الجمعـة 19 رجـب 1428 هـ 3 اغسطس 2007 العدد 10475
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سعيدة ساسي.. تحكمت وكادت تحكم

ابنة أخت بورقيبة رحلت: لم تشغل منصبا رسميا.. وكسب ودها يعني فتح الأبواب على مصاريعها

واشنطن: طلحة جبريل
تكفي همسة من سعيدة ساسي ان ترج الطبقة السياسية التونسية رجاً. فهي الاكثر نفوذاَ في كل البلاد، منذ دخولها الى قصر قرطاج مطلع الثمانينات، لرعاية خالها الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، الى ان خرجت منه بخروجه. عملت على توسيع دائرة نفوذها والحد من نفوذ الآخرين، بما في ذلك وسيلة عمار زوجة الرئيس منذ عام 1962، وكذا ابن بورقيبة، الحبيب بورقيبة الابن.

وفي ربيع عام 1990 رحل الرئيس بورقيبة، بعد أن أُبعد الى ظلال النسيان. وفي الاسبوع الماضي رحلت ابنة اخته سعيدة ساسي، وكانت قد انتقلت منذ 20 سنة الى منطقة أبعد كثيراً من ظلال النسيان. غادر بورقيبة «مجاهد تونس الاكبر»، كما كان لقبه، وهو يعاني حالة أقرب ما تكون الى الخرف. واغمضت سعيدة ساسي عينيها في ضاحية قرطاج وهي تعاني من مرض الزهايمر.. أي خرف حقيقي.

وفي قمة عهدها، ظلت سعيدة ساسي تدبر المؤامرة ضد وسيلة عمار، حتى قرر الرئيس الحبيب بورقيبة تطليقها عام 1982. ورثت ساسي في واقع الامر النفوذ الواسع الذي كانت تتمتع به وسيلة عمار، ليس ذلك فحسب، بل سعت الى تفتيت كل نفوذ اسرتها التي ظلت ترفل في رغد من العيش في العاصمة. كانت أسرة الوسيلة عمار من الأسر الارستقراطية في تونس العاصمة. وينسب كثيرون الى وسيلة عمار نجاحها في التوفيق والمصالحة بين بورجوازية العاصمة التونسية ونخبها والنخب التي تتحدر من اقاليم البلاد الاخرى. كما ينسب اليها فضل كبير في إبعاد احمد بن صالح، الذي اراد ان يدبر انقلاباً مدنياً في تونس ويتجه بها نحو اليسار.

كان بن صالح شغل عدة حقائب وزارية في فترة الستينات، ثم أصبح الرجل القوي المسؤول عن الاقتصاد والتخطيط وحاول تطبيق فكرة التعاونيات (التعاضديات)، ولكن أمام تدهور المستوى المعيشي وتذمر كبار وصغار المالكين أعفاه الحبيب بورقيبة من جميع مناصبه في عام 1969، ثم حكم عليه بالسجن عشر سنوات مع الاشغال الشاقة بتهمة الخيانة. لكنه هرب من السجن في فبراير (شباط) 1973 ولجأ إلى الجزائر.

وعندما أبعدت سعيدة ساسي وسيلة عمار عن خالها، لم تكتف بذلك، بل سعت الى حشر شقيقها المنذر بن عمار في زاوية ضيقة. كان المنذر من المقربين من الرئيس بورقيبة، نظراً للدور الذي لعبه في اقناع شقيقته بالطلاق من زوجها الاول والزواج من الحبيب بورقيبة، لكن ذلك لم يشفع له عندما غضبت عليه سعيدة ساسي، إذ بعد افول نجم وسيلة عمار اصبحت الاتهامات تطارده بتلقى عمولات، وكاد يدخل السجن بتهمة الفساد المالي.

وظلت علاقتها سيئة جداً مع الحبيب بورقيبة الابن. كان بورقيبة الابن لا يكف عن انتقاد سلوك سعيدة ساسي علانية الى حد التقريع. وقال أكثر من مرة إنها في إطار الاستجابة لبعض نزوات الرئيس بورقيبة، كانت تسيء الى ماضي والده ومستقبل تونس. بقيت سعيدة ساسي الى جانب خالها الحبيب بورقيبة حتى مغادرته الحكم عبر شهادة طبية تثبت «عجزه عن الاضطلاع بمسؤولياته». كانت الاوامر تصدر باسم بورقيبة لكن صانع القرار الرئيسي هو سعيدة ساسي.

كان الى جانبها من رجال القصر منصور السخيري مدير ديوان الرئيس، وعمر الشاذلي الطبيب الخاص، ومحمود بلحسين أحد جلساء بورقيبة المخلصين الذين كانت تتفاوت مهامهم من قراءة الصحف للرئيس الى سرد آخر الطرائف وحكايات الطبقة السياسة في البلاد، وكان الثلاثة يدينون لها بالولاء أو على الأقل يتظاهرون بذلك. امسكت ساسي بكل الخيوط بين يديها. تقرب من تريد وتبعد من تشاء. وكل شيء باسم «المجاهد الاكبر».

منذ ان دخلت سعيدة ساسي الى قصر قرطاج اصبحت الآمرة الناهية في كل شيء، من تعينات المناصب العليا الى وجبات الطعام التي تقدم الى خالها الحبيب بورقيبة. كانت مسؤولة النهار.. والليل ايضاَ داخل قصر قرطاج. خلال خمس سنوات من عام 1982 الى شتاء عام 1987، كان كسب ود سعيدة ساسي يعني ان تنفتح الابواب على مصارعيها.

شخصية ساسي فيها الكثير من الغموض. لا تشغل اي منصب رسمي. وفيها الكثير من العبوس، إذ لم تلتقط لها صورة مبتسمة، على قلة الصور التي التقطت لها، وتبدو دائماً وكأنها تشعر بالمرارة لان الآخرين لا يستوعبون كيف يفكر المجاهد الاكبر. خصومها كانوا بلا حصر.

قيل إنها تلاعبت بحياة الرئيس في نوبات مرضه. كانت ترى انها ابنة الاخت المفترض فيها ان تقف الى جانب خالها في كل الاوقات. تبوأت سعيدة ساسي مركزاً متقدماً في دائرة النفوذ، وفي حكايات ودسائس قصر قرطاج، في وقت كانت فيه تونس تعيش حيرة شاملة وصعبة. ظهرت وساوس وشكوك كبيرة من ان الرئيس لم يعد يحكم. الوزارات تعين ثم تقال لأتفه الاسباب، وادى ذلك الى تفتت الطبقة السياسية التي تحلقت حول «الزعيم».

ظهر عجز واضح في بلاد تقع في منطقة فوارة. فساد يهز الادارة. طبقة وسطى شكلت عماد الاستقرار، لكن الفساد ظل ينخر بنياتها ويقعدها عن اداء اي دور. تفشت الرشاوى وسط كبار المسؤولين. تخبط سياسي واقتصادي وأزمة اجتماعية ضيقت الخناق على هيبة الدولة. مشكلة «الخلافة» تتقدم على ما عداها. في كل فترة يبرز ما يمكن نعته بالخليفة، والسياسيون يتطاحنون الى حد جعل كثيرين يعتقدون بان السلطة باتت مرمية على قارعة الطريق.

بدت تونس الخضراء بلداً مترنحاً في حالة دوار، إدارة مهملة إلى حد الاستهتار، وتركيز السلطة في ايد لا تشغل منصباً أو تحتل موقعاً رسمياً وصل إلى درجة غير مسبوقة. وقفت سعيدة ساسي بقوة ضد ان يتقدم «المثقف» محمد مزالي الذي ظل وزيراً أول (رئيس حكومة)، الى الصف الاول، وعملت ضده حتى اضطر ان يفر من البلاد متخفياً في زي شيخ عجوز. وقبل ذلك تعمدت سعيدة ساسي ان تجرع مزالي المهانات. كانت ترى ان مزالي وقف الى جانب خصميها وسيلة عمار والحبيب بورقيبة الابن. كانت علاقات وسيلة مع بورقيبة الابن سيئة، لكن خلال عهد مزالي تحسنت تلك العلاقات، ولم تنس سعيدة ساسي هذه المبادرات من مزالي، بعد اقالته من منصبه في صيف عام 1986، عندما اتهم بان سياسته كانت وراء ما عرف يومئذ بـ«ثورة الخبز»، عندما اندلعت مظاهرات عارمة في البلاد احتجاجاً على غلاء المعيشة.

أوغرت ساسي صدر خالها على مزالي ، فاقيل من منصبه، وعندما حاول مرة دخول قصر قرطاج بمناسبة عيد ميلاد بورقيبة طرد من الباب، على الرغم من ان دعوة وجهت له، ثم استمرت سعيدة ساسي في الانتقام، من رجل «صالح خصومها»، كما كانت تقول. القي القبض على نجل مزالي الاكبر ويدعى مختار، ولم يبق امام مزالي من مخرج سوى ان يفر من البلاد، ثم اعتقل بعد ذلك ابنه رفيق وهو طبيب واستاذ جراحة وتعرض لتعذيب وحشي لاجبار مزالي على العودة، بعد ان انتقل من الجزائر الى سويسرا، ثم اعتقلت ابنته سارة وزج بها في سجن يضم بائعات الهوى، وحددت إقامة زوجته.

وعلى الرغم من ان مزالي تحدث كثيراً عن دور سعيدة ساسي في كل ما حدث له، فإن الحاكمة بأمرها في قصر قرطاج لم تعقب ولو بكلمة، ولم يحدث طيلة حياتها ان التقت صحافياً او تحدثت امام كاميرا او مايكرفون. كانت تعتبر ان الاعلام يفسد كل شيء!

جمعت بين سعيدة ساسي ومحمد الصياح علاقة غير واضحة. كان الصياح يوصف بانه رجل الحزب القوي وابن بورقيبة الروحي وكان في احدى الفترات قريباً من وسيلة عمار، كما كان صديقاً مقرباً من الحبيب بورقيبة الابن. لكن الصياح استطاع بدهائه السياسي وقدرته على التأقلم مع كل الأجواء، ان يدخل امرأة اخرى الى قصر قرطاج، لم تكن سوى مديرة مكتبه نجاة خنتوش. اعجب بورقيبة بهذه السيدة المثقفة، كما اعجب كثيراً بزوجها المحامي الذي تولى مسألة تطليقه من زوجته الوسيلة عمار.

كانت سعيدة ساسي تدير لعبة الخلافة، بقدرات تفتقر الى الذكاء السياسي، وراحت تحاول ان تدعم وبقوة مرشحها للخلافة، حيث لمعت صورة الهادي مبروك سفير تونس في باريس، الذي كانت له حظوة كبيرة في العاصمة الفرنسية. يقول كاتب عرف المدينة وخبر ادوارها «رائحة باريس خليط من روائح القهوة والثوم والنبيذ والعطور والخبز الساخن الذي خرج لتوه من الفرن. وكذلك باريس مدينة تعرض اسرارها على قارعة الطريق».

حاولت الوسيلة عمار ان تستعيد من عاصمة النور دوراً، بعد ان خرجت من قصر قرطاج مطلقة، وهي السيدة التي صاهرت بين ارستقراطية تونس العاصمة وباقي الاقاليم، من خلال علاقتها الزوجية مع بورقيبة. وكان لا يتحرج في مغازلتها في أحاديث علنية، ويتحدث عن هيامه بها، لكن كل ذلك تبخر مع اتساع نفوذ سعيدة ساسي على خالها.

ظلت باريس دائما تلعب دوراً اساسياً في كواليس السياسة في المغرب العربي. النخبة السياسية تظن ان الاشارات التي تأتي من هناك هي الاساس وما عداها قبض الريح. كانت سعيدة ساسي تعتقد ان انتقال «الخلافة» الى سفير تونس في باريس، يحقق الغرض. الرجل يحظي بثقة «الدولة الكبرى»، خاصة انه يحمل جنسيتها، وهو تودد اليها كثيرا باعتبارها سيدة قصر قرطاج أو «الناطقة» باسم القصر، كما كان يقول التونسيون. راحت ساسي تهمس كثيراً في اذن خالها باسم الهادي المبروك، ولعل الفكرة راقته، بل لعله حزم أمره، ولعل ذلك ما كان سيحدث بالفعل. لولا ان هناك «تحالفاً» آخر ارتأى ان يضع حداً للحكاية برمتها. حيث تقرر ان يقال للتونسيين إن «المجاهد الاكبر» لم يعد قادراً على ممارسة مسؤولياته.

تقرر في ليلة شتوية في عام 1987 قطع خطوط الهاتف عن قصر قرطاج، ولم تكن الهواتف الجوالة قد ظهرت بعد، ثم تقرر استبدال الحرس الرئاسي المحيط بالقصر. كان ذلك اعلاناً بافول عصر المجاهد الأكبر، ونهاية لنفوذ «الناطقة» سعيدة ساسي.

كانت سعيدة ساسي تتقن كيف تحارب بالآخرين وتتخلى عنهم في منتصف الطريق. كان هؤلاء الآخرون شخصيات لها نفوذ. وحاولت حتى آخر ايام سلطة خالها الاستمرار في هذه المعادلة. بيد ان الزمان كان يتبدل وهي لا تدري. لم تجد سوى البكاء في ليلة كانت عامرة بالقلق عندما تقرر عزل الرئيس بشهادة طبية، وتقرر ان يبقى بعيداً عن السلطة. عندما سمعت سعيدة ساسي ان الرئيس لم يعد قادراً على ممارسة مهام منصبه لم تجد هاتفاً يمكنها ان تتحدث عبره مع أحد. ولم يكن أحد قادر على ان يجازف بالاتصال، ثم كان ما كان. انتقلت سعيدة ساسي مع المجاهد الاكبر خارج قصر قرطاج. تحولت الى منطقة الظل، ولم يجازف أحد الاقتراب منهما.

في الاسبوع الماضي كان نصيب سعيدة ساسي خبراً من بضعة أسطر يقول: «توفيت سعيدة ساسي الشخصية المثيرة للجدل في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة عن 86 سنة في منزلها في قرطاج في الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية». وصرحت ابنتها ليلى انها توفيت بعد معاناة مع مرض الزهايمر.

هكذا انتهت رحلة سيدة استطاعت عبر «دسائس القصر» ان تصبح امرأة لها سطوة ونفوذ، ثم هبت عليها وهي تنتحب، رياح شتوية ذات يوم في خريف ماطر عام 1987. رياح طوتها ودفعتها الى عالم النسيان.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال