمة ولا مذكورة في «سورة الانفال» . لكن عايض يقول: لم أتغير، «هذا على ما نقضي، وذاك على ما قضينا به...». عايض القرني، داعية، وشاعرا، وخطيبا، وجليسا، سهل الدخول على النفس، يهوى النكتة اذا حكمت، ولا يفوت اغراء لحظة الابداع اذا حلت، ثم لا مشكلة، يوضح لاحقا، فحينما عوتب بسبب قصيدته الاحتفائية التصديقية عن الفلاح العراقي البسيط (منقاش) الذي اسقط طائرة «اباتشي» ببندقية مهترئة، كما زعم، قال القرني: «على أية حال هذه اللمعة الأدبية لا بد أن تستغل..»، واضاف على طريقته الساخرة :«الآن عمورية لما نظم فيها أبو ريشة : (ربّ وامعتصماه انطلقت..) هل ثبت بأربعة شهود في المناسبة أنه وقعت عمورية، وأن المرأة ضربت وصاحت.. ؟!» .. وضح الشيخ ، وقال قصيدته، وعلى الآخرين ان يفسروا ...

احد النقاد السعوديين، من« بلديات» الشيخ الضعيف امام لحظة الابداع، قال:«الشيخ عايض بداخله فنان مقموع»! هذا هو عايض، دوماً عصي على الشباك... من يروم صيده يجده حليفا من دون مقدمات، انه الطير.

التعليــقــــات
امل الحربي، «المملكة العربية السعودية»، 10/12/2005
إنه حقا مؤسف أن يعتزل صاحب لا تحزن فإذا كان القرني وأمثاله من المعتدلين يعتزلون الساحة فمن بالله سيملؤها؟ أعتقد أن الإجابة لا تحتاج لعميق تفكير فليس هناك سوى المتطرفين وأشباه العلماء، أما حجة القرني في الايذاء فهذا دأب الصالحين والأنبياء وما محمد عليه الصلاة والسلام عنا ببعيد وشيخنا الحبيب أعلم بذلك.
عمر النجدي، «المملكة العربية السعودية»، 12/12/2005
من أجمل ما قرأت عن اعتزال الشيخ عايض، ومن أجمل ما قرأت للأخ مشاري.
سعيد القرني- كندا، «فرنسا ميتروبولتان»، 12/12/2005
لا أحد ينكر فضل هذا الشيخ على الدعوة حتى معارضيه ولكن كذلك لا أحد يتفق بأن يكون حل المشكلة هو الهروب منها إن كانت مشكلة ، لأن أشرف البشر عمل به الكثير الكثير ... وهذا شيء من ما تعلمنا من فضيلة الشيخ عائض. أسأل الله أن يوفقه لإكمال المسيرة مأجوراُ مشكورا.
مــــاجد البعيجي، «المملكة العربية السعودية»، 12/12/2005
عايض القرني هو الإنسان الذي تعرف على الناس عندما خاطب عقولهم و وجدانهم وعندما عاملهم بالنضج العاطفي الإنساني فعرفوه مثل ما عرفته أنا في أقصى شرق الأرض، عرفته يناديني في كل مكان وفي جنح الظلام بحكمته الصوتية ب لاتعجز وعندما نام الناس عرفته يواسيني بلا تحزن عندما قهرني الناس عرفته ينصحني باحفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك عندما انشغل الناس حتى عن أنفسهم . والله لو كتبت عنك ياشيخنا مداد البحر كلمات ما استطعت أن أعبر عن عمق مشاعري وحبي لك في الله . لكن أقول : أسأل الله العظيم باسمه العظيم أن يجمعنا وإياك في جنة عرضها السموات والأرض يا شيخ يا إنسان
ناجيه الأدريسى، «المملكة العربية السعودية»، 12/12/2005
أنا أؤيد أن يعتزل ولو لفترة من الوقت، فالفرد حين يقدم أفضل ما عنده يحتاج إلى وقت للبحث والإطلاع. فغيبة لقليل من السنين تتبعها عودة قوية أفضل من أن يكون صوتا مشابها لآلاف الأصوات التي قد لا تضيف كثيرا.
عبد الله الراشد، «المملكة العربية السعودية»، 12/12/2005
لمحات رائعة من الكاتب عن إعتزال الشيخ وأكثر ما أعجبني في المقال المقدمة الأدبية ثم الدخول إلى سر تحول الشيخ المبكر وأنه ناتج عن نفسية الشاعر.
ماهر حسين، «الامارت العربية المتحدة»، 12/12/2005
من كل فلسطين نوجه تحية للشيخ عائض الذي نحبه في الله.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال