الجمعـة 28 رجـب 1432 هـ 1 يوليو 2011 العدد 11903
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

روسيا.. وشرك الازدواجية

الكرملين يحاول اللعب في الوسط تجاه الثورات العربية خشية امتداد لهيبها إلى القوقاز

الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، وخلفه رئيس الوزراء فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)
موسكو: سامي عمارة
على نحو يعيد إلى الأذهان سيناريو معالجة الأوضاع على الجبهة الليبية، استقبلت موسكو هذا الأسبوع وفد المعارضة السورية وهي التي طالما انتقدتها وحملتها مسؤولية تفاقم التوتر واندلاع المواجهة مع السلطات الرسمية في سوريا. وعلى الرغم من محاولة الخارجية الروسية التأكيد على أنها تنأى بنفسها عن استقبال الوفد السوري واعتبار زيارته غير رسمية، فإن الزيارة حققت الهدف المرجو منها في الوقت نفسه الذي كشفت فيه عما اتسمت به السياسة الروسية تجاه ربيع الثورات العربية من تردد وازدواجية في الرؤى والتقديرات.

وكان ألكسندر لوكاشيفيتش الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الروسية استبق الزيارة بتصريحات قال فيها بضرورة تناولها بوصفها زيارة خاصة جاءت بدعوة من اتحاد جمعيات التضامن والصداقة مع البلدان الأجنبية، وأن موسكو لن تعقد أي لقاءات رسمية مع وفد المعارضة السورية.. وذلك رغم إعلان وزير الخارجية سيرغي لافروف في مكالمته الهاتفية مع نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون أن الاتصالات التي سوف يجريها الجانب الروسي مع الوفد السوري تعكس موقف موسكو الذي يتلخص في استحالة عزل أي من الأطراف وترك الأبواب مفتوحة معها جميعها.

ومع ذلك، لم يكن ثمة من يراوده الشك في موسكو أو خارجها تجاه أن الكرملين أعطى الضوء الأخضر لاستقبال الوفد والمباحثات معه. ولذا كان من الطبيعي أن يتولى توجيه الدعوة وإجراء المباحثات ميخائيل مارغيلوف بصفته رئيسا لاتحاد جمعيات التضامن والتعاون مع البلدان الأجنبية وليس بصفته الرسمية كرئيس لجنة الشؤون الخارجية لمجلس الاتحاد والمبعوث الشخصي للرئيس الروسي إلى ليبيا الذي سبق أن قام بالكثير من المهام الخاصة ممثلا للرئيس في السودان وإسرائيل والأراضي الفلسطينية.

ورغم أن موسكو كانت رفضت أكثر من مرة فرض أي عقوبات تجاه القيادة السورية منذ اندلاع الأحداث هناك، بما في ذلك مشروع القرار الذي تقدمت به فرنسا وبريطانيا بتأييد من الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي، فقد كشف لافروف وزير الخارجية الروسية في ختام مباحثاته مع نظيره البيلاروسي سيرغي مارتينوف قبيل وصول الوفد السوري، عن رغبة موسكو في إبلاغ المعارضة السورية من خلال وفدها القادم إلى موسكو بضرورة إبداء أكبر قدر من المسؤولية والاستجابة لخطوات الإصلاح من جانب النظام وإن كانت متأخرة، بعد أن أعربت بلاده عن قلقها تجاه إعلانها في مؤتمر أنطاليا حول عدم إجراء أية مفاوضات مع السلطات السورية.

هكذا، وفي ظل هذه الأجواء، وعلى وقع مثل هذه التصريحات التي تحمل الشيء ونقيضه، جرت زيارة الوفد السوري برئاسة رضوان زيادة مدير مركز دمشق للدراسات الاستراتيجية في واشنطن ومشاركة عدد من الناشطين السياسيين والحقوقيين ممن يمثلون كل ألوان الطيف السياسي السوري في الخارج بمن فيهم الأكراد والإخوان المسلمين إلى جانب ممثلين عن السوريين المقيمين في روسيا. وكانت النتيجة في مجملها إيجابية تمثلت في ما قاله مارغيلوف في ختام مباحثاته مع وفد المعارضة السورية حول أن «السياسيين والزعماء يأتون ويذهبون والأنظمة الاجتماعية تتغير، لكن الشعب هو الباقي دائما»، وأنه «لا صديق لروسيا في سوريا إلا شعبها».

وأضاف أن موسكو تدعو إلى تحويل المواجهة الراهنة في سوريا إلى عملية سياسية في أسرع وقت ممكن مع الوقف الفوري لاستخدام العنف في البلاد، مشيرا إلى أن موسكو «تريد أن تتجسد الإصلاحات التي أعلنت عنها القيادة السورية في الواقع وأن تضم عملية التسوية في سوريا ممثلي الفصائل السياسية والطوائف كافة».

وكان مارغيلوف أعرب أيضا عن استعداد بلاده للمساهمة في عملية لم شمل الفصائل الوطنية في سوريا وقيامها كدولة ما بعد الإصلاح على حد قوله، مؤكدا ضرورة وقف العنف وتحويل المواجهة الراهنة إلى عملية سياسية في أسرع وقت ممكن. وكان وفد المعارضة السورية حرص على استباق مباحثاته مع المسؤولين في موسكو بعدد من اللقاءات الصحافية مع وسائل إعلام روسية وعربية أكد خلالها امتنانه لدعوة الجانب الروسي ورغبته في توضيح موقفه وشرح وجهة نظر المعارضة وكشف جرائم النظام التي يرتكبها بحق الشعب السوري على حد قول نجيب الغضبان عضو الوفد وأستاذ العلوم السياسية في جامعة آركنساس الأميركية لقناة «روسيا اليوم» الناطقة بالعربية.

وقال الغضبان إن الوفد جاء إلى موسكو لإبلاغها برغبته في أن تتخذ موقفا في مجلس الأمن يدين القمع والعنف والقتل ولإطلاعها على رؤية المعارضة تجاه ما يجري على أرض الوطن والتأكيد على الطابع الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين. وقال إن إجماعا يتبدى بين فصائل المعارضة السورية في الداخل والخارج حول رفض التدخل العسكري، وإحالة بعض جرائم النظام إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ ومنها جرائم ضد الإنسانية في ظل وجود إثباتات لجرائم التعذيب والقناصة وما قامت به الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد من جرائم وانتهاكات. وأعلن الغضبان عن تأييد المعارضة السورية للعقوبات التي فرضتها بلدان الاتحاد الأوروبي ضد عدد من رموز النظام في دمشق. وأوجز الغضبان رؤية المعارضة تجاه روسيا في قوله للقناة «شبه الرسمية»، والمتمثلة في شكر موقفها الذي يدين القتل والقمع وإبلاغها بأن القرار المطروح في مجلس الأمن مبني على الحد الأدنى من الإدانة وتأكيد رأي الشارع السوري في أن الموقف الروسي الذي قد يبدو أحيانا متشككا ومترددا ويهدد أحيانا باستخدام الفيتو قد يعطى غطاء للنظام السوري للاستمرار بالقمع وهذا واقع وحقيقة، على حد تعبيره. وقال إنه يرفض مظاهر إحراق العلم الروسي في شوارع سوريا، ويريد أن يتحول ذلك إلى شعارات تخاطب الشعب والحكومة في روسيا لاتخاذ موقف ينسجم مع المجتمع الدولي في إدانة القمع، معربا عن أمله في أن تقف روسيا في نهاية المطاف مع حق الشعب السوري في التغيير.

على أن ازدواجية مواقف موسكو وتباين تصريحات ممثليها من منظور إعلاء الخاص على العام حماية للمصالح التي هي الدائمة حسب قول بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا في القرن التاسع عشر، تظل تثير دهشة المراقبين في الداخل والخارج. وبهذا الصدد ذكرت مصادر دبلوماسية في موسكو لـ«الشرق الأوسط» أن «تناقض مواقف موسكو تجاه ما يجري في كل من ليبيا وسوريا يكتنفه غموض كثير قد يعكس تباين الرؤى داخل المؤسسة الحاكمة، ويودي بها إلى شرك الازدواجية التي طالما انتقدتها لدى تناول سياسات العديد من العواصم الغربية». وأشارت هذه المصادر إلى صعوبة تفهم تقديرات موسكو التي أدانت شخصية مثل القذافي بعد أن سبق أن دافعت عنه ثم عادت وانقلبت عليه وأعلنته خارج الشرعية بسبب ما ارتكبه من جرائم في حق شعبه ولاستخدامه الأسلحة الثقيلة في ضرب شعبه، بينما تقف إلى جانب القيادة السورية التي تواصل ضد شعبها في الداخل نفس ما سبق أن قام به القذافي في ليبيا.

ويذكر كثيرون أن موسكو سبق أن بسطت حمايتها على القذافي في إطار الحفاظ على مصالحها الاقتصادية هناك. ونذكر أن خلافا نشب بين ميدفيديف ورئيس حكومته فلاديمير بوتين بسبب تصوير الأخير لاستخدام القوة ضد النظام الليبي وكأنه حرب صليبية وصراع حضارات وهو ما انتقده ميدفيديف مشيرا إلى عدم جواز استخدام مثل هذه التعبيرات. ومع ذلك، فقد ظلت موسكو متمسكة بالوسطية وعدم الانحياز لأي من طرفي النزاع. بل وأوفدت ممثلها كيرسان إيليومجينوف الحاكم السابق لجمهورية قلميقيا ذات الحكم الذاتي تحت ستار منصبه الدولي كرئيس للاتحاد الدولي للشطرنج للقاء القذافي ومداعبته واللعب معه «دور شطرنج» انتهى بالتعادل، في الوقت نفسه الذي كانت تستقبل فيه وفد المجلس الوطني الانتقالي الذي أعلنته شريكا شرعيا عاد والتقى به المبعوث الشخصي للرئيس الروسي في بنغازي قبيل زيارة مماثلة التقى خلالها ممثلي الحكومة الليبية في طرابلس.

ورغم محاولات موسكو الاستمرار في «اللعب في منطقة الوسط» بعيدا عن مغامرات الهجوم على حساب انكشاف الصفوف الخلفية في الدفاع، بلغة كرة القدم، ولأسباب ثمة من يعزوها إلى عجزها عن التهديف، فإن هناك في العاصمة الروسية من يعرب عن قلقه تجاه التمسك بهذه الطريقة ومنهم قسطنطين إيغيرت الخبير الروسي في شؤون المنطقة العربية الذي نقلت عنه وكالة «ريا نوفوستي» مخاوفه من أن «تبدو روسيا بانحيازها لنظام الأسد في الجانب المظلم من التاريخ، نظرا لأن هذا النظام لن يحوز من الآن فصاعدا على تلك المكانة أو يستطيع الإمساك بزمام الأمور اللذين تمتع بهما قبل الأحداث الأخيرة».

وقال إيغيرت إن روسيا تخلق لنفسها بمثل هذه المواقف الكثير من الأزمات، مؤكدا أن النظام السوري أكثر خطرا على الاستقرار في الشرق الأوسط من نظام القذافي. وبرر ذلك بكون هذا النظام يتمتع بدعم مباشر من جانب إيران ويعتبر حصان طروادة للنظام الإيراني في المنطقة، على حد قوله. وبهذا الصدد توقف البعض عند ما قاله روديك اسكوجين رئيس وفد مجلس الاتحاد (الشيوخ) إلى الجمعية البرلمانية الآسيوية حول أن روسيا ترى ضرورة الحفاظ على قاعدتها العسكرية البحرية على الشواطئ السورية في إشارة إلى ميناء طرطوس، فضلا عن رغبتها في عدم إثارة ما من شأنه تأجيج القلاقل والاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط.

لكن ما استرعى الانتباه أكثر تمثل في ما قاله اسكوجين في حديثه لصحيفة «إزفيستيا» حول أن الغرب يسعى إلى إسقاط سوريا لكونها حليفة لطهران وأنه وفي حال تركيع السوريين، على حد تعبيره، فإن الدور سوف يجيء على اليمن، مؤكدا أن القلاقل لا بد أن تزداد عندما تصل موجة الثورات العربية إلى الأراضي الإيرانية، وهو ما لا تريده روسيا. وخلص المسؤول البرلماني إلى أن إيران هي الهدف النهائي للغرب وليست سوريا أو مصر أو ليبيا. غير أن ما لم تعلنه موسكو صراحة قد يتمثل في تمسك الكرملين بنهج البراغماتية التي طالما اتسمت بها سياساته، مما يفسر الكثير من ترددها تجاه الثورات العربية خشية أن تطال نيرانها أطراف الثوب الروسي في منطقة شمال القوقاز، وهو ما سبق أن أعرب عنه الرئيس ديمتري ميدفيديف في أولى أيام اندلاع الثورة في مصر.

وكانت الأوساط شبه الرسمية في موسكو حاولت تصوير ما جرى في تونس ومصر وكأنه من تدبير قوى أصولية متطرفة تسعى إلى الاستيلاء على السلطة في الوقت الذي كانت فيه قريبة من هذا التصور شخصيات رسمية طالما أشادت بقدرات النظام السوري على التعامل مع القوى الأصولية والمتشددة من خلال علاقاته القوية مع كل من إيران وحزب الله وزعيمه حسن نصر الله في لبنان. غير أن تعثر محاولات النظام السوري وارتباكه أمام إصرار المعارضة وتمسكها بمشروعية مطالبها مدعومة برأي عام دولي تباركه عواصم الاتحاد الأوروبي الذي فرض الكثير من عقوباته ضد بشار الأسد وفريقه وهي العقوبات التي انضمت الولايات المتحدة الأميركية إليها في وقت لاحق.. كل هذا دفع على ما يبدو رئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين إلى الخروج عن الخط الرسمي الذي سبق أن أعلنه الكرملين غير مرة تجاه تأييد النظام السوري الذي بلغ حد الإعلان عن تهديده باستخدام حق الفيتو في حال طرح القضية في مجلس الأمن الدولي.

وكانت باريس شهدت مؤخرا عددا من مشاهد هذا التغير الذي طرأ على موقف موسكو من دمشق وتمثل في ما قاله بوتين حول أن بلاده لا ترتبط بأية علاقات خاصة مع سوريا وليس لديها فيها مصالح خاصة. وأضاف بوتين أن «انطباعا قد يتكون لسبب ما حول علاقات خاصة تربطنا بسوريا، لكن ذلك كان خلال الحقبة السوفياتية، أما الآن، فلا». ولم يتحرج رئيس الحكومة الروسية من اتهام فرنسا بأنها هي التي ترتبط بسوريا بعلاقات خاصة وعليها أن تنظر إلى حجم تجارتها المتبادلة معها وعدد اللقاءات على المستويات العليا فضلا عن أنه لا توجد لموسكو هناك قواعد عسكرية أو مشاريع كبرى أو رؤوس أموال ضخمة تتوجب الحماية وهو ما يحتاج إلى مراجعة استنادا إلى ما سبق أن أشارت إليه المصادر الرسمية الروسية لدى استعراض المشترك بين البلدين.

ومع ذلك، لم يستبعد بوتين مناقشة الأمر في الأمم المتحدة وضرورة الضغط على قيادات الدول التي تشهد الاضطرابات الدموية، لكن شريطة عدم التدخل الخارجي، مؤكدا ضرورة لجوء حكومات هذه الدول إلى الوسائل السياسية لحل الأزمة. وكان لافروف وزير الخارجية الروسية سبق أن أشار أيضا إلى أن بلاده ترفض التدخل الخارجي في شؤون سوريا على اعتبار أن محاولات زعزعة استقرار سوريا وهي دولة محورية في منطقة الشرق الأوسط ستؤدي إلى عواقب وصفها بالكارثية.

من جانبه، طالب لافروف بالحيلولة دون أية محاولات تستهدف الإطاحة بالنظام السوري، مؤكدا ضرورة قطع دابر مثل هذه المحاولات، على حد قوله، وإن حث القيادة السورية على وفائها بتعهداتها نحو تحقيق الإصلاحات. ولعل المتابع لتصريحات القادة الروس حول الموقف من الأوضاع في سوريا يلحظ تذبذبا وتدرجا في المواقف ثمة من يعزوهما إلى حرص موسكو على عدم التفريط في خيوط اللعبة سواء من خلال توزيع الأدوار أو المماطلة والتسويف تحينا للحظة المناسبة للقول الفصل بما يحافظ على مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك مصالحها مع أطراف المجتمع الدولي شرقا وغربا أي مع الصين والهند من جانب وبلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من جانب آخر.

وثمة من يقول أيضا إن موسكو تراعي مواقف القيادة الإيرانية التي تظل متمسكة بدفاعها عن نظام الأسد في سوريا وإن كان هناك من يعزو ذلك إلى المخاوف المشتركة من احتمالات وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة سواء في مصر أو في سوريا، مما يهدد باحتمالات انتقال شرارة الثورة ليس فقط إلى شمال القوقاز بل وإلى عدد من مناطق آسيا الوسطى. وكانت مراكز قياس الرأي العام نشرت نتائج استطلاع للرأي كشف عن أن 49% من المشاركين فيه أعربوا عن سخطهم على الأوضاع القائمة في الوقت الذي قالت فيه نسبة 24% باستعدادها للخروج إلى الشارع للمشاركة في أية حركات احتجاجية وهي نسب تثير القلق وتدعو إلى الخوف، لا سيما إذا كان الخروج تحت شعارات دينية أو قومية يمكن أن تتفاعل مع الشعارات التي تنادي بالمزيد من الديمقراطية ومحاربة الفساد والتسلط الإداري. وتلك كلها مطالب مشروعة لا بد أن تثير مخاوف الكرملين الذي يستعد لانتخابات برلمانية ورئاسية ثمة من يقول إنها لا بد أن تحدد الكثير من معالم وملامح الساحة السياسية الروسية خلال السنوات القريبة المقبلة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال