السبـت 16 ربيـع الثانـى 1433 هـ 10 مارس 2012 العدد 12156
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

محطة كهرباء «باترسي» المهجورة في لندن للبيع بـ 500 مليون استرليني

تشمل الصفقة تراخيص بناء لمشاريع عقارية تتضمن مكاتب ومساكن ومنافذ تجارية

محطة باترسي.. هل تنجح «نايت فرانك» في بيعها بنصف مليار استرليني؟
لندن: «الشرق الأوسط»
تعرض شركة «نايت فرانك» العقارية محطة كهرباء باترسي جنوبي لندن للبيع المباشر لمستثمر مناسب، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1983 حينما توقفت المحطة عن توليد الكهرباء. وتطلب الشركة عروضا عالمية لشرائها بمبلغ لا يقل عن 500 مليون استرليني. وتشمل الصفقة مساحات من الأراضي المحيطة التي تقول عنها الشركة إنها آخر فرصة لمساحات بهذا الحجم داخل إطار مدينة لندن.

وسوف تكون عملية البيع حيوية من أجل إتمام مشروعات تحديث منطقة «ناين إيلمز» التي تشمل مشروعات من بينها مد خط مترو الأنفاق إليها. هذا وتنتقل السفارة الأميركية في لندن إلى المنطقة في مبنى جديد يجري إنشاؤه حاليا ويتم في عام 2017. وتملك المحطة حاليا شركة محاسبة اسمها «إيرنست أند يونغ»، بعد انهيار مشروع لتطوير المنطقة كانت تنفذه شركة آيرلندية. وسوف تذهب عوائد الصفقة إلى الدائنين للشركة الآيرلندية المفلسة التي كانت تملك المحطة.

وتشمل الصفقة تراخيص بناء لمشاريع عقارية تشمل مكاتب ومساكن ومنافذ تجارية، بالإضافة إلى مجمع ترفيهي على ضفاف نهر التيمس. وسوف يخدم المنطقة مشروع محطة أنفاق جديدة يتكلف 750 مليون استرليني.

وسوف تطرح شركة «نايت فرانك» محطة باترسي للتسويق على نطاق عالمي يشمل أيضا منطقة الشرق الأوسط. ويقول المشرف على التسويق في شركة «نايت فرانك»، ستيفن مايلز إن الشركة تتوقع أن يتم فرز العروض واختيار أفضلها خلال فترة الخريف المقبل. ولا بد للمشتري أن يفكر في مشاريع مبتكرة للمدى البعيد لأن المحطة مصنفة على أنها تراثية ويمنع هدمها.

وتشمل المساحة المحيطة نحو 40 فدانا، وتعد محطة باترسي أحد معالم جنوب لندن بأربع مداخن تقليدية وأكبر هيكل مبني من الطوب في أوروبا. وكانت المحطة قد بنيت في الثلاثينيات من القرن الماضي وأضيفت لها محطة أخرى داخل المبنى نفسه في الخمسينيات، ولكنها توقفت عن العمل في الثمانينيات. وهي من المباني التاريخية الحاصلة على تصنيف تراثي من الدرجة الثانية الأمر الذي يمنع هدمها، وتشتهر بأنها ظهرت في الكثير من الأفلام البريطانية وعلى مجلدين موسيقيين أحدهما لفرقة البيتلز.

وتأمل الشركة البائعة أن تجذب اهتمام أحد الصناديق السيادية العربية لهذه الصفقة، كما تتوجه أيضا إلى كبار الأثرياء العرب أو الروس. وتقدر قيمة المشروعات الصادر لها تراخيص بناء بنحو خمسة مليارات استرليني. ولكن التراخيص تشترط إعادة ترميم مبنى المحطة بتكلفة تصل إلى 150 مليون استرليني، بالإضافة إلى مشاركة مالية في مشروع محطة مترو الأنفاق بنحو 200 مليون استرليني على أساس أن المحطة الجديدة سوف تساهم في رفع قيمة العقارات الجديدة بعد استكمالها. ولم ينجح أي من المشاريع السابقة في المحطة من ثلاث شركات امتلكت المحطة منذ بيعها في الثمانينات.

وعلى مدى ما يقرب من ثلاثة عقود تعاقبت المشروعات والأفكار على الموقع المهجور، ولكن بعضها لم يحظ حتى بموافقة المجلس المحلي في منطقة باترسي التي تقع فيها المحطة، وبعضها الآخر تمت الموافقة عليه ولكن الشركات لم تنفذه. وآخر هذه المشروعات كان بناء حي كامل حول المحطة يتخذ منها مركزا ويعيدها إلى وظيفتها الأصلية في توليد الكهرباء، هذه المرة من النفايات وليس من الفحم. ولكن المشروع لم يحظ بالموافقة.

وحتى نهاية العام الماضي 2011 كانت شركة آيرلندية اسمها «ريل ايستيت اوبروتيونيتيس» (الفرص العقارية)، أو «ريو» اختصارا، تملك المحطة. ولكنها أعلنت إفلاسها مع نهاية العام بديون حجمها 500 مليون استرليني. وهو نفس المبلغ الذي تطلبه شركة «نايت فرانك» في المحطة ولكنها قد لا تحققه في الظروف الاقتصادية السائدة حاليا. وكانت شركة «ريو» قد اشترت الموقع في عام 2006 بمبلغ 400 مليون استرليني. وتنظر أوساط العقار في لندن إلى الصفقة الجديدة على أنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ المحطة من الضياع لأنها تكاد تنهار من التعرض لتقلبات المناخ خصوصا أنها بلا سقف يحميها.

وكان بناء المحطة قد بدأ في عام 1929 في أوج أزمة الكساد العظيم، وذلك من أجل توليد الكهرباء لمدينة لندن بدلا من العديد من الشركات الصغيرة التي كانت تختلف فيما بينها في المعايير. واستكمل بناء المحطة في عام 1933 بتكلفة تخطت المليوني استرليني في ذلك الوقت. وتقول سجلات ذلك الزمان إن عملية البناء كانت شاقة وتسببت في مقتل ستة من العمال وجرح 121 آخرين.

وبدأ البناء في الشق الثاني من المحطة بعد الحرب العالمية الثانية، واكتملت المحطة الثانية في عام 1955 وكانت صورة طبق الأصل من المحطة الأولى ومنحت المحطة شكلها المميز بأربع مداخن على أركانها. وعند اكتمال المحطة كانت ثالث أكبر محطة توليد كهرباء على مستوى بريطانيا، وزودت لندن بنحو 20 في المائة حاجاتها من الكهرباء، كما كانت من أكثر محطات توليد الكهرباء كفاءة في التشغيل في العالم في ذلك الوقت. وتعرضت المحطة لحريق كبير في شهر أبريل (نيسان) عام 1964 تسبب في قطع الكهرباء عن قطاعات كبيرة في لندن بما في ذلك محطة إرسال إذاعة «بي بي سي».

وفي عصر استخدام الفحم لتوليد الكهرباء كانت المحطة تستهلك سنويا مليون طن من الفحم. وكان معظم هذا الفحم يصل إلى المحطة عن طريق ميناء نهري من جميع أنحاء بريطانيا. وكانت القطارات تنقل أيضا نسبة من الفحم المستخدم. كما كانت المحطة تنقل الماء اللازم لتوليد الكهرباء من البخار، مباشرة من نهر التيمس. وكانت المحطة تستهلك 340 مليون غالون من المياه يوميا تستخرجها من النهر، ثم تعاد المياه إلى النهر مرة أخرى بعد استخدامها في التوربينات.

ولكن نهاية المحطة في الثمانينيات جاءت بسبب عدة عوامل منها ارتفاع تكاليف الإنتاج ودخول محطات توليد أخرى أكثر كفاءة إلى السوق اعتمدت على النفط والغاز والطاقة النووية بدلا من الفحم. ولكن حملة شعبية لإنقاذ المحطة من الهدم نجحت وحصلت المحطة على تصنيف تراثي من الدرجة الثانية يمنع هدمها ويجبر من يطور الموقع على المحافظة على شكلها العام.

وكانت شركة كهرباء لندن (الحكومية في ذلك الوقت قبل التخصيص) تريد بيع الموقع وتطويره إلى مساكن، ولكن صدور أمر تصنيف المحطة تراثيا أجبرها على تحمل تكاليف صيانته وعدم استغلاله تجاريا. وفي نهاية عام 1983 أعلنت الشركة عن مسابقة لاستغلال الموقع تجاريا وفازت في المسابقة شركة اقترحت تحويل الموقع إلى مدينة ملاهٍ سياحية عن تاريخ بريطانيا الصناعي. وكانت التكلفة المبدئية نحو 35 مليون استرليني على أن يجتذب الموقع مليوني زائر سنويا لكي يغطي تكاليفه. وتلقى المشروع بالفعل ترخيصا للبناء، واشترت الشركة الموقع بمبلغ 1.5 مليون استرليني.

ولكن المشروع توقف في عام 1989 بعد تفاقم التكاليف عن تلك المخطط لها وندرة التمويل المتاح للمشروع. وكانت تقديرات تكلفة المشروع قد زادت من 35 مليونا إلى 230 مليون استرليني. وأثناء عمليات هذا المشروع غير المكتمل جرت إزالة سقف المحطة مما عرض أجزاء داخلية فيها للصدأ والتأكل بفعل مياه الأمطار.

وفي عام 1990 تغير شكل المشروع إلى بناء مجموعة من المكاتب والمساكن وفندق ومنافذ تجارية. وتم صدور ترخيص البناء في العام نفسه، ولكن أعمال البناء لم تبدأ في الموقع. وفي عام 1993 تم بيع الموقع بعد تراكم الديون عليه واشترته شركة من هونغ كونغ اسمها «بارك فيو» بعشرة ملايين استرليني. وبعد إجراءات قانونية وتنظيمية نجحت الشركة في تصفية الديون السابقة على الموقع وشرعت في تصميم مشروع معماري متكامل بقيمة 1.1 مليار استرليني. وتكون المشروع من جهود للمحافظة على شكل المحطة واستعادة رونقها مع تقسيم لمساحات مكاتب ومساكن ومنطقة ملاهٍ خضراء بجوار النهر.

وقدم المصمم نيكولاس غريمشو تصميمات المشروع تحت اسم «محطة الكهرباء» وتكون المشروع من مجمع تجاري به 50 مطعما ومقهى و180 منفذا تجاريا بالإضافة إلى بعض المنشآت الأخرى التي تشمل مسرحا ودار سينما. أما مبنى المحطة نفسه فتم تخصيصه للمعارض وتجول المشاة. وقالت الشركة حينذاك إن المشروع سوف يوفر ثلاثة آلاف وظيفة أثناء إنشاء المشروع وتسعة آلاف وظيفة بعد إتمامه مع التأكيد على استخدام العمالة المحلية من المنطقة. ولكن جماعات مناهضة للمشروع تظاهرت ضده وطالبت بمشروع اجتماعي يخدم المنطقة. واتهمت الجماعة المشروع بأنه لا يقدم أي مساكن شعبية على كل مساحته البالغة 39 فدانا. كما شككت في توفير وظائف محلية ذات قيمة واعترضت على عدم وجود شبكة مواصلات في المنطقة. كما اعترضت أيضا على وجود العديد من المباني المرتفعة حول المحطة حتى لتكاد أن تخفي معالمها. كما ظهرت عدة تقارير متناقضة بعضها يؤكد أن المداخن المحيطة بالمحطة آيلة للسقوط ولا يمكن إصلاحها وبعضها الآخر يشير إلى إمكانية إصلاحها. وفي نهاية المطاف اكتفت الشركة الآسيوية «بارك فيو» بما عانت منه من متاعب وباعت الموقع والأرض المحيطة به للشركة الآيرلندية «ريو» التي كان يرأسها مطور عقاري اسمه ريتشارد باريت، وذلك بمبلغ 400 مليون استرليني.

وعلى الفور أعلنت شركة «ريو» أن مشروع «بارك فيو» قد انتهى، وكلفت معماريا جديدا هو رافييل فينولي المقيم في نيويورك بالعمل على تصميم جديد للموقع. وجرى الإعلان عن المشروع الجديد بقيمة أربعة مليارات استرليني في عام 2008، وتضمن إعادة استخدام جزء من المبنى كمحطة كهرباء تعمل بأسلوب بيئي يعتمد على حرق المخلفات بطريقة نظيفة. وحتى المداخن خصصت للتخلص من بخار الماء. أما بقية مساحة المحطة فكانت مخصصة للاستخدام كحديقة عامة ومنطقة تسوق. وشمل المشروع إقامة متحف للطاقة في موقع المحطة. وتم تقدير تكلفة إعادة تأهيل المبنى بنحو 150 مليون استرليني.

وخارج المحطة خططت الشركة لإقامة قبة كبيرة تغطي مساحات مكاتب تقول إنها توفر نحو 67 في المائة من استهلاك الطاقة بالمقارنة مع مباني المكاتب العادية. وشمل المشروع أيضا بناء 3200 مسكن لنحو سبعة آلاف أسرة. ومن المثير أيضا أن المشروع تضمن مد خطوط مترو الأنفاق اللندنية على الخط الشمالي من محطة اسمها كنينغتون إلى المنطقة لخدمتها عبر محطتين إضافيتين هما «ناين إيلمز» و«باترسي»، بتكلفة 350 مليون استرليني قالت شركة «ريو» إنها وبعض كبار المستثمرين الآخرين في المنطقة، سوف تتكفل به.

وبدأت عمليات تقييم المشروع والاستماع إلى آراء السكان المحليين في صيف عام 2008، وكانت المفاجأة هذه المرة أن 66 في المائة من السكان المحليين وافقوا على المشروع. وفي حفل أقيم في الموقع، في مارس (آذار) عام 2009، أعلنت الشركة أنها سوف تتقدم للحصول على تراخيص البناء إلى المجلس المحلي في منطقة واندزورث. وكان مقررا أن تبدأ أعمال الإنشاء في عام 2011 على أن يكتمل المشروع في عام 2020. ولكن الشركة أفلست في نهاية 2011.

وعلى الرغم من الكثير من التفاؤل الذي صاحب المشروع، فإن تقارير عقارية بريطانية، أكدت أن «لعنة محطة الكهرباء ضربت الشركة الآيرلندية التي تعاني من ديون حجمها 1.6 مليار استرليني». وقال أحد التقارير إن شركة «ريو» خسرت 200 مليون استرليني في سنة واحدة بسبب انهيار قطاع العقار الآيرلندي. ولاحظ التقرير المحاولات السابقة منذ عام 1983 لتطوير الموقع والتي باءت كلها بالفشل.

ويقول مهندس معماري محلي في باترسي مناهض للمشروع، اسمه كيث غارنر إن الموقع شهد سلسلة من المعماريين المصابين بجنون العظمة عبر مشروعات هائلة الحجم لا تناسب الظروف المحلية مع أن أي مشروع معماري بسيط يمكنه أن يؤدي الغرض بتكلفة أقل.

وتقول إحصاءات عقارية لندنية إن قيمة الموقع تراجع بنسبة 15 في المائة خلال فترة الكساد الحالية عما كان عليه عندما اشترته شركة «ريو» الآيرلندية. وهذا يعني أن القيمة الفعلية للمحطة الآن قد لا تزيد على 340 مليون استرليني.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال