الجمعـة 20 ذو القعـدة 1426 هـ 23 ديسمبر 2005 العدد 9887
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

هوية غير الوطن

اذا سألت المراهقين العرب المولودين في أستراليا عما إذا كانوا يشعرون بأنهم أستراليون فعلا.. فالجواب في أغلب الأحيان سيكون «لا»

سيدني: خضر صالح
على الرغم من تأكيد المسؤولين الاستراليين وقادة الجاليات العربية في استراليا على تقاليد استراليا الديمقراطية وتسامحها ومجتمعها المتعدد الثقافات الذي يضم 20 مليون شخص من حوالي 140 دولة يتكلمون مائتي لغة ويعيشون فوق 8 ملايين كيلومتر مربع، متمتعين بحق المشاركة والمساهمة الفعلية في الحياة السياسية الاسترالية العامة وممارسة تقاليدهم وحضاراتهم المتنوعة، وعلى الرغم من وصف البعض لأحداث الشغب التي اجتاحت شواطئ سيدني الاسبوع الماضي بين مراهقين من خلفيات عربية واسترالية بالتصرفات الغوغائية الخارجة عن القانون التي ينبغي على الشرطة التعامل معها ووضع حد له، إلا ان المتتبع لحمى تلك الاضطرابات العنصرية لا تخفى عليه ملاحظة ظواهر «مشكلة فوارق» الهوية والانتماء والاندماج التي ظلت تمثل التحدي والقلق الاكبر لعرب استراليا ولا تزال ترافقهم خلال عقود استيطانهم في هذا الجزء السفلي من الكرة الارضية منذ اكثر من مائة عام. لذلك فانك اذا سألت المراهقين والمراهقات العرب المولدين في استراليا الذين يتجولون في شوارع احياء سيدني الغربية هذه الايام عما اذا كانوا يعتبرون استراليا وطنا لهم، فانهم سيجبيون «نعم». أما اذا سألتهم عما اذا كانوا يشعرون بأنهم استراليون فعلا فالجواب في اغلب الاحيان سيكون لا.

ويقول الدكتور غريغ نوبل، استاذ علم الاجتماع في جامعة غرب سيدني، «انه منذ اكثر من عشر سنوات، بدأت الحكومة الاسترالية تروج لمقولة ماذا يعني ان تكون استرالياً. وكيف تستطيع ان تكون استرالياً، وهو السؤال الذي يلحق عادة بالجواب المعتاد الذي يردده معظم ساسة استراليا المحافظين ووسائل اعلامها الذي يقول: «اذا كنت لا تستطيع ان تكون استرالياً وتنسجم مع القوانين الاسترالية فعليك ان ترحل الى بلدك الاصلي او تفتش عن بلد آخر»، وذلك على الرغم من ان الكلام غالبا ما يوجه لمراهقين عرب ومسلمين من مواليد استراليا وحاملي جنسيتها وناطقين بلغتها ولم يسبق لغالبيتهم ان زاروا اي بلد اسلامي او عربي قط، وهنا تكمن المفارقة، الامر الذي اوجد برأي الدكتور نوبل حالة من الشحن والضيق والحيرة وسط هؤلاء الشباب ووضعهم أمام مجموعة اسئلة لا يجدون جوابا شافيا لها داخل المجتمع او حتى في البيت، اضافة الى ما شكلته هذه الحالة من عوامل تهديد حقيقي لعقد التعددية الحضارية الذي شكل خلال الحقب الاسترالية الماضية عامل طمأنة للجاليات المهاجرة لا سيما العربية والمسلمة مما اتاحت لهم الشعور بالامان تجاه الاحتفاظ بخصائص هويات بلدانهم الثقافية التي اتوا منها. وتؤرخ وزارة الهجرة الاسترالية بداية هجرة الجاليات العربية الى استراليا إلى قبل اكثر من مائة عام عندما هاجر مسعود النشبي من بلدة بشري في لبنان عام 1860 قاصدا الولايات المتحدة لتحط الباخرة التي اقلته عن طريق الخطأ في استراليا، فاستقر فيها ثم أحضر ابناء بلدته، وابناء بلدته استقدموا أبناء بلدة اخرى وهكذا، وذلك قبل ان تؤدي ازمات العالم العربي وحروبه ومنها الحرب الاهلية اللبنانية وحربا الخليج الاولى والثانية وغيرها الى استقدام مزيد من موجات الهجرة العربية الى استراليا فجاء الفلسطينيون بعد اللبنانيين الذين جاءوا اولا ثم الاردنيون والمصريون، واخيرا العراقيون. وتتمتع الجاليات اللبنانية والعربية بوجود هيئات متنوعة تسمح لهم بالتمثيل وحرية الوصول الي مجالات واسعة من النشاطات الاجتماعية والترفيهية والسياسية العامة، كما اتاحت طبيعة النظام السياسي الاسترالي القائم على المساواة والديمقراطية والفرص التي وفرتها بعض الاحزاب الاسترالية لاسيما حزب العمال الاسترالي للعديد من الاستراليين من اصول لبنانية وعربية الدخول في الحياة السياسية الاسترالية واستغلال العديد من المراكز السياسية العليا، فكان وصول ماري بشير اللبنانية الاصل الى منصب الحاكم العام لولاية «نيو ساوث ويلز»، و«ستيف براكس» الى منصب رئيس حكومة ولاية «فيكتوريا» ثاني اكبر ولاية في استراليا، وادوار عبيد السناتور البارز وعضو مجلس الشيوخ في ولاية «نيو ساوث ويلز» وغيرهم العشرات من نواب المقاطعات ورؤساء وأعضاء المجالس البلدية الذين استطاعوا الفوز بمقاعد في مجالس الولايات والحكومات المحلية، وتوجد في جميع ولايات ومناطق استراليا جمعيات ومؤسسات اسلامية وعربية، وتتاح لهم حرية بناء اماكن العبادة. ويوجد في استراليا اكثر من مائة مسجد وكنيسة، يقع معظمها في ولايتي «نيو ساوث ويلز» و«فيكتوريا». ويعتبر الدين الاسلامي الاكثر انتشارا في استراليا بعد المسيحية ويوجد في استراليا اكثر من 20 مدرسة إعدادية و11 مدرسة ثانوية تعود لمؤسسات تابعة للجاليات العربية والاسلامية. لكن برغم جهود الحكومة من اجل تعزيز الاندماج الاجتماعي وسعي استراليا لتحسين صورتها في العالم العربي في أعقاب حرب الخليج الثانية، الا ان الاضطرابات الاخيرة دليل على مشكلة في النسيج الاجتماعي الاسترالي. وتذهب البروفيسورة ماري كالانتيزيس من جامعة ملبورن بعيدا في اتهام جهات سياسية في الحكومة الاسترالية المحافظة باعتماد سياسة التخويف من الجاليات المهاجرة والعرب بشكل خاص كطريقة لكسب اصوات الاستراليين من اصول انغلو ساكسونية بقيت عصية عن الالتحاق بطبيعة تكوينها الاجتماعي والثقافي بركب «التعددية الحضارية» التي ترى انها تلفظ اليوم انفاسها تحت تأثير شريط طويل من الظواهر المثيرة للجدل التي تبدأ بالاعلام الاسترالي المتحيز ضد العرب والمسلمين وظاهرة بولين هانسون رئيسة حزب «استراليا اولا» والعضو السابقة في مجلس الشيوخ الاسترالية وشعاراتها التي تدعو لترحيل الاجانب، وإطلاق مصطلحات «العصابات اللبنانية»، و«الجريمة العرقية» وصولا الى دورة العنف العنصري ضد اللبنانيين والعرب على شواطئ كورنيلا في سيدني الجنوبية الاسبوع الماضي والتي رفض رئيس الحكومة الاسترالية جون هاورد وصفها بالاعتداءات العنصرية.

وترى راندة قطان المديرة التنفيذية لمجلس الجاليات العربية الأسترالية بأن الجاليات العربية والمسلمة في استراليا تشعر بأنها تعيش تحت الحصار، بعد أن تزايدت الاعتداءات العنصرية ضد افرادها منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر (ايلول) وحتى الآن. وقالت قطان ان على سياسيي أستراليا أن يقرروا أي نوع من المجتمعات يرغبون فيه، وما إذا كان هذا المجتمع يقبل العرب والمسلمين أم لا؛ وذلك لتوجيه رسالة قوية للذين يقودون حملة كراهية ضدهم. ورأى الناشط في الجالية العربية رولاند جبور رئيس المجلس الاسترالي العربي ان «العرب الاستراليين تحملوا الاهانة والعنصرية وإساءة المعاملة والخوف من عمليات الانتقام العنصرية لعدد من السنوات، إلا ان اعمال العنف التي حصلت أخيرا رفعت هذه المخاوف الى مستوى جديد». فيما قال هاري كويك عضو حزب العمال المعارض لمحطة تلفزيونية «اننا فقط نشهد عينة ما حدث في فرنسا قبل شهور قليلة.. للأسف اذا غصت في الاعماق تجد ان المجتمع الاسترالي مجتمع عنصري على الرغم من تخلصنا من سياسة استراليا البيضاء قبل اربعين عاما». ويشدد الناشط الاسلامي الاسترالي البارز قيصر طراد على ان ما تشهده استراليا الآن، هو عملية انقلاب حقيقي على سياسة التعددية الحضارية التي اطلقت خلال عهود رؤساء وزراء استراليا السابقين مالكوم فرايزر وغوف ويتلم وبول كيتنغ لتحل محلها سياسة مغايرة تماما يديرها رئيس الحكومة الاسترالية جون هاورد والقطب الاعلامي الاسترالي آلن جونز تحرض ضد الاقليات وتدعم سياسات استراليا البيضاء التي ربما تقود برأيه الى ما يشبه الحرب الاهلية داخل استراليا. ويقول طراد «ان الحل يبدأ باعادة الاعتبار لسياسة التعددية الحضارية والتعامل بجدية مع النزعات العنصرية التي تروج لها وسائل الاعلام». ويضع الكثير من السياسيين الاستراليين وفعاليات الجالية العربية والاسلامية اللوم على وسائل الاعلام الاسترالية في استغلال سمعة الإرهاب لنشر ثقافة الكراهية والتعصب ضد العرب والمسلمين لاسيما عبر برامج البث المباشر او ما يعرف بـ«التوك باك» .

ويوافق الناشط قيصر طراد على كلام جونز ويشير الى ان احدى الاذاعات سمحت خلال الاحداث الاخيرة لأحد المتصلين بها باذاعة دعوات لقتل الناشطين والعرب في استراليا، فيما وافق معلق آخر هو براين واليش على قول احد المتصلين ان الاطفال العرب والمسلمين يولدون مشوهين عقليا ولا يحملون ذات المميزات الخلقية التي يحملها الاستراليون من اصول انغلو ساكسونية. كما يأخذ البعض على وسائل الاعلام تلك محاولة تفريق الجاليات العربية بين مسلمين ومسيحيين خلال ازمة الاشتباكات الاخيرة. ويشير الدكتور زكريا ماثيو من مركز الدعوة الاسلامية في سيدني الى مقال نشرته صحيفة «الاستراليان» والقى فيه مسؤولية عمليات التخريب التي تعرضت لها بعض المنشآت والمحلات التجارية على مراهقين من الجالية الاسلامية.

* أين يعيش العرب في أستراليا؟

> وفق الاحصاءات الاسترالية هناك أكثر من مليون شخص من اصول عربية يشكلون نحو 5% من مجموع السكان الـ20 مليون. > تعتبر الجالية اللبنانية من اكبر وأقدم الجاليات العربية، ويبلغ تعددها وفق احصاءات سكانية اجريت 1996 بنحو 350 الف شخص. وتبلغ نسبة المولودين منهم في استراليا 43.5 % أما المولودون خارج استراليا فتبلغ النسبة 37.9% وتتراوح نسبة المسيحيين منهم 53% بينما تصل نسبة المسلمين إلى 38 %. > تلي الجالية اللبنانية، الجالية المصرية التي يتراوح عددها بنحو مائة الف نسمة، ثم الجالية العراقية التي تعتبر من اصغر الجاليات في استراليا لكنها من اكثرها نموا، وهي تشمل الاكراد والآشوريين والتركمان، وقد بلغ تعداد الجالية العراقية في استراليا وفق احصاء عام 1996 اكثر من عشرين الف شخص، من بينهم نحو 15 الف شخص مولود في العراق، وما يقارب 5 آلاف شخص مولود في استراليا من آباء وأمهات عراقيين. > وفق الاحصاءات، فان معظم افراد الجاليات الناطقة باللغة العربية يعيشون في منطقة «نيو ساوث ويلز» في سيدني، وهم من فئة الشباب المولودين في استراليا وتتراوح اعمارهم بين 5 ـ 20 عاما (حوالي 16%). كما يتمركز العرب ايضا في منطقة «فيكتوريا»، وولاية «كوينزلاند» والعاصمة «كانبيرا» و«تسمانيا». > وفق تقسيم مناطقي اكثر تحديدا، يقطن اغلب اللبنانيين في ضواحي «بانكستاون» و«كانتربري» (حوالي 18 %من الجالية يعيشون هناك) وفي «باراماتا»، (11% من الجالية يعيشون هناك). اما الجالية المصرية فتتركز في الضواحي الجنوبية والغربية من سيدني، حيث يقطن غالبيتهم في «بلاك تاون» ( 9( %، و«كانتربري» و«روكدايل»، (حوالي 8%)، وتسكن اعداد قليلة من الناطقين باللغة العربية في مناطق «إيلاوارا» و«هنتر». > تظهر خرائط ورسوم بيانية اعدها مركز الابحاث السكانية والاجتماعية في جامعة موناش الاسترالية الفوارق العرقية والاقتصادية بين مناطق سيدني المختلفة. ويحدد رسم بياني نشرته صحيفة «سيدني مورنينغ هيرلد» أخيرا خريطة انتشار الاستراليين من اصول انغلو ساكسونية في الشريط الساحلي لمناطق سيدني الجنوبية التي يتمتع سكانها بنسب معيشية مرتفعة وبنى تحتية عالية الجودة؛ ومن بينها منطقة «سزرلاند شاير» التي يتبع لها شاطئ «كورونيلا» الذي اندلعت فيه المواجهات العرقية أخيرا، والتي يمكن تمييزها بوضوح عن حزام المناطق الفقيرة واصحاب الدخل المحدود في ضواحي سيدني الغربية التي تتركز بها الجاليات العربية والمسلمة وغير الناطقة بالانجليزية عموما.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال