الجمعـة 04 ذو القعـدة 1433 هـ 21 سبتمبر 2012 العدد 12351
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

نزاع الجزر

اهتزت العلاقات بين أكبر اقتصادين في آسيا بشدة مع تأجج المشاعر في شوارع الصين واليابان

واشنطن: محمد علي صالح
يوم الأربعاء الماضي، قالت الولايات المتحدة إنها تتوقع من الصين واليابان حل نزاعهما الإقليمي من خلال «الوسائل السلمية». وقال جاي كارني، الناطق باسم البيت الأبيض، إن الولايات المتحدة تعتقد أن جميع دول المنطقة تستفيد من علاقات جيدة بين اليابان والصين، إذ أبدى حرصا على التأكيد بأن الولايات المتحدة لم تتخذ موقفا بشأن السيادة على الجزر المتنازع عليها. وقال: «نعتقد أن العلاقات الحسنة بين الصين واليابان مفيدة للجميع في المنطقة، وسياسة الولايات المتحدة بشأن جزر سينكاكو لم تتغير. والولايات المتحدة لم تتخذ موقفا بشأن مسألة السيادة في نهاية المطاف على الجزر، ونتوقع حل القضية من خلال السبل السلمية».

جاءت التصريحات الأميركية مع زيادة التوتر بين الصين واليابان، بعد أن أعلنت اليابان الأسبوع الماضي أنها تخطط لشراء الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي. وفي الوقت الحاضر، تسيطر اليابان على الجزر، تطالب بها الصين، ويصل الخلاف بينهما حتى على تسميتها، إذ هي معروفة باسم «سينكاكو» في اليابان، و«دياويو» في الصين.

وعندما سئل الناطق باسم البيت الأبيض عن سبب استعماله للاسم الياباني «سينكاكو»، وإذا كان ذلك يعنى انحيازا نحو اليابان، أوضح أن الوضع الراهن هو أن اليابان تسيطر على الجزر، لكن، ليس للولايات المتحدة موقف نحو هذا أو ذاك حول مستقبل الجزر.

ويوم الأربعاء، زادت المخاوف عندما ذكرت وسائل الإعلام الرسمية الصينية أن أسطول قوارب صيني، مكون من أكثر من ألف قارب اتجه نحو الجزر. وأيضا، يوم الأربعاء، أعلن حرس السواحل الياباني أن سفينتين تابعتين للحكومة الصينية دخلتا المياه الإقليمية اليابانية قرب الجزر.

وفي الوقت نفسه، تظاهر ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص خارج السفارة اليابانية في بكين، ورفعوا لافتات، ورددوا شعارات قومية، ودعوا حكومة الصين للدفاع عن الجزر. وزادت الاحتجاجات ضد اليابان في الصين، وأصبح بعضها عنيفا، خاصة بعد أن أعلنت الحكومة اليابانية أنها سوف تشتري بعض الجزر غير المأهولة من أحد ملاك الأراضي اليابانيين. ومع تفاقم المخاوف من اندلاع أعمال عنف على أثر الخلاف، أعلنت شركات يابانية كبيرة، مثل: «هوندا» و«تويوتا» و«ميتسوبيشي» و«باناسونيك» تخفيض عملياتها في الصين.

وتتزامن هذه الأزمة مع الذكرى الحادية والثمانين لما يسمى «حادث منشوريا» إشارة إلى تصريحات يابانية عدائية ضد الصين عام 1931، صارت ذريعة لليابان لغزو الصين في نفس السنة. غير أن الولايات المتحدة، إذا هي محايدة الآن، لم تكن محايدة في الماضي، بل احتلت الجزر في عام 1945 (بعد أن هزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية). وحتى اليوم، حسب المعاهدة الأمنية التي أنهت الحرب بين اليابان الولايات المتحدة، الجزر جزء من اليابان. ويعني هذا أن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن الجزر.

ومن الممكن أن يرتد قرار الصين بفتح شوارعها أمام موجة احتجاجات مناهضة لليابان على بكين في نهاية المطاف بعدما خرجت من أيام تأججت فيها المشاعر القومية بتأكل سلطتها في الداخل فضلا عن عدم وجود خيارات تذكر للتعامل مع طوكيو. وشملت الاحتجاجات الحاشدة التي أشعلها تجدد نزاع على جزر بعض الانتقادات التي اتهمت بكين بأنها كانت متساهلة أكثر من اللازم مع منافستها الآسيوية التقليدية مما خلق ضغوطا يمكن أن تساعد على دفع القيادة الجديدة في الصين إلى مأزق دبلوماسي.

وظهر شي جين بينغ، الذي من المتوقع أن يتولى رئاسة البلاد لاحقا وهو نائب الرئيس الحالي، بعد نحو أسبوعين من ابتعاده عن الأنظار عندما كان مريضا فيما يبدو. وربما ينظر له ولزعماء آخرين الآن على أنهم يختبئون تجنبا لرغبة واسعة النطاق في أن تتخذ بكين موقفا أشد صرامة تجاه طوكيو ومنافسين آخرين بالمنطقة.

وقال تشانغ شين وهو أحد آلاف المحتجين الذين تدفقوا على السفارة اليابانية في بكين خلال الأيام القليلة الماضية للتعبير عن غضبهم: «نعتقد أن الحكومة متهاونة أكثر من اللازم ونريد أن نظهر ما نفكر فيه». وندد تشانغ وعشرات الآلاف من المتظاهرين في أنحاء البلاد باليابان لشرائها مجموعة جزر محل نزاع في بحر الصين الشرقي فيما يعكس تدفقا لمشاعر وطنية ربما يكون مطمئنا ومزعجا في الوقت ذاته لزعماء الحزب الشيوعي الصيني الذين يطلعون على الفيديوهات وتقارير الاحتجاجات في مجمعهم الواقع بوسط بكين.

والجانب المطمئن هو أن الحشود تبنت بحماس رسالة بكين وهي أن لها حقا مشروعا في السيادة على الجزر التي تطلق عليها طوكيو اسم سنكاكو بينما تعرف في بكين باسم دياويو. لكن المقلق هو أن الكثير من المحتجين مستعدون لأن يقولوا علانية إنهم لا يعتقدون أن زعماء بلادهم لديهم القوة الكافية للتصرف حيال هذا الموقف.

وحمل كثير من المتظاهرين صورا لماو تسي تونغ الزعيم الثوري الشيوعي الراحل الذي ما زال رمزا للوحدة والعزيمة في زمن التوترات الدولية. ولكن كثيرا من المحتجين استلهموا ماو أيضا كتوبيخ مستتر للزعماء الحاليين في الصين بمن فيهم الرئيس هو جين تاو الذي لم يلق أي تصريحات عامة بشأن الأزمة منذ أن اشترت اليابان ثلاثا من بين الجزر الخمس محل النزاع من مالك خاص في الأسبوع الماضي وهو ما أثار انتقادات من بكين.

وعبر عن هذا المزيج من الوطنية والإحباط الكثيرون من بين الحشود في بكين وشنغهاي وقوانغتشو ومدن صينية أخرى. وما من شك في أن الآلاف من أفراد الشرطة وقوات مكافحة الشغب سيمنعون تحول هذا الإحباط إلى احتجاجات ضد الحكومة وبحلول الأربعاء كانت الشرطة تعتقل المتظاهرين المحتملين عند السفارة اليابانية في بكين.

وقال لي وي دونغ وهو معلق سياسي ورئيس تحرير سابق لمجلة في بكين لوكالة «رويترز»: «بالطبع هناك حقا مشكلات مع اليابان لكن في الوقت ذاته كانت الحكومة تستغل هذا في تجميع الاستياء في الداخل وتصديره لليابان». وأضاف: «لكنها تحاول السيطرة على هذا الغضب. الحكومة لا تريد خروج الوضع عن نطاق السيطرة».

واهتزت العلاقات بين أكبر اقتصادين في آسيا بشدة مع تأجج المشاعر في الشوارع وأيضا في البحر بعد نزول نشطين يابانيين على جزيرة في قلب النزاع. وسارعت وزارة الخارجية الصينية إلى الرد على هذه الخطوة التي تهدد بإشعال أزمة شهدت تفجر أقوى المشاعر الصينية المناهضة لليابان خلال عقود.

وأعلنت وزارة الخارجية الصينية أن هبوط شخصين يعتقد أنهما يابانيان على مجموعة من الجزر التي تتنازعها الصين واليابان هو عمل استفزازي وأنها قدمت شكوى لطوكيو.

وترتبط (أو تتورط) الولايات المتحدة في نزاع جزر آخر له صلة بالصين. هذه هي جزر «سبراتلي»، الواقعة في بحر الصين الجنوبي. وتتنازع عليها كل من: بروناي والصين وماليزيا والفلبين وتايوان وفيتنام. وكل واحدة من هذه الدول (ما عدا بروناي) تحتل جزيرة أو أكثر من هذه الجزر التي يزيد عددها عن عشرين. وفي سنة 1945 مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حررت الولايات المتحدة هذه الجزر من السيطرة اليابانية. لكن، لم تكن الجزر جزءا من أي معاهدة أميركية مع اليابان أو أي دولة أخرى.

مؤخرا، زاد اهتمام دول المنطقة بهذه الجزر بعد أخبار عن وجود احتياطيات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي. كما أنها ظلت من أهم مناطق صيد الأسماك في العالم. وتعتبر نقاط اتصالات وملاحة بحرية. وتعتبر امتدادا للجرف القاري للدول التي تسيطر عليها. لكن، بعض الدول، مثل الصين وتايوان وفيتنام، تقول إنها تريد الجزر ليس لأي اعتبارات اقتصادية أو استراتيجية، ولكن لاعتبارات تاريخية.

ربما ستنشب حرب بين هذه الدول بسبب هذه الجزر، وربما لن تنشب. لكن، نشبت حرب قبل ثلاثين سنة تماما بين بريطانيا والأرجنتين حول جزر «فولكلاند» القريبة من ساحل الأرجنتين. في ذلك الوقت، انحازت الولايات المتحدة نحو بريطانيا. وأيضا هي نفسها كانت من الدول التي احتلت الجزر في وقت ما في الماضي، منذ أيام السيطرة الأوروبية على أميركا اللاتينية. في عام 1764، سيطرت عليها فرنسا، وفي عام 1765، سيطرت عليها بريطانيا، وفي عام 1767، سيطرت عليها إسبانيا، ثم بريطانيا، ثم الولايات المتحدة، ثم الأرجنتين في عام 1832، ثم بريطانيا بعد عام واحد، ثم الولايات المتحدة، ثم بريطانيا حتى عام 1982، عندما غزتها الأرجنتين (خلال حكم الجنرالات).

وخلال ثلاثة شهور، حشدت بريطانيا أسطولها، وهزمت الأسطول الأرجنتيني، ولا تزال تسيطر على الجزر. الآن، تطالب الأرجنتين باستفتاء تحت رعاية الأمم المتحدة، لكن يبدو أن أغلبية سكان الجزر يريدون أن تحكمهم بريطانيا، والتي نشرت الثقافة الغربية خلال أكثر من مائة عام، ثم، بعد استعادة الجزر، منحت السكان الجنسية البريطانية.

وتظل العلاقات متوترة بين اليابان وروسيا بسبب جزر «كوريل» في شمال شرقي آسيا. وتسميها اليابان «هوبومونداي». وكانت احتلتها القوات السوفياتية خلال «استراتيجية منشوريا الهجومية» مع نهاية الحرب العالمية الثانية. وظلت تحت الإدارة الروسية، امتدادا لمنطقة «ساخالين» التي تتنازع عليها الدولتان أيضا. وتسمي اليابان كل المنطقة «هوبوريودو» (الإقليم الشمالي).

وعقدت المشكلة معاهدة السلام النهائي في المحيط الهادي التي وقعت في سان فرانسيسكو عام 1951 (بعد سبع سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية). حسب المعاهدة، يجب أن تتخلى اليابان عن الجزر لأنها تاريخيا كانت تابعة للإمبراطورية الروسية. لكن، لأن المعاهدة عقدت مع بداية الحرب الباردة، ومع بداية العداء بين الولايات المتحدة وروسيا الشيوعية، لم تعترف المعاهدة بالسيطرة الشيوعية عليها.

وهناك قضية أخرى وصلت إلى محكمة التحكيم الدولية، ثم إلى محكمة العدل الدولية. هذه عن جزر «كاسيكيلي»، كما تسميها ناميبيا، و«سيدودو»، كما تسميها بوتسوانا. وهي ليست جزرا محيطية، ولكن نهرية، على نهر «تشوبي»، الذي يفصل بين البلدين. غير أن محكمة العدل الدولية حكمت لصالح بوتسوانا في عام 1999. جرى كل هذه النزاع على الرغم من أن الجزيرة مساحتها 5 كيلومترات مربعة فقط، ولا يوجد فيها مقيمون دائمون، ويغمرها الفيضان نصف سنة كل سنة.

وهناك نزاع بين الولايات المتحدة واليابان حول جزيرة «أوكيناوا»، التي احتلتها القوات الأميركية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم أعادتها إلى اليابان على شرط أن تستمر القاعدة العسكرية الأميركية في الجزيرة. وعلى الرغم من عدم توتر الموقف بين البلدين حول ملكية الجزيرة، يتوتر حول القاعدة الأميركية، وخاصة تصرفات الجنود الأميركيين فيها نحو السكان اليابانيين.

وجزيرة «أوكيناوا» هي أكبر مجموعة جزر بنفس الاسم. وهي عاصمة مجموعة الجزر، ومشهورة بكبر سن سكانها (فيها قرابة ألف شخص تزيد أعمارهم عن مائة سنة).

ومؤخرا، بدأت اليابان تطالب، ليس برحيل القاعدة العسكرية الأميركية، ولكن بتخفيض حجمها لأنها، في الحقيقة، مجموعة قواعد، وتكاد تغطي نصف الجزيرة. فيها قواعد للقوات الجوية، والبحرية، والجيش، ومشاة البحرية. وفي بداية هذا العام، عقدت اتفاقية بين الولايات المتحدة واليابان لخفض الجيش الأميركي، ونقل أكثر من 9000 جندي إلى مواقع أخرى. لكن، سيبقى نفس العدد تقريبا من التابعين للبحرية الأميركية.

في عام 1504، كان كريستوفر كولومبوس اكتشف جزيرة جامايكا (في البحر الكاريبي)، بعد أن كان اكتشف جزيرة «سبانيولا» (الآن: جمهورية الدومنيكان وجمهورية هايتي). وبين الجزيرتين تقع جزيرة صغيرة ومغمورة ومن دون ماء عذب. وسماها كولومبوس «نافا» (من دون ماء، جرداء). ولأكثر من أربعمائة سنة، أهملت الجزيرة، ولم تظهر حتى في كثير من خرائط المنطقة. لكن، الآن، تنازع عليها هايتي وجمايكا.

خلال سنوات، كانت الولايات المتحدة تعتبرها تابعة لها، لأنها قريبة من كوبا التي استعمرتها الولايات المتحدة مع بداية القرن الماضي (بعد أن هزمت إسبانيا فيها). غير أن الولايات المتحدة أهملت الجزيرة بعد أن حصلت على قاعدة «غوانتانامو» في كوبا. وفي الوقت الحاضر، لا تميل الولايات المتحدة إلى هايتي أو إلى جمايكا في النزاع حول «الجزيرة الجرداء».

وتتنازع على جزيرة «روكوانزي»، في بحيرة ألبرت في وسط أفريقيا كل من أوغندا والكونغو اللتين تقعان على جانبي البحيرة. وفيها ألف شخص كلهم صيادون. هذا النزاع تطور إلى حرب حقيقية، لكنها محدودة. في عام 2005، احتلت الكونغو الجزيرة، وهزمت الجنود الأوغنديين، وطردتهم. وفي عام 2007، غزت أوغندا الجزيرة، وهزمت الجنود الكونغوليين. وفي سنة 2008، عادت الحرب، وانتصرت فيها الكونغو، ولا تزال تحتل الجزيرة.

وفي المحيط الهندي، يستمر النزاع حول جزر «شاغوس» بين الهند وبريطانيا (والولايات المتحدة) وجزيرة موريشاص، وجزر مالديف. وهي امتداد لجزر مالديف نفسها، والتي هي عبارة عن سلسلة جزر كانت مستعمرة بريطانية، ونالت استقلالها، ونسبة كبيرة من سكانها مسلمون. لكن، يسكن جزر «شاغوس» خليط من الهنود والسريلانكيين، أو، في الحقيقة، كانوا يسكنونها، لأن بريطانيا، باتفاق مع الولايات المتحدة، أجلتهم قبل ثلاثين سنة تقريبا، لتقدر الولايات المتحدة على بناء قاعدة «دييغو غارسيا»، أكبر الجزر. وبعد إعلان الرئيس السابق بوش الابن «الحرب ضد الإرهاب»، وزيادة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، تضاعفت أهمية الجزيرة والتي لا يسكنها الآن غير العسكريين الأميركيين وتابعين لهم.

ويذكر أن هناك نزاعات تاريخية حول العالم متعلقة بالجزر، مثل جزيرة «البوران» التي تتنازع عليها المغرب وإسبانيا، وجزر «سقطرى» في المحيط الهندي التي ظلت جزءا من اليمن، لكن تطالب بها دول في المنطقة منها الصومال وإثيوبيا.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال