الجمعـة 25 صفـر 1433 هـ 20 يناير 2012 العدد 12106
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

العثماني.. فقيه الخارجية

وجه معتدل وسط «الإسلاميين» يأمل أن يقود الدبلوماسية المغربية بهدوء

سعد الدين العثماني (تصوير: منير أمحميدات)
الدار البيضاء: لحسن مقنع
بدا سعد الدين العثماني وزير الخارجية المغربي الجديد حريصا على تكريس صورة «الدبلوماسي» في شخصيته وهو يمارس أنشطته في بدايات مهامه.

وكان العثماني يجلس بانضباط ملحوظ إلى يسار العاهل المغربي الملك محمد السادس وهو يجري محادثات مع ماريانو راخوي رئيس الحكومة الإسبانية. وكانت تلك أول مرة يظهر فيها العثماني إلى جانب العاهل المغربي في محادثات رسمية.

ولأن نزاع الصحراء هو قضية المغرب الأساسية، فإن أول إطلالة لرئيس الدبلوماسية المغربية الجديد ستكون من نيويورك خلال الشهر المقبل، حيث سيترأس الوفد المغربي في جولة مفاوضات جديدة مع جبهة البوليساريو.

الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية ووزير الخارجية في حكومة عبد الإله بنكيران، يضع باستمرار ابتسامة لا تفارق وجهه النحيف، وفي عينيه بريق ثقة تدل على الاطمئنان.

مند توليه منصبه على رأس الدبلوماسية المغربية، في إطار أول «حكومة إسلامية» في المغرب، أطلق العثماني بضعة تصريحات مطمئنة، مؤكدا أن «المغرب سيكون وفيا كما كان لتعهداته وللاتفاقيات الدولية التي وقعها»، وأن العلاقات الدولية للمغرب «ستكون متوازنة مع المحافظة على الشراكات التقليدية وتعميمها وتطويرها».

يدرك العثماني أمرين؛ أن التوجهات العامة في السياسة الخارجية المغربية يضعها القصر الملكي، وبالتالي لا مجال للاجتهاد في هذا الجانب. والأمر الثاني أن نجاحه سيعتمد على تحفيز وبعث الثقة في الدبلوماسيين المغاربة، وبدت رسالته واضحة في هذا الصدد عندما عين سفيرا سابقا محترفا هو علي عاشور مديرا لمكتبه. ووزارة الخارجية هي من الوزارات القليلة في المغرب التي لا يعمل ضمن كوادرها أعضاء في «العدالة والتنمية». وعلى الرغم من تأكيدات العثماني في تصريحاته أنه سيحافظ على نفس التوجهات السابقة في إدارة دفة السياسة الخارجية للمغرب، فإن كثيرين يتوقعون أن تميل هذه الدفة في يده في اتجاه الجنوب والشرق، بعد أن كانت مائلة في اتجاه الشمال والغرب. وفي هذا الصدد يقول عبد الفتاح بلعماشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية «أتوقع أن يعيد العثماني توجيه السياسة الخارجية للمغرب بشكل كبير نحو المحيط الإقليمي، المغاربي والعربي الإسلامي والأفريقي. على الأقل بسبب الظروف الجديدة التي خلقها الربيع العربي الذي حمل الإسلاميين إلى السلطة في عدد من دول المنطقة، إضافة إلى طبيعة العلاقات التقليدية لحزب العدالة والتنمية وتوجهاته».

ويرى بلعماشي أن التحدي الكبير الذي سيواجهه سعد الدين العثماني في منصبه الجديد، ومعه حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، هو النجاح في إيجاد حل نهائي لمشكلة الصحراء، وتطبيع العلاقات مع الجزائر، وتحقيق تقدم على مسار الاتحاد المغاربي. وزاد موضحا «ما ينتظره المغاربة من سعد الدين العثماني هو تعامل مختلف مع ملف الصحراء في اتجاه تقارب مغربي جزائري، وإذا نجح في تحقيق ذلك فإنه سيكون قد حقق إنجازا كبيرا».

يعتبر سعد الدين العثماني من القيادات الإسلامية المعتدلة في المغرب. وتعود قطيعة العثماني مع الفكر المتشدد والتطرف والعنف إلى بدايات انتمائه للحركة الإسلامية في نهاية السبعينات من القرن الماضي. بدأ العثماني مساره الحركي وهو لا يزال طالبا في ثانوية عبد الله بن ياسين في مدينة إنزكان القريبة من أغادير، من خلال اطلاعه على مجموعة من الكتب والمنشورات التي كانت تصل المنطقة من المشرق العربي، خاصة كتب حسن البنا وسيد قطب، والتي كان يحملها أعضاء «منظمة الشبيبة الإسلامية» تحت معاطفهم. وفي إنزكان تعرف العثماني على عبد الله بها، رفيق دربه وزميله في قيادة حزب العدالة والتنمية والذي سيصبح وزير دولة (منصب يعادل نائب رئيس الحكومة) في حكومة بنكيران. وقرر الشابان تأسيس «منظمة أصولية» أطلقا عليها «جمعية الشبان المسلمين» في مدينة إنزكان. لكن سرعان ما غادر الشابان إنزكان، العثماني إلى كلية الطب في الدار البيضاء، كبرى مدن المغرب وعاصمته الاقتصادية، وعبد الله بها إلى معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة (كلية الزراعة) في الرباط العاصمة السياسية للبلاد. فجأة وجد الشابان نفسيهما في قلب المعترك السياسي وفي لجنة النقاشات الداخلية لتنظيم «الشبيبة الإسلامية»، الذي كان يجتاز في تلك المرحلة فترة حرجة بسبب تداعيات تورط بعض أعضائه في عملية اغتيال الزعيم اليساري عمر بن جلون. كانت السلطات المغربية آنذاك تتعقب قيادات التنظيم، في حين فر زعيم الشبيبة الإسلامي، عبد الكريم مطيع الحمداوي إلى خارج البلاد، حيث لا يزال مطيع يعيش في ليبيا، بعد أن اختار المنفى.

كان تنظيم الشبيبة الإسلامية من أكثر الجماعات الأصولية التي عرفها المغرب تشددا وميلا للعنف. وشكلت عملية اغتيال عمر بن جلون في ديسمبر (كانون الأول) 1975 من طرف عناصر تابعة للتنظيم، منعطفا رئيسيا في تاريخ «الشبيبة الإسلامية»، وفجرت داخلها نقاشات حادة حول أساليب العمل وجدوى استعمال العنف، أدت إلى انشقاقات وظهور تنظيمات جديدة منها «الجماعة الإسلامية» التي تأسست عام 1981 بمبادرة عبد الإله بنكيران وانضم إليه العثماني وعبد الله بها ومحمد يتيم والأمين بوخبزة، وهي المجموعة التي ما زالت تشكل حتى اليوم النواة الصلبة لقيادة حزب «العدالة والتنمية».

كانوا شبابا متقاربين في السن وأعضاء سابقين في الشبيبة الإسلامية. وجد هؤلاء الشباب أنفسهم وسط صراع مفتوح، لا دخل لهم فيه، بين السلطات وقيادة الشبيبة الإسلامية، التي ازدادت مواقفها تطرفا، بعد أن أصدرت مجلة «المجاهد» للتحريض على العنف، وازدادت الأمور تعقيدا مع محاولة قيادة الشبيبة الإسلامية إدخال السلاح إلى البلاد وتبني موقف ضد الإجماع المغربي حول قضية الصحراء.

ورغم انشقاق العثماني ورفاقه عن تنظيم الشبيبة، واستنكارهم لتوجهاتها المتطرفة، فإنهم لم يسلموا من حملة اعتقالات في بداية 1981 وسط التيارات الأصولية بسبب توزيع الشبيبة الإسلامية لمنشورات معادية للنظام. ومن داخل السجن أعلن بنكيران باسم رفاقه انفصالهم عن تنظيم الشبيبة الإسلامية وتبرأهم من عبد الكريم مطيع وأتباعه من دعاة العنف.

وبعد خروجهم من السجن عكف العثماني على صياغة «ميثاق الجماعة»، وهي الوثيقة التي شكلت قطيعة مع التوجه الصدامي لحركة الشبيبة الإسلامية، والتي تم على أساسها إنشاء حركة «الجماعة الإسلامية» البديلة في صيف 1981 وانتخاب محمد يتيم رئيسا لها. غير أن السلطات لم ترخص للحركة الجديدة للعمل كجمعية، والتزمت السلطات الأمنية الحذر في التعامل مع «الجماعة الإسلامية»، خاصة أنها حديثة العهد بالانشقاق عن تنظيم الشبيبة الإسلامية، بعد الانعطاف الخطير الذي انجرفت خلفه هذه الأخيرة، إضافة إلى التهديد الجديد الذي كانت تمثله الثورة الإيرانية وطموحاتها لتصدير الثورة. استمر العثماني ورفاقه في الدفاع عن التوجه الجديد، الداعي إلى الاعتدال والقطيعة مع العمل السري والفكر الانقلابي، والتحول إلى العمل السياسي، والمشاركة في التجربة الديمقراطية، وفي الوقت نفسه، محاولة إقناع السلطة بالسماح للحركة بالعمل في إطار القانون.

وفي عام 1991 تم تغيير اسم الحركة من «الجماعة الإسلامية»، الذي اعتبر مستفزا لشعور المغاربة باعتبارهم جميعا مسلمين إلى «حركة الإصلاح والتجديد». ورغم استمرار حالة المنع فإن السلطات الأمنية أصبحت تتعامل مع الحركة، وأفسحت لها المجال للعمل بحرية من خلال مجموعة من الجمعيات الثقافية والأهلية المتفرعة عنها، خاصة بعد أن أكدت صدق وجدية المراجعات الفكرية التي قامت بها، وكونها قطعت بشكل حاسم مع ماضي أعضائها في الشبيبة الإسلامية، واعتمادها لتصورات وأفكار معتدلة تحترم الثوابت السياسية للمغرب وعلى رأسها النظام الملكي ووحدة الأراضي المغربية.

لم يكن العمل الدعوي لحركة الإصلاح والتجديد وحده كافيا لإشباع طموحات وتطلعات العثماني ورفاقه، لذلك بادروا في 1992 إلى تأسيس حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية تحت اسم «حزب التجديد الوطني»، غير أن السلطات رفضت الترخيص للحزب الجديد. وفي منتصف التسعينات لعب العثماني، عضو المكتب التنفيذي لحركة الإصلاح والتجديد، دورا رئيسيا في انفتاح الحركة على مجموعة من الحركات الأصولية الأخرى والتي اختارت بدورها العمل العلني والقانوني، خاصة «رابطة المستقبل الإسلامي» التي أسسها أحمد الريسوني عقب انشقاقه هو الآخر عن الشبيبة الإسلامية، و«جمعية الشروق الإسلامية» التي أسسها المترددون في الصراع الفكري والتنظيمي بين زعيم الشبيبة الإسلامية عبد الكريم مطيع والمجموعة المكونة من بنكيران وبها والعثماني ويتيم، بالإضافة إلى «جماعة الدعوة الإسلامية» التي تزعمها الدكتور عبد السلام الهراس في مدينة فاس. وتمخضت هذه المبادرات عن اندماج مجموعة من الحركات الأصولية في حركة «الإصلاح والتجديد» وتحول هذه الأخيرة إلى «حركة الإصلاح والتوحيد» في عام 1996. كانت المرحلة مرحلة انفراج سياسي كبير في المغرب، أطلق فيها الملك الراحل الحسن الثاني مشروع طي صفحة ماضي الصراع بين القصر والأحزاب السياسية اليسارية، وإصلاح الدستور، وتعميق المسلسل الديمقراطي، وإعادة هيكلة الحقل السياسي في أفق تشكيل أقطاب سياسية كبرى تتناوب على السلطة عبر صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق فُسح الطريق أمام دخول حركة العثماني ورفاقه للمعترك السياسي، لكن ليس عن طريق تأسيس حزب سياسي جديد وإنما عبر احتضانها من طرف حزب الحركة الدستورية الديمقراطية للدكتور عبد الكريم الخطيب الذي كان يحظى بتقدير وثقة كبيرين من العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني.

كان حزب الدكتور الخطيب، الذي تأسس في عام 1967 بعد انشقاقه عن حزب الحركة الشعبية، مجرد «صدفة شبه فارغة» عندما فتح بابه لرفاق العثماني عقب سنوات من الجمود ومقاطعة الانتخابات. فوجد الحزب في رفاق العثماني، الذين انفتح عليهم في عام 1996، دفعة جديدة وقواعد عريضة.

دخل الحزب الانتخابات التشريعية في عام 1997 بشكل حذر ورشح عددا محدودا من المرشحين، غير أنه حقق المفاجأة بفوزه بجميع المقاعد التسعة التي ترشح لها، ليبدأ العثماني ورفاقه بعد ذلك مسارا جديدا، مع تغيير اسم الحزب إلى «العدالة والتنمية» في 1999، والذي سيكتسح الانتخابات الأخيرة وبالتالي تشكيل أول «حكومة ملتحية» كما تطلق عليها الصحافة المغربية.

كان الملك الحسن الثاني ينتقد الطبقة السياسية المغربية لأنها فشلت في إفراز قطبين سياسيين كبيرين يشكلان مرتكزا لتناوب ديمقراطي على السلطة. وربما أنه لم يكن محض المصادفات أن سمح الحسن الثاني لرفاق العثماني وبنكيران بالدخول في حزب سياسي تحت إشراف الدكتور الخطيب، وذلك في نفس السنة التي انتقل فيها حزب الاتحاد الاشتراكي من المعارضة إلى المشاركة وتولى زعيمه عبد الرحمن اليوسفي حكومة التناوب بعد عقود من الصراع المرير مع القصر الملكي. وربما ليس مصادفة أيضا أن يصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة في نفس السنة (2012) التي عاد فيها حزب الاتحاد الاشتراكي للمعارضة. فهذه الأحداث تحمل بشكل واضح بصمات مهندس الدولة المغربية الحديثة، الملك الراحل الحسن الثاني. ويمكن القول إن دورة التناوب، وهيكلة الحقل السياسي، التي خطط لها الحسن الثاني في أواسط تسعينات القرن الماضي قد اكتملت مع مطلع 2012.

قاد سعد الدين العثماني المفاوضات مع الدكتور الخطيب حول التحاق رفاقه بالحزب، وبالموازاة مع ذلك قاد نوعا آخر من المفاوضات داخل حركته لإقناعها بإمكانية العمل في إطار حزب قائم بدل تأسيس حزب جديد. ومن مهمة المراجعة الفكرية للحركة في مواجهة تطرف الشبيبة الإسلامية، انتقل العثماني إلى مهمة التنظير للمشاركة السياسية. وانعكس هذا التحول على إنتاجه الفكري كأبرز منظّر للحركة، فمن كُتبٍ من قبيل «في فقه الدعوة» في عام 1989 و«في فقه الحوار» في عام 1993، أصدر العثماني في 1997 كتاب «فقه المشاركة السياسية عند شيخ الإسلام ابن تيمية» في خضم الإعداد لأول انتخابات يخوضها رفاقه في إطار حزب الدكتور الخطيب الذي فتح لهم أبوابه. وكعادته كان العثماني واضحا ومقتضبا في مواقفه، «هناك من يقول إن الإصلاح داخل المؤسسة لن يجدي، وهذا اجتهاد ونحن نعتبره كذلك. وهناك من يريد أن يصلح من داخل المؤسسة لكنه يرى أن شروط إنجاح الإصلاح غير مكتملة وهذا ما تميل له جماعة العدل والإحسان. أما نحن فنرى أنه لا يجب انتظار استكمال الشروط بل يجب إنضاجها من خلال المشاركة»، على حد تعبيره.

كان الدكتور الخطيب يبدو بالنسبة لبعض قادة الأجهزة الأمنية مثل من يلعب بالنار عندما فتح حزبه للأصوليين. وكان هو شخصيا يحتاج إلى نقطة ارتكاز وجسر للتواصل مع الوافدين الجدد، فوجد في العثماني ضالته فقربه منه. تدرج العثماني في المناصب القيادية للحزب الجديد، من مدير الحزب في 1998، إلى نائب الأمين العام في 1999، ليتولى الأمانة العامة للحزب خلال الفترة ما بين 2004 و2008، خلفا للدكتور الخطيب الذي أسند له الحزب منصبا فخريا كرئيس للحزب ورئيس للجنة حكمائه. وحقق العثماني فوزا ساحقا في انتخابات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في عام 2004، فمن بين 1595 عضوا شاركوا في التصويت حصل العثماني على 1268 صوتا، في حين حصل المنافس الثاني الذي لم يكن سوى عبد الإله بنكيران على 255 صوتا. وتم آنذاك انتخاب بنكيران رئيسا للمجلس الوطني للحزب. كانت فترة ولاية صعبة، فتداعيات الحرب الدولية على الإرهاب بعد تفجيرات سبتمبر (أيلول) 2001، واستغلالها من طرف خصوم الحزب الجديد، خاصة بعد تفجيرات 2003 في الدار البيضاء، جعلت حياة الحزب صعبة، خصوصا في سياق التهويل من الخطر الإسلامي والتحذير من اكتساح حزب العدالة والتنمية الانتخابات. انتهج العثماني في هذا السياق الصعب السياسة التي أطلق عليها «الضبط الذاتي»، ودافع عنها داخل الحزب. واعتمد كعادته المرونة والحوار، خاصة مع الحكومة. غير أن هذه السياسة لم تكن لتروق للجميع، وواجه العثماني خلال المؤتمر التالي للحزب، والذي انعقد في عام 2008، وهي السنة التي توفي فيها الدكتور الخطيب، انتقادات قوية، ووصفه قياديون في الحزب بكونه «رجل الترضيات والمهادنة والتنازلات»، واعتبر منتقدوه أن «مرحلته أبانت عن تراجع قوي للحزب على المستوى الداخلي والبناء التنظيمي وهو ما يستلزم التغيير العاجل على مستوى القيادة لاستعادة التوازن وتشكيل أمانة عامة منسجمة تعمل على رأب الصدع ومواصلة الطريق». وكانت النتيجة انتخاب بنكيران أمينا عاما بحصوله على 684 صوتا مقابل 495 صوتا للعثماني، الذي جاء في المرتبة الثانية، و14 صوتا لعبد الله بها. وخلال نفس المؤتمر تم انتخاب العثماني رئيسا للمجلس الوطني للحزب خلفا لبنكيران، أي إن الرجلين تبادلا المواقع.

وخلال هذا المسار شكلت المهام التي تولاها العثماني، سواء كرئيس للجنة المركزية للعلاقات الخارجية للحزب، والتي مارس خلالها باسم الحزب نشاطا دبلوماسيا مكثفا خلال السنوات الأخيرة، أو شغله لمنصب نائب رئيس لجنة الخارجية والدفاع الوطني في البرلمان، تمهيدا لتوليه منصب وزير خارجية المغرب في الحكومة الجديدة.

ويقول سعيد الزنطاري، الباحث المغربي في العلوم السياسية، «للأسف ليس لدينا مرجعية نرتكز عليها للحديث عن التوجهات الكبرى لسعد الدين العثماني في مجال السياسة الخارجية. فبرنامج الحزب لم يتضمن شيئا في هذا المجال. غير أن سعد الدين العثماني كشخص يتوفر على مجموعة من الخصال المرغوبة في مجال العمل الدبلوماسي، ومنها طبيعته الهادئة، تصريحاته المحسوبة والرصينة، لغته اللينة، ومرونته».

ويضيف الزنطاري أن نقطة الضعف الوحيدة التي يمكن أن تعترض العمل الدبلوماسي لسعد الدين العثماني هي العلاقة مع الغرب. ويقول «من المعروف عن حزب العدالة والتنمية أنه محافظ في علاقاته مع الغرب، بخلاف علاقاته مع العالم العربي والإسلامي. لكن وجود شخص من طراز يوسف العمراني، الذي عين وزيرا في الخارجية، إلى جانب العثماني، سيغطي هذا الضعف، خصوصا أن العمراني راكم خبرة دبلوماسية خلال شغله لمنصب الكاتب العام لوزارة الخارجية (وكيل وزارة)، ثم رئيسا للاتحاد من أجل المتوسط».

ويضيف الزنطاري أن قوة سعد الدين العثماني تكمن في علاقاته مع العالم العربي والإسلامي. وأضاف «إن أي تقييم للأداء الدبلوماسي للعثماني يجب أن يتم على هذا الأساس، مدى نجاحه في تطوير العلاقات بين المغرب والعالم العربي والإسلامي، ومدى تمكنه من جلب الاستثمارات العربية إلى المغرب، إضافة إلى الإشعاع المغربي في أفريقيا، علما يأن للمغرب امتدادات تاريخية ودينية في عدد من البلدان الأفريقية».

عرف سعد الدين العثماني مسارا أكاديميا مزدوجا، فبالموازاة مع دراسة الطب، ثم التخصص في الطب النفسي، درس العثماني العلوم الشرعية. وحصل على شهادة من دار الحديث الحسنية، وهو عضو في المكتب التنفيذي لجمعية علمائها مند سنة 1989. كما حصل في 1999 على دبلوم الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط عن أطروحة بعنوان «تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة وتطبيقاتها الأصولية». وتولى العثماني تدريس أصول الفقه في كلية الآداب في الدار البيضاء خلال التسعينات، وشكلت محاضراته، التي كانت تجتذب جمهورا من داخل وخارج الكلية، دروسا في الاعتدال، وحلقات تكوين لأطر الحركات الأصولية في الدار البيضاء.

ولسعد الدين العثماني نشاط مكثف على الإنترنت من خلال الشبكات الاجتماعية. وأول ما يلفت انتباه زائر الموقع الإلكتروني للدكتور العثماني هو عنوان الموقع نفسه: «فسائل»، ثم الشعار المكتوب تحت العنوان، وهو الحديث النبوي الشريف «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، ‏فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». ولعل «الاعتدال» إحدى الفسائل التي أسهم سعد الدين العثماني في غرسها مبكرا في تربة الحركة الأصولية بالمغرب، والتي مكنت هذه الحركة من تفادي الكوارث التي عرفتها الحركات الأصولية في بلدان أخرى.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال