السبـت 20 ذو الحجـة 1426 هـ 21 يناير 2006 العدد 9916
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

بريطانيا: تكدس المدن يشعل صراع الضواحي على جذب المشتري

لندن: «الشرق الأوسط»
هذه الظاهرة تعرفها معظم المدن العربية التي انعكس نجاحها على تكدسها بالسكان الى درجة التوسع الجغرافي في كل اتجاه ونمو سريع للضواحي التي لا تبعد عنها اكثر من ساعة بالسيارة. في دبي نمت «ضاحية» الشارقة وتوسعت دبي، حتى كادت منطقة جبل علي تكون في وسط المدينة. ويتكرر الموقف في الرياض وجدة والقاهرة والعديد من العواصم العربية.

في لندن بلغ التوسع العمراني للمدينة مداه الى درجة ان خطوط المواصلات داخلها تقطع ساعتين من طرف الى طرف اخر، وهي فترة يمكن خلالها السفر جوا من لندن الى فرانكفورت! ولذلك نشأ صراع على اجتذاب الباحثين عن شراء العقارات بين خمس مقاطعات تعتبر نفسها ضواحي لندن. وهي تتنافس بالسعر والخدمات ووسائل المواصلات لكي تجذب اليها ساكن لندن المرموق الذي يجلب معه قدرة شرائية عالية مما يدعم الخدمات داخل هذه المقاطعات. ونشأت منافسة بينية تضع المشتري في حيرة: هل يتجه شرقا او غربا، جنوبا او شمالا، لان في هذا القرار الكثير من الربح والخسارة. فالاستثمار خارج العواصم يضع مستقبل اسعار العقارات رهينة بما تحققه المقاطعات المختارة من نجاح او فشل اقتصادي.

ولا تتساوى الضواحي بأي حال من حيث الاسعار ولا نوعيات العقار، كما ان المستقبل لن يعكس بالضرورة ما حدث في الماضي وان كانت احتمالات ذلك قوية. في الاستعراض التالي لخمس مقاطعات ملاصقة للندن من جميع الجهات دروسا للضواحي العربية فيما يمكن ان تفعله لكي تضع نفسها في مواقع جذب عقاري مغرية لسكان المدن القريبة.

وتقليديا تتفوق الضواحي الغربية للندن على الضواحي الشرقية لعدة عوامل منها الموقع الجغرافي المتوسط القريب من شرايين الطرق الرئيسية الى الغرب والشمال وايضا القرب من المطارات الدولية مثل هيثرو وغاتويك. وهي ايضا تجذب العديد من الشركات الكبرى التي تقيم فيها مراكزها الرئيسية مما يجذب اليها تلقائيا معظم العاملين في هذه الشركات. كذلك فان خطوط المواصلات الى مركز لندن تعتبر افضل واسهل من جهة الغرب. فمن الشرق تمتد الطرق وشبكات القطار اميالا طويلة لكي تصب في النهاية في منطقة شرق لندن الفقيرة التي يتعين، بعد الوصول اليها، استخدام وسائل مواصلات اخرى مثل مترو الانفاق للوصول الى المركز. اما من الغرب فان الطرق الرئيسية تكاد تصب مباشرة في منطقة نايتسبردج الراقية غربي لندن.

وهناك ايضا جذور تاريخية تعود الى العصر الفيكتوري (القرن التاسع عشر) حيث كان الاثرياء عموما يتجهون للاقامة في المناطق الغربية التي توفر لهم منازل ارستقراطية مناسبة وتتيح لهم السفر السريع الى مقار اعمالهم في وسط لندن. هذه الضواحي الغربية تشمل مقاطعتي ساري في الجنوب الغربي وباكنغهامشير في الشمال الغربي. اما جهة الشرق فتحتلها مقاطعة كنت جنوبا وإيسكس شمالا، ثم تقع مقاطعة هارتفوردشير في شمال العاصمة.

ساري: وهي الاكثر ثراء بين الضواحي ولا يقل متوسط سعر المنزل فيها عن 350 الف استرليني. ويقطعها في المنتصف الطريق الدائري السريع حول لندن (إم 25) وتقع كثافتها السكانية في المنطقة الاقرب من لندن داخل اطار الطريق الدائري السريع. وهي توفر الكثير من المدارس الجيدة وخدمات الترفيه والرياضة مثل ملاعب الغولف واندية سباق الخيل وملاعب التنس. وهي تجذب العديد من العائلات الشابة. كما انها تضم بعض المجمعات الارستقراطية مثل سان جورج في منطقة ويبريدج، و«وست» في منطقة فرجينيا ووتر. كما ان بها الكثير مناطق التسوق في كنغستون وغيلدفورد. وهي قريبة من المطارات ومواصلاتها الى لندن جيدة. كما انها تحوي العديد من المناطق الطبيعية الخلابة ويمر بها نهر التيمز. ولا يعيب ساري سوى ان بعض المدن فيها مثل اولدرشوت ودوركنغ تبدو منعزلة في ثرائها الى درجة انها تبدو مناطق مملة للمعيشة فيها.

باكنغهامشير: وهى تخلو من المدن الكبيرة مما يعزز فيها الشعور بالاقامة في الريف على رغم قربها الجغرافي من لندن. مواصلاتها الى لندن جيدة ويصل مترو الانفاق الى اطرافها عبر خط متروبوليتان. شمال باكنغهامشير يبدو قرويا بالمقارنة مع جنوبها، وهي توفر العديد من المنازل التاريخية العريقة والقصور الفسيحة وبها ايضا نسبة اكبر من العقارات كبيرة الحجم. وهو في طور النمو وبها العديد من المدارس الجيدة ولا تقل فيها اسعار العقارات عن ساري الا هامشيا وان كانت توفر مساحات اكبر بنفس الاسعار. كما تتميز بالمناخ الريفي الهادئ وتدني معدلات العنف والجريمة وتناسب من يبحث عن الاسترخاء. ولا يعيب باكنغهامشير الا ملل سكانها حيث يقول احدهم على موقع على الإنترنت .ان افضل ما يميز مدينة هاي ويكومب هو «لاشيء على الاطلاق، وافضل ما يمكن ان يفعله الزائر اذا وصل اليها هو ان يغادر بأسرع فرصة!».

كـنت: تتمتع كنت بطبيعة ريفية وطبيعية جذابة وبها الكثير من المراعي والغابات والخضرة، ولكن مواصلاتها الى لندن صعبة. ولكن الجهود الحالية سوف تسفر عن ربط هذه المقاطعة المهملة بوسط لندن عن طريق خط قطار سريع يربطها بلندن وبأوروبا عبر نفق المانش، وقد يغير هذا الخط الذي يفتتح في عام 2009 من احوال كنت. وهي مشهورة بين العائلات الصغيرة التي تنزح عن لندن بحثا عن مدارس افضل ومنازل ارخص. وتعتبر المناطق القريبة من لندن هي الاغلى، وكلما توغل المشتري داخل كنت كلما كان ما يحصل عليه عقاريا بالمبلغ نفسه، افضل واكبر حجما.

الهدوء ايضا يميز كنت الى درجة ان كل المنافذ التجارية تبدو مغلقة بعد الخامسة عصرا. وهؤلاء الذين اعتادوا على الحياة الصاخبة ومناخ المقاهي في لندن قد يجدون بعض الصعوبة في التأقلم على الحياة في كنت الهادئة. ويشكو وكلاء العقار في كنت من انتشار صرعة بناء مجمعات الشقق الحديثة على غرار ما يحدث حاليا في وسط لندن، فهي من ناحية غالية الثمن وقد يرى المشتري الذي يعمل في لندن ان من الافضل له شراء شقة في وسط العاصمة بدلا من شقة في كنت بالاضافة الى تكاليف المواصلات. كما ان العجائز في كنت الذين يرغبون في الانتقال الى منازل اصغر حجما لا يرغبون في سكن الشقق الحديثة على ارتفاعات شاهقة. وبوجه عام تتميز كنت بقربها من اوروبا بحيث يمكن الوصول الى فرنسا في الوقت نفسه الذي يستغرقه المسافر الى لندن، كما ان بها الكثير من القرى الانجليزية الرائعة. اما اكبر عيوب كنت فهو مشروع المواصلات الهائل الذي يعم معظم ارجائها بحيث تبدو المقاطعة حاليا وكأنها موقع بناء هائل.

إيسكس: تعاني مقاطعة إيسكس من السمعة السيئة عقاريا، فهي من ناحية تحتوي على الكثير من التجمعات السكانية العمالية المزدحمة التي تحمل اسماء مثل إيلفورد وباركنغ وداغنهام ورومفورد. ومن ناحية اخرى فان المقاطعة مسطحة تماما ولا معالم جغرافية مميزة لها سوى بعض القرى الجذابة في شمالها. وهي ايضا تعاني من مشاكل البطالة حيث لا توجد فيها فرص عمل بقدر ما يتوفر في المقاطعات الاخرى. وكانت شركة فورد توفر الكثير من الوظائف في منطقة داغنهام، ولكنها تقلص الان من حجم مصانعها هناك. ولعل الميزة الوحيدة الباقية في إيسكس هي الشواطيء الشرقية التي نشأت عليها سياحة محلية من ناحية وتبحر منها خطوط ملاحية الى اوروبا من ناحية اخرى. من مساوئها انتشار معسكرات الكرافانات على شواطئها وتدني نوعية العقارات فيها، وان كانت رخيصة نسبيا.

هارتفوردشير: وهى تقع وسط شبكة طرق واسعة تصلها بشمال انجلترا كما يقع فيها مطاران دوليان هما ستانستيد ولوتون، ولذلك تعاني المقاطعة من التلوث وكأنها في وسط المدينة وليست ضاحية شمالية. ايضا لا تتميز هارتفوردشير بالكثير من الجمال المعماري حيث تختفي منها الشخصية المعمارية الموحدة. ويبدو شمال المقاطعة اجمل واكثر هدوءا من جنوبها، وهي تضم بعض المدن الجذابة مثل سان اولبن وستيفنيج. وهي تضم ايضا بعض الملامح الريفية الجذابة وتعتدل فيها اسعار العقارات.

وهذا العرض السريع لوضع الضواحي اللندنية يوضح ان الضواحي الناجحة في جذب سكان العواصم القريبة هي تلك التي توفر لهم ما يحتاجونه من خدمات واولها واهمها تسهيل المواصلات باتجاه العاصمة او مركز النشاط الاقتصادي، ثم خدمات التعليم والترفيه والمعيشة داخل الضواحي بحيث يكون انفاق المقيم داخلها وليس في مناطق اخرى. كما يجب ان تقدم له ايضا تنوعا عقاريا جذابا واسعارا ارخص من تلك المتاحة في وسط المدن الكبيرة، وان تراعي التوازن العمراني مع النشاطات الصناعية الاخرى بحيث تحافظ على جاذبيتها للسكن الهادئ والبقاء فيها في عطلات نهاية الاسبوع على الاقل.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال