السبـت 22 رجـب 1429 هـ 26 يوليو 2008 العدد 10833
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«صن سيتي» قد تتحول إلى لاس فيغاس القارة السمراء

مدينة تشهد طفرة عقارية وتبعد ساعتين عن مدينة جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا

مع استمرار النمو الاقتصادي يُتوقع أن يتواصل الانتعاش في سوق العقارات (كليب آرت)
لندن: محمد أبو حسبو
العقارات التي تقع بالقرب من مزارات سياحية شهيرة، مثل ديزني لاند أو شلالات نياغرا، تحافظ عادة على قيمتها السوقية، فضلاً عن كونها تدر ربحاً مجزياً من عائد الإيجار طوال العام طالما ظل الإقبال على المنطقة السياحية متواصلاً.

وبطبيعة الحال فالمزارات السياحية الكبرى كالمذكورة أعلاه تجذب أعلى الأسعار لكن ليس بالضرورة أعلى الأرباح. فالربح العالي يتحقق عادة بترصد المواقع السياحة الناشئة قبل أن تطير أسعارها إلى السماء.

وفي هذا الصدد قالت صحيفة «دايلي تلغراف» البريطانية إن مدينة «صن سيتي» في جنوب أفريقيا، التي وصفتها الصحيفة بأنها أحد أجمل بلدان العالم، تعتبر بمثابة لاس فيغاس القارة الأفريقية حيث راحت أعداد كبيرة من الأثرياء ومحبي الكازينوهات تتردد على المدينة وتستمتع بجمال الطبيعة المحيطة والطقس.

وتقع مدينة «صن سيتي» في إقليم «غوتينغ» على بعد ساعتين من مدينة جوهانسبرغ الشهيرة، وهي تمتاز بأسعارٍ متواضعة رغم أن عقاراتها ظلت ترتفع طوال السنوات الخمس الماضية. ويقول رولاند إينك من وكالة «بالم غولدينغ» العقارية إن مدينة «صن سيتي» ظلت تجذب السياح الأثرياء من جميع الدول الأفريقية، لكنها في السنوات الأخيرة شهدت إقبالاً من الاميركيين والأوروبيين بدرجة كبيرة، لذا فإن سوق الإيجارات فيها أصبح حيوياً.

وقد ارتفع عدد زوار المدينة بنسبة 21 في المائة خلال العام الماضي وحده. وأوضح إينك أن ضواحي «صن سيتي» تشهد الآن بناء مجمع سكني فاخر يدعى «زيلكاتز» ويغطي مساحة ألفي فدان، وتقع بداخلها أنهر وخزانات ومجموعة كبيرة من الطيور والحيوانات الأليفة كالغزلان وغيرها. كما أن هناك مشروعاً آخر يقع على أطراف «صن سيتي» في بلدة جبلية صغيرة تدعى «كلارينس» يتضمن فيلات مبنية على الطراز المعماري السويسري، وتتراوح أسعارها بين 390 و950 ألف دولار.

وكان إقبال المستثمرين الأجانب على عقارات جنوب أفريقيا قد بدأ بالأفراد لكنه سرعان ما جذب انتباه الشركات العقارية التي تحوم حول العالم باحثة عن الفرص الخام في الأسواق الناشئة. ويعتبر انجذاب إحدى هذه الشركات نحو جنوب أفريقيا دليلاً واضحاً على مستقبلها الواعد، إذ كانت شركة « سي دي اس»CDS البريطانية قد أنشأت في أواخر عام 2006 صندوقاً استثماريا عقارياً برأسمال قيمته 100 مليون دولار لاقتحام مواقع جديدة في القارة السوداء. ورغم أن مقر الصندوق سيكون في مدينة جوهانسبرغ فإن مديري الصندوق يعتزمون طرق بلدان جديدة في أفريقيا وعدم حصر أنفسهم في جنوب أفريقيا وحدها. ومن المدن الأفريقية التي يعتزم الصندوق اقتحامها مدينة لاغوس العاصمة التجارية لنيجيريا، ومدينة كمبالا عاصمة أوغندا، ونيروبي عاصمة كينيا، ودار السلام في تنزانيا.

وشهدت أسعار العقارات في جنوب أفريقيا خلال السنوات الماضية طفرة واضحة الأمر الذي جعل مجلة «ذي إكونوميست» الشهيرة تضع جنوب أفريقيا على رأس قائمة لأفضل أسواق العقارات أداء في العالم لسنة 2005.

كما أوضحت إحصاءات «بنك المعلومات للاستثمار العقاري» (IPD) الدولي أن عائد الاستثمار في عقارات جنوب أفريقيا بلغ في العام نفسه 30.1% من رأس المال المستثمر، أي أكثر من ضعف متوسط العوائد في 4 دول غربية.

ومن مفارقات القدر أن مدينة جوهانسبرغ، التي ترتبط في ذهن العالم بالمظاهرات والعنف والفقر إبان عهد التفرقة العنصرية، تحولت الآن الى أهم الأسواق العقارية في جنوب أفريقيا. وحسب دراسة أعدها بنك «فيرست ناشونال» الجنوب أفريقي فإن 7 مستثمرين يتنافسون على شراء أي منزل يُعرض في السوق للبيع في مدينة جوهانسبرغ، خصوصاً في الأحياء التي يقطنها السود – وأشهرها وأكبرها حي «سويتو» الذي شهد كثيراً من أحداث العنف والمقاومة للنظام السابق. وتأكيدا لهذا الواقع فقد موّل بنك «فيرست ناشونال» مشروعاً عقارياً ضخماً عبارة عن مجمع سكني يقع على أطراف حي «سويتو» ويلقى إقبالاً كبيراً من المشترين المقتدرين المحليين (من أبناء الطبقة المتوسطة والمهنيين) ومن المستثمرين الأجانب أيضاً. وليس غريباً أن يشّكل البريطانيون الجزء الأكبر من المستثمرين الأجانب الذين يقبلون على شراء العقارات في جنوب أفريقيا الناشئة بسرعة. فالعلاقة التاريخية والروابط الثقافية قوية بين البلدين. ويفضل البريطانيون مدينة «كاب تاون» التي تشهد أيضاً إقبالاً مماثلاً لجوهانسبيرغ. وبالطبع فقد كانت النتيجة الطبيعية لهذا الإقبال والتنافس أن ارتفعت الأسعار إلى أعلى من قدرة السكان المحليين الذين راحوا يبيعون منازلهم القديمة (بقيمة الأرض فقط) للمستثمرين الأثرياء الذين يقومون بدورهم بتشييد عقارات حديثة لتحل محل المنازل القديمة. وقد بلغ إقبال المستثمرين الأجانب على جنوب أفريقيا حداً جعل رئيس البلاد تابو مبيكي يكوّن لجنة للنظر في العلاقة بين الهجمة الأجنبية وارتفاع أسعار العقارات. غير أن بعض الاقتصاديين الأجانب يعتقدون أن ظهور طبقة متوسطة جديدة من المهنيين والمستثمرين السود هي الدافع الحقيقي وراء ارتفاع أسعار العقارات في جنوب أفريقيا، وأن الإقبال الأجنبي لما كان أن يحدث أصلاً لولا الأرباح التي راحت تحققها العقارات بفعل الإقبال المحلي. ويستدل هؤلاء بأن نسبة الصفقات العقارية التي تمت لصالح الأجانب لم تتعد واحداً في المئة من جملة المبيعات والمشتريات في سوق العقارات العام الماضي، لكن هذه النسبة بلغت 7% في مدينة «كاب تاون» حيث تضاعفت أسعار العقارات خلال 4 سنوات فقط.

كما ان وضع جنوب أفريقيا له خصائصه بحكم التاريخ المميز للبلاد. فمن ناحية تسعى الحكومة إلى إجراء إصلاحات في قانون الأراضي وإعادة توزيع ملكية الأرض على الغالبية السوداء التي حُرمت منها طوال عهد الفصل العنصري. وهذا الأمر بالطبع قد يزعج المستثمرين الأجانب.

ولكن من ناحية أخرى فالسلطات في جنوب أفريقيا لا ترغب في تكرار تجربة زمبابوي المجاورة حيث حرّضت الحكومة مؤيديها على الاستيلاء على الأراضي بالقوة من المزارعين البيض. وقد أدى هذا الأسلوب الى هروب رأس المال المحلي وإحجام رأس المال الأجنبي عن الاستثمار في العقارات، التي تتطلب عادة سنوات طويلة من الاستقرار الاقتصادي والقانوني بحيث يخلق مناخاً من الاطمئنان. كما أن أسلوب زمبابوي أدى إلى خلق انطباع دولي بأن السلطات لا تحترم القانون وأن الملكية الخاصة لا تجد حماية كافية. غير أن حكومة جنوب أفريقيا أذكى من أن تلجأ إلى هذه الطريقة التي تعلم أنها ستخسرها الكثير على صعيد الاستثمارات والانتعاش الاقتصادي. وفي محاولة للتوفيق بين الرغبة في إعادة توزيع الأرض واحترام القانون وحقوق الملكية الخاصة فربما تلجأ اللجنة التي شكلتها الحكومة إلى الحد من «الملكية الحرة» للأجانب والعمل بنظام استئجار الأرض لعقود طويلة تخضع للتجديد بانتهاء فترة العقد. ويبدو أن برنامج الإصلاح للأراضي في جنوب أفريقيا لم يخف المستثمرين الأجانب، ربما لعلمهم بأن الحكومة تلتزم بالقانون وبمبدأ التراضي في عمليات بيع وشراء الأرض، فضلا عن درجة عالية من استقلال القضاء الذي يمكن أن تحتكم إليه أي منازعات حول العقار والأرض.

كما يشير سماسرة العقارات إلى أن انتعاش أسواق العقارات لا يتأتى عادة دون الاستناد إلى انتعاش اقتصادي مستديم. وهذا ما يبدو أنه يدعم الطفرة العقارية في جنوب أفريقيا، إذ إنها نجحت في تخفيض معدل التضخم إلى 3.7% وحققت نمواً في إجمالي الناتج المحلي بنسبة 4.2% في عام 2006، ونسبة 6% في 2007. ومع الاستقرار والنمو الاقتصادي يُتوقع أن يتواصل الانتعاش في سوق العقارات، خصوصاً وأن أراض واسعة لا تزال إما غير مستغلة أو تتطلب إعادة تعميرٍ وتحديث. وقد تعهدت الحكومة بتوفير البنية التحتية لهذه المشاريع عبر تخصيص أكثر من 66 مليار دولار للإنفاق خلال السنوات الخمس المقبلة على الطرق والصرف الصحي والكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية لإحياء المدن.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال