قوش.. السوداني

«انقلاب قصر» في الخرطوم أطاح برجل النظام القوي المعروف بعلاقاته الجيدة بالمخابرات الأميركية

صلاح عبد الله
TT

ما حدث في الخرطوم ذلك المساء كان «انقلاب قصر». خبر قصير من 40 كلمة أحدث الانقلاب. الخبر يشتمل على عنصرين: «مرسوم جمهوري» بتعيين الفريق أول مهندس صلاح عبد الله محمد صالح مستشارا لرئيس الجمهورية». ثم «مرسوما جمهوريا آخر بتعيين الفريق مهندس محمد عطا المولى عباس مديرا عاما لجهاز الأمن والمخابرات الوطني». أخبار «الانقلابات» عادة لا تتعدى بضعة أسطر. و«انقلاب القصر» في الخرطوم لم يخرج عن هذا السياق. الخبر لم تكن تعرف به إلا مجموعة صغيرة جدا من الدائرة الضيقة التي تحيط بالرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير.

راحت الخرطوم ذلك المساء تتناقل الخبر، ليس بسرعة البرق، ولكن بأسرع من ذلك بكثير. وعلى طريقة السودانيين المعهودة في اختصار الأشياء، كانت الناس تقول «طار قوش». قوش هو اللقب الذي حمله رجل النظام القوي الفريق أول صلاح عبد الله. هذا العقل الماثماتيكي البارع في علوم الرياضيات، لقبه زملاء له في الدراسة باسم «قوش» نسبة إلى عالم رياضيات هندي كان يتسم بالنبوغ. منذ سنوات الدراسة اظهر ذكاء شديدا. كان طموحا للغاية على الرغم من وجوده دائما في منطقة الظل. يجيد المناورات. مكيافيللي؛ الغاية عنده تبرر الوسيلة. يمارس سياسة شفير الهاوية. يطبق استراتيجية الغموض والتمويه، وأحيانا يصبح الحديث معه في حد ذاته موضوع تفاوض. يمشي متهملا. جسم ثقيل. يضع نظارات سميكة تخفي جزءا كبيرا من وجهه. شارب خفيف. يضع يده على حنكه وهو يستمع. لا يسجل كلام من يستمع إليهم، بل يعتمد على الذاكرة... باختصار، فيه الكثير من غموض رجال المخابرات.

لم يتعرف السودانيون على وجهه إلا في عام 2005 عندما زار قوش المنزل الذي كان يختبئ فيه محمد إبراهيم نقد، الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني. حينها، التقطت له صورة مع الزعيم الشيوعي. وفي تلك السنة نشرت الصحف السودانية لأول مرة صورة قوش. بيد أنه بدأ يظهر بعد ذلك في مناسبات عامة بما في ذلك تكريم فنانين وموسيقيين.

ينتمي صلاح قوش إلى قبيلة «الشايقية» التي تقطن شمال السودان. اعتبر وجود قوش إلى جانب كل من علي عثمان محمد طه نائب الرئيس السوداني وعوض الجاز وزير المالية اللذين يتحدران من المنطقة نفسها، بمثابة هيمنة لهذه القبيلة على السلطة منذ أن استولى الإسلاميون على الحكم في عام 1989. بيد أن هذه المسألة لا تعدو أن تكون افتراضا نظريا، إذ إن هناك كثيرين من المنطقة ناصبوا النظام العداء وينتمون للقبيلة نفسها.

يتحدر قوش من قرية صغيرة ضمن قرى منطقة «نوري» تسمى «البلل»، وأهلها مثل معظم سكان المنطقة، من المزارعين الذين يعتمدون أساسا على زراعة النخيل وأشجار الفواكه. ونظرا لضيق الشريط الزراعي الذي يوجد على ضفتي النيل وشظف العيش، فإن غالبية سكان تلك المناطق نزحوا إلى مدن السودان المختلفة. ومن بين هؤلاء أسرة صلاح عبد الله قوش التي نزحت إلى مدينة بورتسودان، وهو الميناء الرئيسي للبلاد على البحر الأحمر.

في هذه المدينة، وفي المرحلة الثانوية تحديدا، ستبدأ رحلة قوش السياسية. توزع معظم طلاب المدارس الثانوية في السودان ومنذ الخمسينات على تيارين، التيار الإسلامي والتيار اليساري بقيادة الشيوعيين. في المرحلة الثانوية، وجد قوش نفسه ضمن «الاتجاه الإسلامي»، وعلى الرغم من هذا الاهتمام المبكر بالسياسة، فهو لم ينشغل عن الدراسة. وأنهى المرحلة الثانوية بتفوق ونجح في الدخول إلى جامعة الخرطوم، وكانت يومئذٍ جامعة النخبة. أصبح قوش طالبا في كلية الهندسة، حيث اشتهر وسط زملائه بذكائه. وفي الجانب السياسي، تولى قوش مسؤولية الأمانة السياسية في تنظيم الإسلاميين داخل الجامعة. لكن ما هو أهم من ذلك، إشرافه على تكوين «أجهزة معلومات» داخل الجامعة كانت مهمتها تقديم المعلومات لقيادة تنظيم الإسلاميين حتى يتاح لهذه القيادة اتخاذ القرار على ضوء معلومات قوش. كما كان أحد الذين أشرفوا على برامج العمل الطلابي. وخلال فترة دراسته الجامعية، رافق معظم قيادات الصف الأول من «الإسلاميين» الذين سيتولون بعد ذلك أهم المواقع التنفيذية عندما انقلب الإسلاميون على ما يعرف في السودان «بالديمقراطية الثالثة». معظم القيادات الحالية من نائب الرئيس علي عثمان طه، وحتى أصغر مسؤول، هم في الواقع ليسوا سوى قيادات طلابية سابقة في جامعة الخرطوم، انتمت إلى التيار الإسلامي.

بعد تخرجه في الجامعة مهندسا، عمل قوش في مجموعة «شركات إسلامية» في مجال الهندسة، ومن إنجازاته في تلك الفترة تصميم «برج التضامن» وهي بناية ضخمة في وسط الخرطوم. بيد أن وضعيته التنظيمية داخل ما كان يعرف وقتها باسم «الجبهة القومية الإسلامية»، ستزداد أهمية، إذ أصبح ضمن ما يعرف باسم «الخلية الأمنية» أو «مكتب الأمن».

وعلى الرغم من أن الجبهة الإسلامية أصبحت القوى الثالثة في فترة «الديمقراطية الثالثة»، ما بين أبريل (نيسان) 1985 وحتى يونيو (حزيران) 1989، مما دعا الصادق المهدي رئيس الحكومة يومئذٍ إلى إشراكها في حكومة ائتلاف مهلهلة، فإن قرارها الداخلي كان الاستيلاء على السلطة. وهو ما سيحدث في 30 يونيو (حزيران) 1989.

كان من القرارات التي اتخذت آنذاك، أن يتولى العميد يومها عمر حسن البشير رئاسة «مجلس قيادة ثورة الإنقاذ». وأن يذهب الدكتور حسن الترابي إلى السجن معتقلا باعتباره أحد قادة الأحزاب الذين انقلبت عليهم «ثورة الإنقاذ». كان الغرض هو التمويه على الهوية السياسة للنظام الجديد. لكن في بلد مثل السودان تنعدم فيه الأسرار. كانت الناس تعرف أن القائد الفعلي للانقلاب هو هذا الرجل الداهية الذي أقسم أمام القادة السياسيين الذين اعتقلوا معه داخل «سجن كوبر» الشهير في ضواحي الخرطوم ألا علاقة له بالانقلاب. وساد انطباع مؤداه أن عميد المظلات الذي أصبح رئيس مجلس قيادة الثورة، ما هو إلا واجهة. لكن الأحداث ستنقلب بعد سنوات قليلة وتأخذ منحى آخر. منحى أكثر إثارة. توالت مشاهد جعلت الترابي الداهية يعود أكثر من مرة إلى السجن وبقرار من تلاميذه. وفي هذه المشاهد كان صلاح قوش حاضرا. الثورات عادة ما تأكل أبناءها. هذا هو الشائع على الأقل. لكن في السودان أكلت الثورة أباها، وهو الدكتور حسن عبد الله الترابي ولا شخص آخر سواه. في ديسمبر (كانون الثاني) 1999، تفجر خلاف مكتوم بين الرئيس عمر البشير وحسن الترابي رئيس البرلمان آنذاك، وهو الخلاف الذي أطلق عليها الإسلاميون صراع «القصر» و«المنشية». أي الصراع بين البشير الذي يوجد في القصر الجمهوري، ضد الترابي الذي يقطن ضاحية يسكنها المقتدرون تعرف باسم «المنشية». وأدى ذلك الخلاف إلى وقوف معظم التنفيذيين إلى جانب البشير، وكان من بين هؤلاء الرجل القوي صلاح قوش.

منذ أن تولت «الإنقاذ» الحكم، انتقل قوش إلى العمل المخابراتي، ومن تصميم الأبراج إلى تصميم السياسات الأمنية وتنفيذها. انتقل إلى هناك، يجر معه خبرته التي اكتسبها أثناء الدراسة الجامعية. هناك كان وضعه الطبيعي. وهناك سيتعزز نفوذه وسيعرف الكثير من خبايا السياسات العالمية والإقليمية عندما أصبحت الخرطوم قبلة يشد إليه «الإسلاميون» الرحال من كل أنحاء العالم، كما يأتيها أشخاص تطاردهم أجهزة المخابرات في العالم من ليليش راميز سانشيز والذي يعرف باسم «كارلوس»، إلى أسامة محمد عوض الذي اشتهر باسم أسامة بن لادن. تقلد قوش عدة مناصب داخل جهاز المخابرات واعتمد عليه النظام الجديد اعتمادا كليا، لخوض الحرب في الجنوب والشرق والغرب، وفي خوض الحرب ضد المعارضين، وفي خوض الحرب ضد أجهزة أمنية إقليمية ودولية. كان أول منصب مهم يتولاه قوش داخل الجهاز، هو منصب نائب مدير العمليات. وكانت تلك فترة صعبة للنظام وللمعارضين على حد سواء. كان يقود الجهاز آنذاك نافع محمد نافع الذي سيصبح بدوره في وقت لاحق مستشارا في القصر الجمهوري. في تلك السنوات التي يمكن اعتبارها «سنوات الجمر» السودانية، بسبب السياسات القمعية التي طبعتها، ارتبط جهاز المخابرات بأسوأ ظاهرة عرفتها السياسة السودانية منذ استقلال البلاد، وهي ظاهرة «بيوت الأشباح» حيث كانت تمارس ضد المعارضين عمليات تعذيب قاسية في معتقلات سرية تدار من طرف جهاز المخابرات. كانت قيادة الجهاز تشارك في تلك «الاستجوابات القاسية» التي كثيرا ما تركت المستجوبين بين الحياة والموت. بل هناك من مات بالفعل تحت وطأة التعذيب. وفي لقاء مع الإعلاميين السودانيين في الخارج في مايو (أيار) الماضي، سيقر الرئيس عمر البشير لأول مرة بوجود تلك المعتقلات السرية (بيوت الأشباح)، كما سيعلن التزامه بأن لا تتكرر.

قادت ملابسات لا تعرف تفاصيلها، إلى إبعاد نافع محمد نافع عن رئاسة الجهاز وهو في الأصل أستاذ في كلية الزراعة. وأدى ذلك إلى خروج صلاح قوش عن الجهاز كذلك. وهناك من يعتقد أن سبب تلك التغيرات هي محاولة اغتيال فاشلة جرت في عام 1995، ضد الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. انتقل قوش من جهاز المخابرات إلى منصب مدير «مصنع اليرموك للصناعات الحربية» حيث سيتولى هناك وضع انطلاقة للتصنيع العسكري في السودان، كما ساهم في تشييد عدة مصانع لإنتاج الأسلحة التقليدية.

وبعد سنوات عاد صلاح قوش من جديد إلى قيادة جهاز المخابرات بعد أن أدمج جهازي الأمن والمخابرات في جهاز واحد. وجاء تعيين قوش في منصب المدير العام بعد ما تردد عن وجود صراعات داخلية وتدخلات سياسية في عمل الجهاز، لذلك يقول مقربون منه إنه اشترط أن تطلق يده في إدارة الجهاز دون أي تدخل من طرف القيادة السياسية، وهو ما سيقود الأمور في اتجاهين: أولا توسع صلاحياته وتعدد مهامه إلى حد أن قوش أصبح بإمكانه أن يركب طائرة خاصة، ويحط في واشنطن ويتفاوض مع إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش حول التعاون في «الحرب ضد الإرهاب». ويعتقد أن هذه الزيارة جرت مايو (أيار) 2005، ونقل خلالها قوش كما قالت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» حينها «معلومات دقيقة جدا» حول أنشطة «زوار الخرطوم» في التسعينات، وكذا بعض المعتقلين في معتقل غوانتانامو. وقالت الصحيفة إن قوش تعهد خلال الزيارة بالتعاون مع الأميركيين في العراق لرصد تنظيم القاعدة، كما وافق على تقديم المعلومات التي يطلبها الأميركيون في الصومال. ثم أعقب تلك الزيارة زيارة أخرى إلى بريطانيا بحجة العلاج وهي زيارة كشفت عنها النقاب إذاعة «بي.بي.سي» في وقتها حيث نسبت إلى مسؤولين بريطانيين قولهم في مارس (آذار) 2006 إن لندن قررت منح صلاح قوش تأشيرة لدخول بريطانيا، وقالوا إن قوش وصل إلى لندن لتلقي العلاج الطبي وغادر العاصمة البريطانية عقب ذلك. ويقول كريس موريس الصحافي في «بي.بي.سي» إن قوش يتمتع بعلاقات وطيدة بوكالات الاستخبارات الغربية، وعلى وجه الخصوص وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وامتنعت السفارة الأميركية في لندن وقتها عن التعليق حول ما إذا كان قوش التقى بأي مسؤول أميركي أثناء وجوده في لندن.

وعلاقة قوش مع «سي.آي.إيه» تحدث عنها الأميركيون كما تحدث عنه السودانيون، عندما كشف مصطفى عثمان إسماعيل، وكان يومئذٍ وزيرا للخارجية، النقاب عن هذا التعاون، وقال إن «التعاون في هذا الصدد (الحرب ضد الإرهاب) بات سياسة عالمية، ونحن نقوم بذلك في إطار واجبنا كعضو في المجتمع الدولي وما يمليه الواجب من ضرورة التصدي لهذه الظاهرة». وأكد أن هناك تعاونا استخباراتيا بين واشنطن والخرطوم. هذا التعاون سيؤدي إلى فتح «مكتب اتصال» خارج السفارة السودانية في واشنطن، للتنسيق بين جهاز المخابرات السوداني ووكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه). وهو التعاون الذي جعل الوكالة تعترض بشدة على إدراج اسم قوش ضمن المتهمين بارتكاب «جرائم حرب» في دارفور بسبب تعاونه الأمني مع الأميركيين. وتعرضت «سي.آي.إيه» نتيجة تعاونها مع قوش إلى حملة إعلامية ضارية في الولايات المتحدة، إلى الحد الذي جعل بورتر غوس مدير «سي.آي.إيه» يتراجع عن عقد اجتماع مع قوش حين زار واشنطن. وكان يدرك الأميركيون أهمية قوش بالنسبة لهم، وفي هذا الصدد يقول جون برنبيرغ المستشار السابق في البيت الأبيض خلال فترة حكم الرئيس الأسبق بيل كلينتون «كنا نعرف أن قوش هو المرافق اللصيق لأسامة بن لادن خلال وجوده في الخرطوم من 1990 إلى 1996، وهو الذي ساعده على إنشاء مشاريعه التجارية والمالية».

الاتجاه الثاني تمثل في تحديث عمل جهاز المخابرات وأساليب عمله والقيام بأدوار عسكرية إلى جانب دوره الأمني. ولهذا الغرض تم توفير مخصصات مالية ضخمة من أجل إنجاز مهامه المخابراتية والأمنية، وبموازاة ذلك إنشاء إمبراطورية مالية وتجارية توسعت وتمددت في جميع الاتجاهات، بحيث أصبح لها وجود في أهم مفاصل الأنشطة الاقتصادية والتجارية في البلاد. كما أنه عزز النفوذ السياسي للجهاز إلى حد أن معظم وزراء الدولة في مختلف الوزارات، كانوا في الأصل من العناصر القيادية داخل الجهاز. وأصبح رجال قوش عمليا يمسكون بزمام الأمور في العمل التنفيذي، وتم ذلك دون أن يصطدم الجهاز مع مراكز القوى الأخرى. كما أصبح الجهة التي يعتمد عليها النظام في التعامل مع المعارضين. وفي هذا الصدد تعددت أساليب عمل الجهاز، بين استعمال «الشدة المفرطة والعنف» كما حدث في دارفور، أو في ترويض واستمالة الكثير من المعارضين. وكانت تحت إمرة الجهاز أهم ما يحتاج وهو «المناصب والمال». وفي حالات ثالثة جعل الحوار أسلوبه مع المعارضين الذين رفضوا الهرولة نحو المناصب والمال.

ونظرا لطبيعة شخصيته الكاريزمية، أصبح صلاح قوش أحد أهم أركان الحكم. وأضحى الجهاز الذي يقف على رأسه القوة الضاربة للنظام، خاصة أن العمل السياسي وبسبب انقسام الحركة الإسلامية بعد خروج الترابي، وتضييق الخناق على نائب الرئيس علي عثمان طه من طرف النواة الأمنية والعسكرية الصلبة، عرف ضعفا ملحوظا. وبات التنظيم السياسي في الواقع امتدادا للأجهزة التنفيذية، ومع ما يصاحب الأنظمة الشمولية من ظواهر التسيب والفساد الإداري والمالي، أدى ضعف العمل السياسي إلى أن تعتمد الدولة على «جهاز المخابرات والأمن» في اتجاهين: أولا إدارة العمل السياسي الداخلي والخارجي، وفي هذا السياق كان بعض السفراء يتلقون تعليماتهم مباشرة من الجهاز أو بطريقة غير مباشرة عبر وزارة الخارجية. وهناك من داخل النظام من ينتقد قوش على اعتبار أنه قلص العمل السياسي ووسع مجالات العمل الأمني والمخابراتي، وهو الأمر الذي انعكس سلبا على أداء حزب المؤتمر الوطني الحاكم، لكن ذلك لم يقلل من قدراته وعمله على حماية النظام في منعطفات أساسية، مع ميله للبقاء في الظل والاستجابة لكل ما يطلب منه.

والاتجاه الثاني التصدي لظاهرة العمل المسلح الإثني أو الجهوي الذي انتشر في جميع مناطق السودان. وفي هذا الصدد حقق صلاح قوش نجاحا ملحوظا في التصدي للمحاولة الانقلابية التي نفذتها حركة العدل والمساواة المتمردة في دارفور، عندما استطاعت أن تصل في السنة الماضية إلى مدينة أم درمان إحدى المدن الثلاث التي تتكون منها العاصمة السودانية. وكان الجيش قد فشل في رصد قوافل السيارات العسكرية التي انطلقت من الحدود السودانية التشادية وراحت تتلوى في صحاري غرب السودان حتى دخلت أم درمان واستطاعت السيطرة على بعض المواقع. بيد أن قوات الأمن تمكنت في نهاية المطاف من دحرها. ويسود اعتقاد على نطاق واسع، أن جهاز المخابرات والأمن استعمل أساليب غاية في العنف طالت المدنيين لقمع الحركات المسلحة في دارفور، وبسبب تلك السياسة تعرض النظام إلى انتقادات واسعة. كما كان قوش وراء قرار إبعاد المنظمات الإنسانية من إقليم دارفور حيث قالت تقارير الجهاز إنهم مصدر كل المعلومات السلبية لما يجري في الإقليم.

ويقول الصحافي الأميركي مارك قولدبيرغ الذي يكتب في «نيويورك تايمز» والمتخصص في الشؤون الأفريقية: «يوجد اسم قوش ضمن لائحة قدمت إلى مجلس الأمن تضم 17 شخصا يعتبرون من أهم الشخصيات المتهمة بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور ويعرقلون السلام في الإقليم». ويقول أيضا إنه «مسؤول عن اعتقالات تعسفية والتضييق والتعذيب وإنكار حق المعتقلين في محاكمات عادلة». ويصف قولدبيرغ قوش بأنه «عقل الحكومة السودانية». وفي عام 2005 أجرت إحدى وكالات الأنباء الغربية حديثا نادرا مع صلاح قوش حيث أقر لأول مرة بأن الحكومة تسلح ميليشيات الجنجويد في دارفور، مشيرا إلى أنهم لن يرتكبوا الخطأ نفسه في شرق السودان. وأقر في تلك المقابلة أن هناك انتهاكات لحقوق الإنسان حدثت في دارفور وأن الذين ارتكبوا تلك الانتهاكات سيقدمون إلى المحاكمة.

لا توجد معلومات يعتد بها حول أسباب «انقلاب القصر» الذي أطاح برجل النظام القوي في الخرطوم. هناك من يعتقد أن للأمر علاقة بصراع القوى في الداخل، خاصة بين مجموعة «العسكريين» أي ضباط الجيش الذين يلتفون حول البشير، ومجموعة «الأمنيين» بقيادة قوش. في حين يرى آخرون أنه وبسبب قرب إجراء انتخابات ودخول البلاد مرحلة تعددية سياسية حقيقية، تحول قوش إلى كبش فداء للتغيير مع الغرب ومع الحركة الشعبية الشريك الآخر في الحكم. لكن قوش نفسه يرى أنه كلف «بمسؤولية كبيرة وبمهام أكبر» على حد تعبيره، وهو الآن يتحدث عن دوره «كمستشار للأمن القومي» وليس مجرد «مستشار» كما جاء في قرار الإقالة. ربما يريد صلاح عبد الله محمد صالح الملقب بقوش، القيام بمحاولة للانقلاب على الانقلاب. رجال المخابرات يحلقون ويهبطون.. لكنهم لا يخمدون.