الجمعـة 25 ربيـع الاول 1431 هـ 12 مارس 2010 العدد 11427
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الشيخ الددو وسيط الأزمات في موريتانيا.. أم براغماتي الإسلاميين؟

قاد وساطة ناجحة في مشكلة المصرف المركزي ورجال الأعمال

الشيخ محمد الحسن ولد الددو
نواكشوط: محمد الأمين
ربما لم يدر في خلد السلطة بموريتانيا أن يعود سجين سابق اتهم ضمن قضايا أمنية خطيرة، إلى واجهة صنع الحدث، ويستقطب الاهتمام الإعلامي مجددا من خلفية الفاعل، وليس لأنه قابع خلف القضبان، ويتمكن من التوسط في حل معضلات شائكة، يخشى أن تعصف بالنسيج الاجتماعي والسلم الأهلي.

هذا السجين السابق هو الشيخ محمد الحسن ولد الددو، الذي قاد وساطة ناجحة في ملف صعب عرف في موريتانيا بـ«مشكلة المصرف المركزي ورجال الأعمال»، بعد ما رفض الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز أي تدخل أو وساطة بشأن ذلك، على الرغم كل المحاولات والضغوط المحلية والإقليمية، كما قام ولد الددو كذلك بمبادرته للحوار مع المعتقلين السلفيين في السجن المركزي بنواكشوط في ملف «السلفية الجهادية». وحين دخل الشيخ الددو، كما يسمي اختصارا في موريتانيا، على معتقلي «السلفية الجهادية» في سجن نواكشوط كانت ثمة وساطة أو مراجعات فكرية يتوقع الجميع نتائجها، لكنها بالنسبة للمتتبعين كانت استكمالا لحوار سابق بدأ قبل سنوات في المكان عينه.

وظل محمد الحسن الزعيم الروحي الجديد لـ«التيار الإسلامي في موريتانيا»، أسير طموحه القيادي والفكري، وهو ما دفعه للمواجهة مع نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع سنة 2003، حين بدأ ولد الطايع ينظر نظرة استئصالية لمكونات التيار الإسلامي كافة، وكان الشيخ الددو يجمع في الوقت ذاته مزيجا من مختلف مشارب الفكر الإسلامي السياسي، بدءا من سلفية عقدية إلى إخوانية (الإخوان المسلمين) منفتحة، وهو ما أدى إلى مواجهة بينه وبين النظام آنذاك لم تنته إلا حين فتح الجنرال محمد ولد عبد العزيز في انقلابه الأول، أسوار السجن المركزي ليطلق سراح المجموعات الإخوانية ويترك السلفيين في انتظار ستطول أيامه.

داخل أسوار السجن حاول ولد الددو أن يرد المتطرفين من السلفية الجهادية إلى واقع أكثر تفهما وانفتاحا، لكن خروجه من السجن قطع حبل المراجعات الأولى التي كان يملأ بها أوقات فراغ السجن الطويلة. بعد السجن خرج ولد الددو وهو يحمل طموحا للقيام بدور في النسيج الاجتماعي والديني بموريتانيا محتفظا بمكانته كزعيم للتيار الإخواني ممثلا في حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، ومحتفظا في الوقت ذاته بنظرته للفكر السلفي الذي عرف به في المشرق العربي. «الشيخ محمد الحسن بن الددو الشنقيطي» هو الاسم الذي يحمله موقعه الإلكتروني على الإنترنت، الذي يحوي كثيرا من خطب الجمعة والدروس العلمية والدعوية. وبه يوقع فتاواه ويبدو أنه اختار الانتساب إلى «شنقيط» بدل «موريتانيا» لأنه الاسم الذي كانت تعرف به البلاد قديما في المشرق والمغرب العربيين، إضافة إلى ما يرمز إليه من دلالة على العلم والدعوة. ويطلق عليه إعلاميا «العلامة الشيخ الددو». ويحبذ عادة صفة «رئيس مركز تكوين العلماء»، وهو مركز أهلي يوجد في نواكشوط «يسعى لتخريج أعداد من علماء الدين في مختلف العلوم الشرعية». ولد محمد الحسن في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1963 قرب مدينة «بوتلميت» (155 كلم جنوب شرقي نواكشوط)، في أسرة علمية معروفة، وتربى في أحضان أخواله «آل عدود»، وبدأ حفظ القرآن الكريم في السنة الخامسة وأكمله بعد تجاوز السابعة. درس الددو العلوم الشرعية واللغوية، على يد أفراد من عائلته، ولازم جده الشيخ محمد عالي ولد عبد الودود، وهو أحد كبار علماء موريتانيا، ودرس عليه حتى وفاته سنة 1982، وذلك في «محضرته» (المدرسة التقليدية)، وأجازه في جميع مروياته، ودربه على التدريس وارتجال الشعر والخطابة. دخل ولد الددو الحياة العامة عندما حصل على البكالوريا (الثانوية العامة) سنة 1986، وكان من المتفوقين على مستوى موريتانيا، ورفض قبول منحة دراسية في تونس، والتحق بكلية القانون بجامعة نواكشوط، ولكنه سرعان ما احتل المرتبة الأولى في مسابقة المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، وبعد ذلك احتل المرتبة الأولى أيضا في مسابقة فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في نواكشوط، وبعد مقابلة مع مديره قرر ابتعاثه في منحة دراسية للجامعة في العاصمة السعودية الرياض في المستوى الثالث الجامعي ليكمل الدراسة فيها. وحصل على درجة الماجستير بامتياز، عن بحثه حول «مخاطبات القضاة»، وحصل على درجة الدكتوراه عن موضوع «العقد على موصوف في الذمة». في جامعة الإمام محمد بن سعود بمدينة الرياض كان ولد الددو طالبا وأستاذا في آن واحد. ويقال إنه أظهر هناك بداية تحول فكري، حيث كان قادما من وسط إسلامي علمي صوفي، وأصبح يميل نحو الفكر السلفي، غير أن العارفين به يقولون إنه حافظ على «توازن دقيق» بين الاتجاهين، قبل أن يجد نفسه أكثر ميلا نحو الوسطية الإسلامية و«الصحوة» ممثلة في تيار الإخوان المسلمين، ولم يعرف له نشاط سياسي في السعودية. ولم يقتصر ولد الددو على أخذ العلم من مكان واحد، فقد نهل العلم أيضا من مصر وسورية والمغرب واليمن إضافة إلى الهند. وأجازه الشيخ أبو الحسن بن عبد الحي الندوي الحسني، والشيخ نعمة الله الإديوبندي وغيرهما. وعند عودته إلى موريتانيا لم يكن محمد الحسن، معروفا في الوسط السياسي بقدر ما كان يعرف بنشاطه العلمي من خلال تقديمه لمحاضرات علمية، ودروس لبعثات الحج في الأراضي المقدسة، ولكن شهرة ولد الددو بدأت مطلع القرن الحادي والعشرين، وبلغت أوجها مع اعتقاله عام 2003 إبان حكم الرئيس الأسبق ولد الطايع، وذلك عندما أظهر معارضة قوية للنظام، وأصدر عددا كبيرا من الفتاوى حول التطبيع وضرورة قطع علاقات موريتانيا مع إسرائيل التي بدأت بتوقيع اتفاق في واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) 1999.

ولم يصدر ولد الددو فتوى إلا وحملت تزكية نخبة من العلماء الموريتانيين في مقدمتهم خاله الشيخ محمد سالم ولد عدود، الذي تسببت مواقفه الداعمة لولد الددو في توتر علاقاته مع النظام الحاكم، على الرغم من أنها ظلت على ما يرام. اعتقل ولد الددو صيف سنة 2003 على خلفية تهمة وجهها له النظام آنذاك يدينه مع رفاقه الإسلاميين بمحاولة زعزعة الاستقرار السياسي في البلد من خلال تشكيل «جبهة إسلامية سرية». وقال وزير الداخلية الموريتاني آنذاك إن ولد الددو يتزعم مجموعة إسلامية تسعى للقيام بنشاطات ضد المصلحة العليا لموريتانيا، ودخل ولد الددو السجن مع عدد كبير من القيادات الإسلامية من تيارات «الدعوة والتبليغ»، و«الإخوان» و«السلفية» بجناحيها، ومجموعة من المشايخ والأئمة من جهة، والشباب الذين سيظهر جزء مهم منهم، لاحقا، كأعضاء في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. لم تطل أيام ولد الددو في السجن المدني بنواكشوط، فقد كان على موعد جديد مع الانقلابات العسكرية، التي بدأت تطرق أبواب موريتانيا بعد 19 عاما من الاستقرار السياسي النسبي حين تزعم الرائد المعزول من الجيش، صالح ولد حننا ورفاق له من الرتب المتوسطة في مختلف أسلاك فروع الجيش، محاولة انقلابية دامية، انطلقت رصاصاتها الأولى فجر الثامن من يونيو (حزيران) 2003، لتنتهي بـ«الفشل» مساء اليوم التالي، ولكن خلال ذلك كان الددو وجميع السجناء الإسلاميين قد حرروا، وغادروا السجن. أصدر الشيخ الددو فتوى تدين الانقلاب، واستخدام العنف والسلاح للإطاحة بالنظام الحاكم، وبعد استقرار الأمور للسلطة عاد بمحض إرادته إلى السجن رفقة مجموعة من الإسلاميين في حين اختارت مجموعة أخرى الانزواء بعيدا عن أعين الأمن، وانتقل ثلاثة من السجناء إلى بلجيكا حيث حصلوا على اللجوء السياسي.

وأصر الرئيس السابق ولد الطايع على تنظيم الانتخابات الرئاسية في موعدها الذي كان محددا قبل المحاولة الانقلابية أي يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2003، وقبل افتتاح الحملات الانتخابية قدم نظام ولد الطايع ما وصفه المراقبون يومها «الهدية المجانية» لقادة التيار الإسلامي، حيث أخرجهم من السجن وأمامهم تعاطف واسع وشعبية تزداد. وكانت تلك الانتخابات بداية ظهور الشيخ محمد الحسن كناشط سياسي حيث دعم بقوة المرشح محمد خونه ولد هيداله، وأصدر فتوى تتعلق بوجوب التصويت لـ«الأصلح». كرست انتخابات 7 نوفمبر حكم ولد الطايع، واعتقل المرشح ولد هيداله إثر توجيه تهمة له بتدبير محاولة انقلابية في حال عدم فوزه، ولم يسلم الشيخ محمد الحسن ولد الددو من شظايا التهم المتعلقة بالمعارضة العسكرية، واعتقل مجددا رفقة عدد كبير من الناشطين الإسلاميين من مختلف الاتجاهات، وحاول سدنة نظام ولد الطايع توريط ولد الددو في دعم المحاولة الانقلابية التي قادها ولد حننا، لكن أعوزهم الدليل الذي يثبت ذلك. ساءت ظروف ولد الددو في السجن، ولم يحاكم، في وقت قال فيه بعض قادة وناشطي التيار السلفي إنهم تعرضوا خلال اعتقالهم لتعذيب مستمر من طرف أفراد الأمن، الذي يتهمهم أيضا بمواصلة التنسيق ضمن «جبهة» محظورة تهدف للقيام بنشاطات تضر بموريتانيا. وشكلت الانقلابات ابتسامة حظ لولد الددو، فقد أطيح بولد الطايع صبيحة يوم 3 أغسطس (آب) 2005 في انقلاب سلمي حمل العقيد اعل ولد محمد فال إلى السلطة، وحينها أصدر الحاكم العسكري عفوا شمل كل من حكم عليهم خلال عهد ولد الطايع.

وعند ما فاز الرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله كان ولد الددو قريبا منه خلال فترة حكمه، وربطتهما علاقات طيبة، عززها الترخيص لحزب سياسي خاص للإسلاميين لم يقبل به ولد الطايع، وولد محمد فال، وأخذ اسم «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)» ويقوده النائب البرلماني محمد جميل منصور. وعلى الرغم من أن الإسلاميين وقفوا في الصف المناوئ للانقلاب الذي قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز على ولد الشيخ عبد الله في 6 أغسطس (آب) 2008، فإن ولد الددو لم يظهر خلال فترات الضغط والتوتر السياسي، وبعد توقيع اتفاق داكار في يونيو (حزيران) 2009 بين الأطراف السياسية، وتنظيم الانتخابات الرئاسية يوم 18 يوليو (تموز) 2009، دعم أول مرشح رئاسي للإسلاميين وهو محمد جميل ولد منصور، لكنه لم يظهر كناشط في حملته كما فعل في انتخابات 2003 مع ولد هيداله. وحصل ولد منصور على نحو 4% من أصوات الناخبين، واعترف بنتائج الانتخابات التي فاز بها ولد عبد العزيز بنسبة 53% في الجولة الأولى. وعلى الرغم من الإجماع على مكانة الرجل العلمية والاجتماعية، فإنه لم يسلم من الانتقادات من بعض الوجوه الدينية، حيث انتقده رئيس حزب الفضيلة ذي الخلفية الإسلامية ووصفه «بالخطر الداهم على المرجعيات التقليدية في البلاد»، داعيا بعض رفاقه داخل الحزب وخارجه إلى القيام بحملة ضده من أجل تقليص «نفوذه»، والعمل على قطع الطريق أمامه قبل فوات الأوان، مضيفا أن وساطة الددو الناجحة في ملف رجال الأعمال أكسبته نفوذا وسط السياسيين، بعد أن ظل نفوذه مقتصرا على الطبقة «المتدينة» وفق تعبيره، في حين وصفت بعض الجهات الحقوقية في موريتانيا ولد الددو بأنه «الزعيم الروحي للتيار الراديكالي داخل الحركة السلفية»، وأنه قدم دعما للرئيس ولد عبد العزيز، وشق صف الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية المناوئة للعسكريين من خلال قيام حزب «تواصل» المحسوب على الإخوان المسلمين «بمعارضة ماكرة» تأخذ شكل تأييد تدريجي «للزمرة العسكرية»، حسب تعبير أحد الناشطين الحقوقيين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال