الاربعـاء 14 رجـب 1435 هـ 14 مايو 2014 العدد 12951
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

حمص.. فرصة المعارضة الضائعة

تشتت الكتائب وغياب قيادة مركزية تسببا في سقوط «عاصمة الثورة»

عبد الباسط الساروت
بيروت: «الشرق الأوسط»
خسرت فصائل المعارضة السورية بعد خروج آخر مقاتليها من أحياء حمص القديمة ضمن اتفاق مع النظام أشرفت الأمم المتحدة على تنفيذ بنوده، فرصة ثمينة لإضعاف النظام السوري في عاصمته السياسية دمشق ودفعه للانكفاء إلى حاضنته الطائفية في الساحل.

فحمص تقع في منتصف سوريا وتربط جغرافيا بين العاصمة دمشق والساحل حيث تقطن غالبية علوية تؤيد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ما يعني أن احتفاظ المعارضة بها كان من شأنه قطع طرق الإمدادات العسكرية القادمة من العراق، وعزل العاصمة، ما يؤدي تدريجيا إلى إجبار النظام على التراجع نحو الساحل، تمهيدا لمحاصرته في معقله الأخير وإسقاطه نهائيا. وسقوطها في يد النظام يعني طوق نجاة جديدا للرئيس السوري بشار الأسد.

تمتلك حمص أهمية استراتيجية بحكم موقعها في المنطقة الوسطى على مسافة 160 كيلومترا تقريبا شمال العاصمة دمشق. وهي كبرى المحافظات السورية من حيث المساحة وفي المرتبة الثالثة من حيث عدد السكان بعد دمشق وحلب، ولها حدود مع لبنان من الغرب والعراق والأردن من الشرق. وقد خرجت مساحات واسعة من المدينة عن سيطرة النظام بعد اتجاه المعارضة إلى العمل العسكري. لكن بعد اقتحامات متتالية شنتها القوات النظامية ضد أحياء المدينة، تراجعت كتائب المعارضة إلى الأحياء القديمة، التي جرى محاصرتها نظاميا ما يقارب السنتين، ليصار أخيرا إلى إجلاء المعارضة من المدينة ضمن اتفاق مع النظام بإشراف الأمم المتحدة، فتعود حمص إلى سيطرة النظام. لعل النظام السوري أدرك منذ المعارك الأولى التي اندلعت في حمص خطورة السيناريو الذي تسعى إليه المعارضة انطلاقا من حمص، فسعى إلى إجهاضه عبر استراتيجيتين: الأولى تقضي بقطع الإمدادات عن بؤر المعارضة في المدينة تمهيدا لفصلها بعضها عن بعض ومحاصرتها وإجبارها على الاستسلام، بحسب ما يؤكد المحلل العسكري السوري عبد الناصر العايد لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن «الاستراتيجية النظامية الثانية اعتمدت على تغذية الصراعات داخل القوى العسكرية المعارضة التي انشغلت بالنزاعات الداخلية، مما جعل التعاون بينها شبه مستحيل، فإذا ما هاجمت القوات النظامية مجموعة ما ترفض المجموعات القريبة التدخل لإنقاذها».

وعلى الأرجح، فإن افتقاد كتائب المعارضة السورية في حمص قيادة مركزية تدير العمليات العسكرية بشكل متوازن وفعال، «ساعد النظام على استعادة حمص بسرعة أكبر»، وفق ما يقول المحلل العسكري عبد الناصر العايد في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، موضحا أن «المعارضة تعاني مشكلة التشتت وعدم وجود استراتيجية موحدة تحافظ على التنسيق بين المناطق الخاضعة للمعارض».

ويزيد سقوط حمص بيد النظام من شرذمة كتائب المعارضة وتشتتها، فبعد أن كانت المعارك الميدانية تحصل في وسط البلاد، باتت تتركز أكثر في الأطراف التي لا تشكل خطرا كبيرا على النظام السوري. وهو ما سيساهم في تراجع مستوى التنسيق بين فصائل المعارضة، التي تقاتل أساسا وفق استراتيجيات متضاربة ترضي الجهات الممولة أكثر مما تلتزم استراتيجية محددة للمعارضة.

ويشدد العايد على أن «احتفاظ المعارضة بحمص كان من شأنه أن يحرم النظام من طريق إمداداته الواصل بين الساحل ودمشق، مما سيؤدي إلى إضعافه في العاصمة حيث عمقه السياسي، وإجباره إلى الانكفاء نحو عمقه الطائفي في الساحل»، لافتا إلى أن «تراجع النظام نحو الساحل سيعد هزيمة عسكرية له تمهد لإسقاطه».

وفي السياق ذاته، لا يقلل أستاذ العلاقات الدولية بجامعة باريس - الجنوب، خطار بودياب خلال تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» من أهمية حمص وعدها «عقدة طرق مهمة لوصل دمشق بالساحل، مما جعلها معركة مصيرية بالنسبة للنظام السوري»، موضحا أن «المعارضة ارتكبت خطأ كبيرا حين تلهت بحروب جانبية ولم تركز على استهداف النظام في مركزه الرئيس بالعاصمة عبر استثمار معارك حمص وما سواها».

وفي حين، يوضح بودياب أن «سقوط حمص يمثل انتكاسة للمعارضة»، يشير في الوقت نفسه إلى أن «الصراع في سوريا يخرج عن القواعد الكلاسيكية، فهو ليس حرب جيوش كما أنه ليس حرب عصابات، النزاع بين الأطراف في سوريا مزيج من الاثنين، مما يعني أن الحرب باتت طويلة الأمد ودخلت مرحلة الاستنزاف»، انطلاقا من ذلك فإن «سيطرة أي طرف على مدينة أو بلدة، ستقابلها سيطرة مضادة من الطرف الثاني في إطار حرب مواقع لا نهاية لها».

ويأخذ بودياب على المعارضة السورية «عدم وجود قيادة عسكرية موحدة تخطط لإدارة العمليات وتشرف على التنفيذ»، داعيا إياها إلى الدخول في مرحلة «المساءلة والنقد الذاتي»، لافتا إلى «تصريحات أدلى بها قائد جبهة حمص العقيد فاتح حسون، مبديا استعداده للمساءلة بعد سقوط حمص».

وكانت وكالة «الأناضول» التركية قد نقلت عن العقيد حسون أنه «مستعد مع الكوادر العاملة معه للمساءلة الشرعية والقضائية أمام أي لجنة تابعة للمعارضة»، وذلك لـ«تبيان الحقائق وتشجيعا لبدء مرحلة جديدة من العمل الثوري». وأشار حسون إلى أن «المساءلة من الممكن أن تتضمن الإمكانات القتالية التي تسلمتها جبهة حمص من سلاح وذخيرة وعتاد حربي، وكذلك الأمر بالنسبة للإمكانات المالية التي تسلمتها، وأيضا بالنسبة للإمكانات الطبية والإغاثية، وذلك من جانب الجهات الداعمة للمعارضة».

كما أبدى استعداده مع كوادره للمساءلة أيضا بـ«خصوص العمليات والمعارك القتالية المنفذة تحت إشراف الجبهة، وأيضا التواصل الداخلي والخارجي مع مختلف الجهات أو أي موضوع آخر متعلق». وكشف عن أنه «تقدم بطلب رسمي بهذا الخصوص إلى رئيس الحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة أحمد طعمة»، لكن «لم يتلق ردا عليه حتى اليوم»، على حد قوله.

وعلى الأرجح، فإن الوقت الذي قد تقضيه المعارضة في تحديد المسؤوليات عن سقوط حمص سيستغله النظام في تثبيت سيطرته على المدينة التي تبدلت توازناتها الديموغرافية على المستوى الطائفي، فغدت الأقلية العلوية التي كانت تقطن في عدد من الأحياء، مثل النزهة والزهراء، الغالبية السكانية في المدينة بعد نزوح عدد كبير من السنة إثر القصف النظامي الذي استهدف مناطقهم. ويسهل هذا التغير الطائفي في حمص على النظام السوري تنفيذ خطته البديلة التي من المحتمل أن يلجأ إليها في حال شعر بالخطر، وتقضي بحسب تقارير صادرة عن مراكز أبحاث دولية بإنشاء دولة علوية تمتد من شمال دمشق إلى الساحل وتتخذ من حمص قاعدة أساسية لها.

في هذا الإطار، لا ينفي العايد أن «حمص باتت مجالا حيويا للعلويين بعد سيطرة النظام عليها»، مستبعدا في الوقت نفسه أن «يلجأ النظام إلى سيناريو الدويلة العلوية، لأن إيران أهم حلفائه لا تريد ذلك».

ويوضح أن «النظام الإيراني لا يريد للعلويين أن ينعزلوا عن محيطهم، على العكس هو يسعى إلى اندماجهم مع هذا المحيط بشكل وظائفي، بحيث يكونون أداة تأثير في الأحداث وذريعة لتوسيع النفوذ»، مضيفا: «كان يمكن لإيران أن تدفع حزب الله في لبنان إلى إقامة دويلة خاصة به، لكنها تفضل أن يبقى عنصرا فاعلا يملك حرية الحركة في البيئة السياسية اللبنانية لتحقيق مزيد من النفوذ لصالحها».

وسواء عمد النظام إلى استخدام حمص كقاعدة لدولته البديلة أم لم يعمد، فإن سيطرته على المدينة ستؤمن له موقعا عسكريا متقدما يحمي من خلاله حاضنته الاجتماعية ويتجه لخوض معاركه في مناطق أخرى. ورغم خروج مقاتليها من آخر معاقلهم في حمص القديمة، فإن المعارضة السورية لا تزال تسيطر على نحو 85 في المائة من الريف الشمالي لمدينة حمص، حيث المسافة الفاصلة بين حماه وحمص. وتعد مناطق تلبيسة والرستن والغنطو ودير فول والدار الكبيرة وعز الدين والعامرية أهم مناطق الريف الشمالي الخاضعة لسيطرة المعارضة، مما يجعلها هدفا دائما لقصف القوات النظامية، بحسب ما أكد الناشط المعارض سليم قباني لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن «هذه المناطق تستهدف بقذائف الطائرات النظامية بشكل دوري، مما يتسبب في أضرار فادحة في ممتلكات المدنيين»، كما لفت إلى «وقوع اشتباكات متقطعة بين كتائب المعارضة المتحصنة داخل هذه المناطق والقوات النظامية بين الحين والآخر على جبهات العامرية وتلبيسة والرستن».

وفي حين يرى مراقبون أن المعركة الثانية للقوات النظامية ستكون في الريف الشمالي لحمص لطرد مقاتلي المعارضة من مناطقه، يعرب مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، عن اعتقاده أن النظام لا يسعى إلى هذه المعارضة بسبب نفاد المخزون البشري لديه، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن «النظام لا يملك العدد الكافي من الجنود لتغطية جميع الجبهات».

ويرجح عبد الرحمن أن «يعمد النظام إلى عقد المصالحة مع مقاتلي المعارضة في الريف الشمالي وربما اتفاق تسوية يشبه ذلك الذي أبرم لخروج العناصر المقاتلة من حمص القديمة»، مشيرا إلى أن عدد مقاتلي المعارضة المتمركزين في الريف الشمالي الحمص كبير جدا. وأوضح أن «عدد الذين وصلوا إلى هناك بعد اتفاق حمص كان 1800، مما يعني أن عدد الذين يتحصنون هناك يمكن إحصاؤه بالآلاف».

وتتنوع انتماءات مقاتلي المعارضة الموجودين في ريف حمص الشمالي، بحسب ما يؤكد عبد الرحمن، بين «الجيش الحر» و«الجبهة الإسلامية» و«جبهة النصرة»، وجبهة «ثوار سوريا»، إضافة إلى عناصر من تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام».

ومن الممكن أن يؤدي هذا التنوع العقائدي بين فصائل المعارضة في الريف الشمالي إلى اندلاع صراعات بينها أسوة ببقية المناطق، إذ حذرت بعض التقارير من «إمكانية وقوع نزاعات بين مقاتلي حمص الذين خرجوا من أحياء المدينة القديمة بموجب الهدنة الأخيرة، والمجموعات العسكرية التابعة للمعارضة في الريف الشمالي». كما أشارت التقارير إلى وجود «حساسيات لا يمكن إخفاؤها، خصوصا في ظل اتهام مقاتلي حمص نظراءهم في الريف الشمالي بالتخاذل عن نصرتهم، وعدم القيام بأي عمل من أجل فك الحصار الذي فرضه النظام على الأحياء الحمصية التي كان مقاتلو المعارضة يتحصنون فيها طوال السنتين الماضيتين». ورغم أن مقاتلي الريف الشمالي استقبلوا ضيوفهم القادمين من حمص المحاصرة بحفاوة كبيرة، لكن هناك مخاوف جدية من انقلاب الموقف، خصوصا أن عدد الخارجين من حمص تجاوز الألف مقاتل، بموجب الخطة التي قام النظام بفرضها على مقاتلي المعارضة في المنطقة، مما يعني أن انقساما ما سيبرز في الريف الشمالي بين الذين كانوا يتمركزون في القرى وهؤلاء الذين خرجوا ضمن اتفاق حمص، فضلا عن الصراعات العقائدية بين الفصائل المقاتلة، التي من الممكن أن تتحول إلى صراعات مفتوحة في أي لحظة. وكان لافتا أن المجلس العسكري التابع للجيش السوري الحر ببلدة «الدار الكبيرة» في الريف الشمالي أصدر قرارا عشية تنفيذ اتفاق الهدنة منع فيه «دخول أي شخص إلى البلدة لحين انتهاء وصول المجاهدين من حمص المحاصرة، وذلك حرصا على تأمينهم وراحتهم»، في خطوة تهدف إلى تجنب الاحتكاك بين المقاتلين الموجودين في المنطقة والقادمين إليها من أحياء حمص القديمة.

النكتة سلاح الحمصيين ضد الموت

* احتلت مدينة حمص مكانة رمزية قبل اندلاع أزمة سوريا وبعدها، فـ«عاصمة الثورة»، وفق ما يحلو لناشطين ومعارضين تسميتها، باعتبار أنها احتضنت احتجاجات شعبية مبكرة ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، لطالما عرفها العالم على أنها «عاصمة النكتة». ولم يتردد أهلها في المطالبة قبل سنوات بإطلاق لقب «العاصمة العالمية للضحك» على مدينتهم، ثالث أكبر مدينة في سوريا وأغناها حضارة وتاريخا وتراثا.

وإذا كان المصريون، على سبيل المثال، يروون الدعابات والطرائف عن أهالي الصعيد، والفرنسيون عن البلجيكيين، والبرازيليون عن البرتغاليين، فلأهالي حمص النصيب الأكبر من النكت والدعابات المتداولة من قبل السوريين واللبنانيين وحتى الأردنيين.

ومع انطلاق الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الأسد، حافظ الحمصيون على حس الطرافة. وبادر عدد منهم إلى تصوير طرائف ابتكروها ردا على اتهامات النظام باحتضان المدينة، قبل «عسكرة الثورة» مجموعات مسلحة، تظهرهم وهم يستخدمون الخضار والفواكه والمفرقعات النارية ردا على القصف النظامي. كما عمدوا إلى تصوير أفلام ساخرة وتقديم نماذج لأسلحة مصنوعة من رشاشات المياه والقساطل.

وبعد دخول الجيش النظامي إلى المدينة، أنشأ الحماصنة مجموعات طريفة على مواقع التواصل الاجتماعي، حملت إحداها تسمية «مغسل ومشحم حمص الدولي للدبابات». حتى إن انسحاب مقاتلي المعارضة، الأسبوع الماضي من حمص القديمة، لم يمر مرور الكرام، إذ كتب لاعب كرة القدم الحمصي المعروف عبد الباسط الساروط على صفحته الشخصية باللغة المحكية على موقع «فيسبوك»: «أبو عبدو زلمة نظامي أول ما طلع عالباص عطاه للشوفير عشرة ليرات وطلب منو كرت باص. صار يضحك الشوفير وقلو لأبو عبدو صار الكرت بخمسين ليرة. أبو عبدو اندهش وقال: يا إلهي كم لبثنا!».

ولأهل حمص تاريخ طويل في ميدان الفكاهة والمزاح، وثمة مؤلفات عدة ترصد نشأة «أدب النكتة» في المدينة. وتتناقل مراجع وتقارير عدة رواية مفادها أن القائد المغولي تيمورلنك بعد تنفيذ قواته هجوما على مدينة حلب أدى إلى تدميرها بالكامل، توارد الخبر إلى مسامع أهالي حمص، الذين علموا أن دورهم آت، فقرروا التظاهر بالجنون ولجأوا إلى قرع الطبول وارتداء ملابس غريبة وراحوا يفتعلون حركات غريبة ويقهقهون بطريقة هستيرية، مرددين أن كل من يشرب من مياه نهر العاصي تصيبه لوثة الجنون.

وتضيف الرواية أن قائد المغول لما رأى حالهم، ظن أن المدينة ممسوسة وطالب قواته بإكمال طريقها والزحف مباشرة على دمشق، لتبقى المدينة بفضل خفة دم أهلها وذكائهم، بمأمن عن بطش المغول.

عبد الباسط الساروت: من حراسة المرمى إلى حماية حمص

* لم يكن حارس مرمى منتخب سوريا لكرة القدم عبد الباسط الساروط يعتقد يوما أن الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ستصل إلى عمق مدينته حمص منتصف عام 2011 وتحوله إلى رمز من رموز حراك الشعب السوري.

بين ليلة وضحاها، انتقل الساروط من ملعب كرة القدم إلى واجهة المظاهرات الشعبية التي انطلقت باكرا في حمص، حيث قاد بعضها وصدحت حنجرته بشعارات وأناشيد مناهضة للنظام، باتت جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للمدينة، التي تعد وفق ناشطين «عاصمة الثورة»، ولم يتردد ناشطون كثيرون في تلقيبه بـ«بلبل الثورة».

ولم تكن مشاركة حارس كرة القدم، المتحدر من عشيرة «الحديدين» والمولود عام 1992، مشاركة عابرة أم رمزية، إذ تمكن بفضل شعبيته و«الكاريزما» التي يتمتع بها، من أن يصبح من أبرز محركي الشارع الحمصي والأكثر تأثيرا فيه. وكان لظهوره مع الممثلة العلوية فدوى سليمان، إثر محاولة النظام افتعال أحداث ذات طابع طائفي في المدينة، دورا أساسيا في التخفيف من حدة الاحتقان والتشنج.

ومع «عسكرة» الحراك الشعبي الذي لاقاه النظام السوري بالقتل والقمع، لم يعد النشاط السلمي مثمرا، مما دفع الساروط للانخراط في العمل العسكري الميداني، من خلال تأسيس كتيبة تضم عشرات المقاتلين وعرفت باسم «كتيبة البياضة»، لكن عددا كبيرا من عناصرها قضى مطلع العام الحالي بعد محاولتهم كسر الحصار وإدخال المساعدات الغذائية إلى المحاصرين في حمص، من خلال نفق حفروه، وتمكن النظام من كشف مخططهم والإيقاع بهم لدى محاولتهم التسلل إلى حمص القديمة، ولم ينج إلا عدد قليل منهم، بينهم الساروط.

وكتب الساروط، ليلة مقتل عناصر الكتيبة، على صفحته الشخصية على «فيسبوك»: «عرس جماعي لـ62 بطلا نالوا الشهادة في ظروف لا تصدق، كانوا يحملون على أعناقهم هم 3000 نسمة في حمص المحاصرة، وكانوا آخر أمل لفك هذا الحصار اللعين، رحمكم الله يا أبطال، عذرا يا رجولتي لا أستطيع منع نفسي عن البكاء».

وعمد النظام السوري، في مواجهة نفوذ الساروط المتصاعد، إلى تشويه سمعته حينا وترغيبه حينا آخر. فخصص جائزة مالية لمن يعتقله مرة، ومرة أخرى اتهمه بالسعي لإقامة «إمارة سلفية» في حمص. ويروي الساروط في فيلم وثائقي أعده المخرج طلال ديركي بعنوان «العودة إلى حمص»، أن النظام حاول استمالته من خلال وسطاء تعهدوا بتسوية وضعه مقابل أن يتخلى عن موقفه الداعم للمعارضة ويعود مجددا إلى صفوف المنتخب السوري. وقابل هذه المساعي بالرفض المطلق، متمسكا بمواقفه وبحراكه الميداني.

وبقي الساروط في حمص القديمة طيلة الفترة الماضية ولم يتركها إلا بعد اتفاق حمص، التي غادرها ومقاتلو المعارضة منتصف الأسبوع الماضي من المدينة، في إطار تسوية مع النظام السوري أشرفت الأمم المتحدة على تطبيقها.

وكتب الساروط على صفحته على «فيسبوك»: «حمص تمرض لكن لا تموت، العالم تآمر علينا لخروجنا من حمص المحاصرة، ولكن لن يستطيع العالم أن يحاربنا لدخولها لأن مقومات الحياة عادت ومخزون جسدنا الاحتياطي سيعود وسنعود بقوة بإذن الله ونستفيد من أخطائنا بإذن الله وسنترك المسميات والغايات والتسييس للذين أرادوه».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال