الجمعـة 24 محـرم 1427 هـ 24 فبراير 2006 العدد 9950
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

خلف بن هذال «شاعر الوطن».. تشعر به حتى لو لم تفهمه

ذهب إلى الكويت جنديا وعاد اليها بطلا * جعل الشعر النبطي منشورا سياسيا لدى السعوديين * تحول إلى «تقليد» سعودي سنوي

لندن: مشاري الذايدي
يوم الثلاثا يوم واحد محرم

بعد اربعمية والف لاعاد من يوم

يوم الثلاثا بالحرم سيل الدم

مع صحوة الاسلام والناس بالنوم

هذه الابيات التي قالها خلف بن هذا العتيبي، أو «شاعر الوطن» كما اصبح لقبه لاحقا، تمثل نموذجا مثاليا على «نص» خلف بن هذال.

خلف بهذه الابيات التي تتحدث عن أزمة احتلال الحرم المكي من قبل مجموعة جهيمان العتيبي في العام 1979، لنحو اسبوعين، أظهر قدرته في تطويع الشعر النبطي أو العامي على تصوير الاحداث المهمة عبر جمل شعرية بالمحكية النجدية، تصوير يتقصد الكلمات القريبة للاذن المحلية، دون ابتذال او صعوبة، وبقدرة فذة على الادهاش والمضي بين حكاوي العامة وحديث الخاصة.

لخص الحدث، وأرخ تاريخ وقوعه، واتخذ منه موقفا.. هذا هو شعر خلف كما عرف لاحقا.

خلف بن هذال الحافي العتيبي، كان يشق طريقه نحو بلاط الملوك بشكل مختلف وصعب منذ البداية، وربما بمحض صدفة قدرية، لكن المميزين هم من يعرفون كيفية «تخليد» الصدفة لصالحهم!

ولد خلف بن هذال في مدينة ساجر، في عالية نجد، عام 1943، وفقد والده وهو في الثامنة مع عمره، وتحول، شأنه شأن الكثيريين من تلك الاجيال، التي عانت شظف العيش، الى البحث عن مصدر رزق، وعمل في السكة الحديد براتب 3 ريالات، ثم التحق بالجيش الكويتي سنة 1959، مثل الشاعر الشعبي الآخر وابن قبيلته: رشيد الزلامي، صاحب القصيدة الشهيرة في مديح الملك فهد والتوجع من البعد عن الاهل.

عاد بعدها خلف الى السعودية والتحق بأفواج الحرس الوطني، وتحديدا الفوج التاسع، الذي كان تحت قيادة الشيخ تركي بن ربيعان امير قبيلته. والذي اشاد به كثير من شعراء العتبان، وقال فيه بندر بن سرور، احد اشهر الشعراء المختلفين، الكثير من الشعر، ومدح بندر تركيا بعدة قصائد شهيرة، منها القصيدة التي قالها لبنت تركي الصغيرة، ومطلعها:

يا بنت لولا اللي على تاسع الفوج...

وقال فيها:

تركي ليا من الليالي غدن عوج

حمل عتيبه كالها ماتشيله

يرسي كما مينا البواخر على الموج

ومن وين ماصك البحر يرتكي له

الشيخ تركي بن ربيعان، الذي كان من اشهر امراء الافواج، وهي قوات البادية شبه النظامية، هو الذي أدخل شاعرنا خلف بن هذال إلى عالم الامراء والقصيدة السياسية، بعد ان كان خلف شهيرا بالشعر الغزلي وغنائه، وشعر «القلطة»، وهو نوع من الشعر السجالي يرتجل في حلبة الشعر و«صفوف الرد»، وكان خلف مبرزا في هذا الميدان، وله مساجلات شهيرة وحادة مع شعراء آخرين من اشهرهم شليويح المطيري. وكانت حافلة بالغمزات و«النكشات» البريئة على حدتها!

في عام 1963 يخبر الشيخ تركي بن ربيعان خلف بن هذال، بأن الفرقة الأولى للحرس الوطني لديها حفل على شرف رئيس الحرس الوطني الأمير عبد الله بن عبد العزيز (الملك حاليا) ويطلب منه قصيدة في الحفل، اعجب الامير عبد الله، حينها، بالقصيدة ومنح خلفا رتبة جندي في الحرس الوطني، وانضم لقوات الحرس الوطني المرابطة في املج على البحر اثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

البعد الحربي والعسكري وجد عند خلف ايضا، وفي بلد سيكون له معه ذكريات خاصة لاحقا، وهو الكويت حيث، رابط اثناء عمله مع الجيش الكويتي على الحدود مع العراق اثناء تهديد عبد الكريم قاسم حينها. واستمر خلف في العمل العسكري مع الحرس الوطني حتى تخرج عام 1973 برتبة ملازم.

يقول خلف في احد حواراته عن علاقته بالشعر، ان اول قصيدة كتبها كانت وعمره 13 سنة. لكن شهرة خلف الحقيقية بدأت مع حرب الخليج الثانية او حرب الكويت سنة 1990. فقد تصدى خلف ببراعة لصياغة الموقف الشعبي في شكل قصائد حماسية تداعب الشعور الوطني، وكان اشهرها قصيدته التي قالها في بدايات الغزو.

القصيدة لاقت رواجا كبيرا، واستطاع خلف ان يقترب بنصه الشعري العامي ذي الطابع البدوي الى ذائقة الجمهور السعودي المختلف التكوينات من التكتلات الحضرية في غرب السعودية الى نخبتها الحضرية الاخرى على ضفاف الخليج.

القصيدة كانت منشورا سياسيا وصرخة تحد رددتها الحناجر السعودية في شكل دفاع عن الذات امام الخطر الداهم، الذي مثله صدام حسين بعدما ابتلع جيشه دولة الكويت.

القصيدة ذات المطلع الشهير: يا لله بامانك من النكبات تامنا... اصبحت جزءا من تاريخ الحرب.

والمثير فيها البيت الذي اقسم فيه خلف بعودة قصر «دسمان» في الكويت الى الشيخ جابر.

قال خلف بصوته الجهوري الصاخب، وطريقته الحربية في الالقاء، ووجهه المربد غضبا:

يا الله بمانك من النكبات تامنا

والدار باحماك تمنها وتامنها

لاوامر القايد الأعلى تمثلنا

أرواحنا في سبيل الله نعربنها

بقيادة الفهد شلنا الصوت واذنّا

على المناير تلج ابنا مآذنها

الى أن يقول:

والمملكة في حمانا حيث ماكنا

بالدم نسقي ثراها وانتحضنها

وايضا:

مكة وطيبة لنا وإلنا وغصب إلنا

ترسانة الدين للعالم نترسنها

وحينما دخلت بعض القوات العراقية الى مدينة الخفجي شمال شرق السعودية، واندلعت معركة شرسة لاسترداد المدينة، افلحت فيها القوات في تخليص المدينة من الاحتلال.. وهي المرحلة التي بدأت فيها بوادر الهزيمة على جيش صدام تلوح في الافق، كان خلف بن هذال يلقي قصيدته في مدينة الملك خالد العسكرية في شمال شرق البلاد، وامام الملك عبد الله بن عبد العزيز (كان وليا للعهد حينها)، قصيدة اصحبت هي الأخرى على لسان الجميع، وكانت مميزة بالايقاع الحربي، متضوعة بنكهة النصر:

يقول فيها خلف:

يالله يالله فزعتك يا رحيم ويا ودود

يا كريم عند دفع المصايب يسألا

يا جواد كل من جاد من جودك يجود

يا مشرفنا بحمل الكتاب المنزلا

ما سجدنا إلا لوجهك لطاعتك السجود

بامرك أحداث الليالي تحل وتفتلا

التفتنا للحرايب ووثقنا القيود

خطة تبرم وتبرم وجهد يبذلا

الى ان يقول عن صدام حسين:

جعل يوم جاب صدام يوم ما يعود

المشاكل تصطلي والخطر منه اصطلا

اعقلوا عدو الإسلام بعقال القعود

خلو النازي يشم التراب مكبَّلا

انشق البارود حتى يطيبن الكبود

واسحب أذيال الهزيمة وناد لك زملا

ثم لما ذهب الى الكويت، بعد التحرير واستقبل استقبال الابطال، وهو الذي غادر الكويت جنديا عاديا قبل اكثر من عقدين من الزمن، القى قصيدة يغازل فيها الكويت مطلعها:

زبنتي يا بعد روحي زبنتي

صحيح إن كنت أو ما كنت كنتي

وفيها:

اضمك من ضلوعي في ضلوعي

ومن قلبي على قلبي سكنتي

وهكذا استمر خلف ينسج موقف الشعور العام على هيئة قصيدة مدوية، تحفل بالدفاع عن مواقف الدولة والرد على تحديات الآخرين الموجهة ضد الوطن.

على ان ميزة خلف الاخرى، والتي يراها البعض جزءا رئيسا من جاذبيته، هي قدرته المدهشة على حفظ قصيدته عن ظهر قلب، حيث لا يلقي الشاعر ابدا شعره من ورقة مكتوبة، بل يهذها هذا، بطريقة انفعالية مؤثرة، وبلهجة تحمل صفاء الانتماء المحلي، وتوحش الصحراء النبيل، وسهولة التوصيل ايضا..

اصبحت قصيدة خلف بن هذال تقليدا سعوديا سواء في موسم الحج (قصيدة منى) أو في مهرجان الجنادرية، او في المناسبات الطارئة، مثل حرب الكويت، او احداث الارهاب. اصبحت تقليدا منذ 1965 حينما القى اول قصيدة له في منى في مناسبة الحج، وكان حينها جندياً في الحرس الوطني أمام الملك فيصل، وقد ألقاها بعد الشاعر المكي الفصيح احمد الغزاوي.

خلف يعتز كثيرا بالاوبريت الذي كتبه في مهرجان الجنادرية سنة 1995 (دوله ورجال)، الذي لحنه عبد الرب إدريس وغناه محمد عبده، وطلال مداح، وسلامة العبد الله، وعبد المجيد عبد الله، وراشد الماجد.

هناك جانب غنائي واضح في خلف، سواء في مفرداته المتراقصة والتي تعمد احيانا إلى التلاعب باللفظ الواحد على اكثر من معنى وبجرس قوي، او حتى في شعره المغنى، كما في اغنية «يانار شبي من ضلوعي حطبك» التي غناها المطرب الكويتي محمد البلوشي، او في اغنية «يا حبيبي ترا القلب بعدك سرح»، التي غناها المطرب القطري علي عبد الستار.

الجانب الوطني في خلف بن هذال هل يعني ان خلف انتقل الى سوية اخرى، غير سوية الشعر العامي الكلاسيكي واغراض الشعر الكلاسيكي المعتادة والتي تتمحور حول الفخر بالقبيلة او العائلة؟!

الدكتور سعد الصويان احد المتخصصين السعوديين بالانثروبولوجيا والادب الشعبي يقول: «اعتقد ان خلف يمثل جسرا بين شاعر القبيلة وشاعر الدولة». ويضيف: «هو شاعر محاورة او «قلطة» قوي، وهو حين يدخل هذا المجال فإنما يدخله بشروط شاعر القلطة، اي بوصفه شاعرا ينافح عن قبيلته وهو فحل في هذا الجانب».

ويتابع الصويان: «لكنه حينما يلقي قصيدة في محفل مثل الجنادرية، فإنه يظهر على اساس انه شاعر دولة، ومن هنا فهو يمثل او يلخص الحالة الانتقالية من مركزية القبيلة الى مركزية الدولة، ومن هنا ايضا يظهر تطور خطاب خلف الشعري في هذا المجال، لأن الدولة كتنظيم، متقدمة على القبيلة كثيرا، فوجب ان يتوازى الخطاب الشعري مع هذا المستوى».

واضاف الدكتور سعد: «نموذجية خلف وحالته في تقديري ستستمر لتوفر شروط استمرارها، اضافة الى انني لا اعتقد أن هناك لحظات مضمحلة في التطور الاجتماعي، بل هي دورات وحلقات مترابطة دائرية».

إذن، هذا هو خلف.. الذي شغل المتابعين منه الجانب الحماسي، لكنه يقول متحدثا عن ألمه الخاص البعيد عن ضجيج السياسة في إحدى لحظات بوحه:

لو المناوي تنفع أهل المناوي

ما صار في قلبي حزازات وفلوق

التعليــقــــات
محمد العنزي، «المملكة العربية السعودية»، 24/02/2006
خلف بن هذال شاعر كبير ومعروف ولكنه مقيد ومنذ سنوات في المشاركة بقصائد وطنية لا تعرض الا في مهرجان الجنادرية، أي أنه شاعر موسمي يتحفنا كل عام بقصيدة وطنية واحدة ولذا فاعتقادي بانه مقصر في حق الوطن الذي يحتاج منه الكثير وليس مشاركاته في مهرجان الجنادرية فقط؟ هذا المهرجان ينظمه الحرس الوطني كل عام وهو يعتبر من منسوبي هذا القطاع ويعمل فيه، فهل نستطيع أن نطلق عليه لقب شاعر الوطن، أو شاعر الجنادرية؟
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال