الجمعـة 28 محـرم 1431 هـ 15 يناير 2010 العدد 11371
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مقديشو.. مدينة تحتضر

سكانها يعيشون حياة بدائية محرومين من المياه والكهرباء والطرقات.. ونهارهم لا يتعدى الـ8 ساعات

جندي صومالي يتمشى بين بيوت مهجورة في مقديشو فر منها سكانها بسبب القتال العنيف (أ.ف.ب)
مقديشو: علي حلني
كانت مقديشو، كما يقول عارفوها، واحدة من أنظف العواصم الأفريقية وأحسنها نظاما وأمنا ما قبل عام 1991، حين سقطت الحكومة المركزية ودخلت البلاد في حرب أهلية. لكن اسم مقديشو ارتبط بالفوضى والحرب خلال العشرين سنة الماضية، وتغيرت معالمها العمرانية والسكانية (يقدر عدد سكان مقديشو حاليا بنحو مليوني نسمة). وخلافا لأي مدينة كبيرة في العالم، فإن نهار مقديشو التي كانت تعد من المدن الساهرة في السبعينات والثمانينات، لا يتعدى اليوم 8 ساعات، إذ لا ينزل سكانها إلى الشارع إلا بعد حلول الثامنة صباحا، فيما يعودون إلى منازلهم في الرابعة ظهرا.. لأسباب أمنية. ويتأكد التجار والطلبة والموظفون وغيرهم قبل خروجهم أو عودتهم من العمل، من وضع المدينة وشوارعها عبر المحطات الإذاعية الكثيرة المنتشرة في العاصمة والتي تبث الأخبار والمقابلات والتحليلات والتقلبات الأمنية على مدار اليوم. وتنتشر في العاصمة أكثر من عشر محطات إذاعية تملك الحكومة الصومالية واحدة منها فقط، والباقي مملوك للقطاع الخاص.

وكما تعتبر النشرة الجوية مهمة في بعض البلدان، فإن النشرات والبرامج شبه الأمنية هي التي تستقطب معظم المستمعين من سكان مقديشو. وليس غريبا أن تبدأ النشرة الرئيسية في المحطات الإذاعية في السابعة أو الثامنة صباحا وكذلك في المساء بحالة الطرق في المدينة، وما إذا كانت مغلقة أو سالكة، حتى إن سائقي الحافلات العمومية تأقلموا مع هذا الوضع بحيث يغيرون مساراتهم بين الحين والآخر تبعا لحالة الأجواء الأمنية في مقديشو.

يقول حسن (36 عاما) وهو سائق لحافلة عمومية لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص على تشغيل الراديو طوال اليوم حتى أعرف ما الذي يجري في الشوارع التي أجتازها، وأضطر إلى تغييرها في كثير من الأحيان، مما يسبب لي مشاكل مع الركاب الذين يرفضون دفع أجرة إضافية».

تغلق الشوارع في العاصمة لأسباب كثيرة، أبرزها وقوع اشتباكات بين القوات الحكومية التي تسندها قوات الاتحاد الأفريقية، ومقاتلي الفصائل الإسلامية المعارضة. وكذلك وقوع قصف مدفعي فيها، أو لدى مغادرة ووصول المسؤولين الكبار في الحكومة الصومالية. وكذلك الحال مع وصول الوفود الأجنبية الزائرة أو المغادرة، حيث يقوم مقاتلو الفصائل المعارضة باستهداف هذه المواكب بصورة مستمرة. كما يتجنب السائقون وأصحاب السيارات الطرق التي تقام فيها نقاط للتفتيش من قبل العصابات المسلحة أو القوات الحكومية أيضا. وتغلق الأسواق والمحال أبوابها بحلول الرابعة بعد الظهر، حيث يبدأ المتسوقون والسكان بالهرولة إلى منازلهم خوفا من أن تفوتهم آخر الحافلات العمومية المتجهة إلى مناطقهم. ويضطر كثير من الناس إلى المبيت في محلاتهم أو عند الجيران أو الأقرباء بسبب تأخرهم وعدم تمكنهم من اللحاق بالحافلات.

وأثناء التنقلات يجب أن تكون متفننا في إخفاء الهاتف الجوال، أثناء سيرك في الطريق أو التجول بالأحياء. ويترك بعض الناس هواتفهم الجوالة في البيت أو في مكان آخر، أو يلجأون إلى حمل الرخيص منها الذي يمكن تعويضه. وفي حالة وجود الجوال معك فيجب أن تضبطه على الساكت أو الهزاز حتى لا يتم اكتشافه من قبل الميليشيات المسلحة. وفي حال أراد صاحب الجوال إجراء مكالمة ضرورية في مكان ما، فعليه أن يعرف مسبقا خريطة انتشار المسلحين. فالرد على الجوال في بعض الأماكن يمكن أن يؤدي إلى الشك في حامله، وقد يصل الأمر إلى القبض عليه أو قتله مباشرة. وفي حالة حدوث طارئ خلال الليل، فإن معظم الناس لا يجرؤون على فتح الباب، فالحياة في مقديشو تتوقف قبل غروب الشمس، ونادرا ما توجد وسيلة مواصلات سواء كانت سيارة أجرة أو حافلات عامة بعد حلول المساء.

معظم الخدمات في مقديشو معطلة. فالإضاءة الليلية شبه معدومة بسبب انهيار شبكة الكهرباء العامة. وأصحاب المولدات يزودون الكهرباء فقط بمنازل القادرين على دفع الفاتورة الشهرية التي تتراوح قيمتها بين 15 و20 دولار للكهرباء الليلية، و30 و40 دولارا للكهرباء التي تدوم ليلا ونهارا. وتعتمد الفنادق والشركات الكبيرة على مولدات خاصة، أما معظم سكان مقديشو فعادوا إلى مصابيح الغاز والفتيلة.

وكغيرها من الخدمات، انهارت أيضا شبكة المياه في مقديشو. ويعتمد السكان على الآبار الارتوازية الخاصة، حيث يتم ضخ المياه الجوفية إلى أعلى ثم تنقل بواسطة عربات الحمير إلى المنازل. ويكلف البرميل الواحد ثلث إلى نصف دولار. ويتم استخدام الجرادل المملوءة بالمياه في الاستحمام. وتوجد شركات خاصة تقوم بمد أنابيب المياه من هذه الآبار بقيمة دولار واحد للمتر المكعب. وهناك أيضا شركات خاصة تقوم بمعالجة مياه الشرب وتبيع الـ«جيركن» الواحد (20 لترا) بنصف دولار تقريبا، ويباع للميسورين فقط.

وانهارت شبكة الصرف الصحي أيضا منذ فترة طويلة، ولذلك يتصرف السكان كل حسب إمكانياته المادية. فالفقراء يقومون بطمر الزبالة أو حرقها أمام المنازل، أما القادرون فيقومون بإبعادها عن منازلهم. وأصبح مظهر أكوام القمامة مألوفا في الشوارع المهجورة أو المباني المدمرة كنوع من التخلص منها.

ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في الصومال في عام 1991، أصبحت العاصمة مقديشو البؤرة الأكثر توترا في البلاد، وشهدت نزوح معظم سكانها الحضريين، وحل محلهم سكان الأرياف والبادية الذين لجأوا إليها بحثا عن حياة أفضل. ونتج عن ذلك تراجع الثقافة المدنية لسكان مقديشو وانتشار الثقافة البدوية. فمقديشو من ناحية العمران، مدينة كبيرة وحضرية، ولكن الثقافة البدوية طاغية على سلوك سكانها الجدد. وبناء على هذا، فإنهم تأقلموا مع الحياة الصعبة والفوضوية فيها التي أجبرت الحضريين على الفرار منها.

فالمدينة الآن خالية من جميع وسائل الترفيه. الحدائق العامة تحولت إلى مأوى لسكان الصفيح، والشوارع الجميلة تحولت إلى ممرات ترابية عادية تصلح لسير الجمال أكثر من السيارات، وعربات الحمير التي تنقل المياه حلت محل شبكة أنابيب المياه، كما أن الظلام الدامس في الليل وغياب الحركة يجعلك تشعر وكأنك في إحدى الغابات البرية الموحشة. كما اختفت الأندية الرياضية والملاعب ودور السينما، وجميع المرافق السياحية والمتاحف والمكتبات العامة. أما الفنادق الراقية، فحلت محلها فنادق شعبية لا يوفر معظمها غير سرير وغرفة، وهو ما يتماشى مع الثقافة البدوية التي لا تتطلب تفننا في وسائل الاستجمام أو الراحة.

وفي الشوارع الترابية في مقديشو لا توجد علامات على الطرق، كما اختفت إشارات المرور. والسائقون لا يلتزمون اتجاهات السير، وإنما يبحثون عن فتحة ينفذون منها مهما كان اتجاهها لمواصلة قيادة سياراتهم. كما أنه لا توجد لوحات للسيارات، فهي معروفة لصاحبها بأكثر من علامة غير ظاهرة مثل ناقة الراعي، وحتى المسؤولون الحكوميون يتحركون بسيارات لا لوحات لها.

وعلى الرغم من قتامة الأجواء في مقديشو، فإن قطاعات عدة لا تزال مستمرة رغم المخاطر التي تتعرض لها. وتمكنت فئات كثيرة من التأقلم مع هذه الأوضاع المتقلبة، ومن بين هذه القطاعات، الاتصالات حيث تنشط عدة شركات خاصة للاتصالات تقدم خدمات متعددة من الهواتف الثابتة والجوالة. وكذلك خدمة الإنترنت عبر الهواتف الجوالة، وتعد تكلفة الاتصالات الدولية أرخص منها في أفريقيا. وبالإمكان إجراء مكالمة دولية لأي مكان في العالم بتكلفة تصل على الأكثر إلى نصف دولار أميركي للدقيقة. أما خدمة الإنترنت فتكلف 30 دولارا شهريا.

وإلى جانب الاتصالات، هناك قطاع الحوالات التي تعتبر عصب الحياة في الصومال، حيث تقوم عشرات من شركات الحوالات أو الصرافة بتحويل الأموال التي يرسلها المغتربون الصوماليون إلى أهلهم في الداخل. وبفضل هذا النظام، أصبح بإمكان أي صومالي في الخارج تحويل أي مبلغ من الأموال يتسلمه الطرف الثاني في الداخل، في فترة قصيرة لا تتجاوز الدقائق العشر. وعلى الرغم من الدمار الكبير الذي لحق بالقطاع التعليمي، فإن نحو 10 جامعات خاصة تمارس نشاطها في مقديشو، ويقصدها آلاف الطلبة يوميا، ويجدون صعوبات بالغة في مواصلة التعليم الجامعي. ويعمل في مقديشو أيضا عدد من شركات الطيران الخاصة التي تقوم برحلات منتظمة إلى كل من مطارات دبي ونيروبي وجيبوتي وجدة.

أما أسواق مقديشو، فتمتلئ بكل ألوان المنتجات المستوردة التي تأتي عن طريق ميناء مقديشو. وتلقى المنتجات الرخيصة رواجا كبيرا على الرغم من تدني جودتها، لكنها تتناسب مع الإمكانيات المادية للطبقة الفقيرة التي تمثل غالبية سكان مقديشو.

وعلى الرغم من انتشار أنشطة القراصنة الصوماليين في خليج عدن والمياه الصومالية، فإن القراصنة نادرا ما يتعرضون للسفن المستأجرة للتجار الصوماليين. ويستورد التجار الصوماليون البضائع من موانئ الدول المجاورة ومن الهند والصين وباكستان وإندونيسيا أيضا، حيث يهيمن الصوماليون على تجارة الاستيراد النشطة في شرق أفريقيا. أما العملة المستخدمة فهي الـ«شلنغ» الذي يقال إنه لا رصيد له عالميا، لكن يتم التعامل به بحكم الضرورة. وتعرضت العملة المحلية للتزوير وطبعها بشكل غير قانوني من قبل تجار محليين.

ومنذ عام 1991، لم تقدر أي من الحكومات الصومالية المتعاقبة على السلطة من السيطرة على مقديشو بالكامل. وكانت المدينة مقسمة مرة بين أمراء الحرب القبليين ومرة بين الحكومة والمعارضة. وتسيطر الحكومة الحالية على نحو نصف العاصمة، أما النصف الآخر فيخضع لسيطرة الفصائل الإسلامية المعارضة. وتسعى الحكومة إلى استعادة السيطرة عليها وتوحيدها من جديد. ويرى المراقبون أنه حتى في حال سيطرة طرف ما بالكامل على مقديشو، سواء الحكومة أو المعارضة، فإن إعادة تأهيل هذه المدينة التاريخية وإعمارها بشكل يتناسب مع مكانتها كعاصمة للجمهورية الصومالية، قد يأخذ وقتا ربما يكون أطول من العشرين عاما التي استمرت فيها الحرب المدمرة بين أطراف النزاع الصومالي.

ومقديشو المركز التجاري والسياسي للمنطقة التي يسكنها الصوماليون في شرق أفريقيا لعدة قرون، وأصبحت عاصمة رسمية للصومال منذ منتصف القرن التاسع عشر، أي قبل تكون الجمهورية الصومالية بفترة طويلة. تقع مقديشو على الساحل الغربي للمحيط الهندي، وتعانق المحيط الذي يحيطها من ثلاث جهات أقيمت على هذا المكان المتميز في وقت قديم يختلف المؤرخون حوله، منذ ثلاثة قرون قبل الميلاد إلى وقت متزامن مع فجر الإسلام. وكانت على مر العصور مركزا تجاريا مهما، وملتقى لطرق الملاحة البحرية كموقع وسط بين شبه القارة الهندية وأوروبا من جهة (قبل شق قناة السويس)، والجزيرة العربية والساحل الأفريقي من جهة أخرى. وعلى الرغم من اختلاف المؤرخين حول المكان الأول الذي وضع فيه الحجر الأساس للمدينة القديمة؛ فإن معظم الروايات تلتقي عند نقطة أن المدينة أسست تقريبا في القرن الثاني أو الثالث للميلاد، ولكنها اكتسبت أهمية كبيرة في فجر الإسلام لاعتناق أهلها الدين الإسلامي مبكرا، وهاجر إليها العرب والفرس بصورة مكثفة ابتداء من القرن الأول للهجرة.

أما تسمية مقديشو فقد قيل إنها محرفة عن كلمة «مقعد شاه» (أي كرسي الملك)، إشارة إلى المكان المفضل الذي اتخذه الحاكم الفارسي مقرا له عندما حكم الفارسيون المدينة في أوائل القرن السادس الهجري، ثم أصبح ينطقها الصوماليون بـ«مَقْدِيشُو» (بضم الميم أو فتحها، وسكون القاف، وكسر الدال المهملة، وضم الشين المشبعة، وسكون الواو). وبناء على هذا فكلمة مقديشو تتكون من مقطعين: أحدهما عربي (مقعد) والثاني فارسي (شاه). وقد لا تعني هذه التسمية ارتباط إنشاء المدينة بالفرس؛ لأن بعض الكلمات الفارسية كانت شائعة في الجزيرة العربية وعلى سواحل القرن الأفريقي منذ وقت قديم، ولم يظهر اسم مقديشو في التاريخ القديم للمدينة نفسها إلا في المراجع التي تعود إلى القرن السابع الهجري.

وقد زار الرحالة العربي المؤرخ ابن بطوطة مقديشو عام 1331، وأسهب في كتابه «تحفة النظار» في تفاصيل الوضع الحياتي والعلمي والاقتصادي للمدينة آنذاك وما لاقاه من استقبال حافل من سلطان مقديشو. وتعاقبت على مقديشو أكثر من 10 دول وسلطنات، أبرزها دولة حِمْيَر في عهد أسعد بن كرب أحد ملوك الدولة الحميرية في اليمن في القرن الرابع الميلادي، والدولة الأموية، في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان ودولة حلوان أوائل القرن السادس الهجري، ودولة زوزان في أوائل النصف الثاني من القرن السادس الهجري.. إضافة إلى الدولة الشيرازية في القرن السابع الهجري، ودولة فخر الدين في القرن الثالث عشر. وقد تعاقب سلاطين هذه الأسرة على حكم مقديشو حتى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي. البرتغاليون حكموا مقديشو لفترة قصيرة، ودولة المظفر في أوائل القرن السادس عشر. ودولة ياقوب وهي سلطنة صومالية من قبيلة «أبجال»، في القرن الثامن عشر الميلادي. والدولة العمانية في عهد السلطان برغش في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي. وإيطاليا التي احتلت المدينة عام 1892. ثم أصبحت عاصمة للصومال بداية القرن العشرين.

التعليــقــــات
MAHMOUD SHEER، «فرنسا ميتروبولتان»، 15/01/2010
الصومال في ظل ظلمات ثلاث لا تنتهي الفساد المستشري والتخبط السياسي الارعن والاعتماد على الاجنبي على حساب الشعب الصومالي
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال