قراءة خاطئة للانتخابات الفرنسية

هويدي تجاهل عددا من حقائق الوضع وتوصل إلى استنتاجات غير دقيقة

TT

قرأت مقالة الكاتب فهمي هويدي عن الانتخابات الفرنسية في عدد السادس من مايو (أيار) الحالي. لقد فوجئت ودهشت لما في المقالة من معلومات خاطئة، وتحليل غريب.

1 ـ ان جوسبان ارتكب خلال زيارته لإسرائيل خطأ صححه حالا في اليوم التالي. وإن حكومته وقفت موقفا معتدلا من الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، وهو ما يؤكده الفلسطينيون انفسهم. وان وزير خارجيته انتقد مرارا السياسة الأميركية التفردية.

2 ـ ان لوبان غازل شارون عشية الانتخابات الأخيرة، وأدلى بتصريحات استفزازية مؤيدة له في جريدة «هآرتس»، وهاجم العالم الاسلامي والمسلمين في العالم. كما هاجم الضباط الاسرائيليين الذين تمردوا على اوامر التنكيل بالفلسطينيين. وفهمي هويدي، وهو من كتاب «الشرق الأوسط» الدائمين، لا يعقل انه لم يقرأ هذه التصريحات التي نشرت الجريدة مقتطفات منها منذ أيام.

3 ـ إن هويدي، وهو كاتب مصري معروف، لا يعقل انه لم يقرأ جريدة الأهرام في صفحتها الأولى، في اليوم التالي لظهور نتائج الدورة الأولى للانتخابات الفرنسية. وكان مانشيت الصفحة الأولى عن «مفاجأة» تصويت نسبة عالية من المقترعين المغاربيين من حملة الجنسية الفرنسية للوبن بالذات. وتأكد الخبر في الأيام التالية. وهذا ما أقلق شخصيات وتنظيمات مغاربية، فدعوا للتصويت لشيراك في الدورة الثانية.

والآن: فهل التصويت للوبن كان موقفا مجيدا، بل ويستحق تسميته بالنصر الكبير، كما يريد ان يصفه لنا فهمي هويدي!؟ لو كان الأمر كما يقول، أي سحب الثقة من جوسبان باسم القضية الفلسطينية، فلماذا لم تقترع تلك النسبة العالية من الناخبين العرب لشيراك في الدورة الأولى، او فلنقل لشوفنمان مثلا وهو مناصر قوي للقضايا العربية؟! الحقيقة أن شريحة من هؤلاء الناخبين اخفيت عنهم تصريحات لوبن لجريدة «هآرتس» في دعم شارون ومهاجمة الفلسطينيين والمسلمين. اما البقية فكانوا ضحايا دعاية اتباع النظام العراقي، الذي كانت صحافته طوال الحملة الانتخابية تنشر ان لوبين هو اليسار الحقيقي (هكذا!!) كما ان جيرينوفسكي في روسيا هو اليسار والوطني وحده. اما لماذا فبسبب العلاقات الوثيقة والشخصية والتجارية بين لوبن وزوجته من جهة، وبين اقطاب النظام العراقي من جهة اخرى. وزوجة لوبن تزور بغداد بانتظام، وتترأس جمعية باسم انقاذ أطفال العراق، وتعقد الصفقات المربحة في بغداد. ويقال ان اموالا عراقية وزعت خلال الحملة الانتخابية الفرنسية بين الجاليات العربية لدعم ترشيح لوبن.

إن بعض كتابنا الاسلاميين يريدون ان نرى «النور» حيثما هناك بقعة ظلام مؤسفة (التصويت للعنصريين الحاقدين). والأصوات العربية التي ذهبت للوبن في الدورة الأولى موقف مؤلم جدا. كما ان ما نسيه الكاتب هو الدور السلبي للجرائم التي يرتكبها زعران العرب والأفارقة في ضواحي المدن، والتي لم تجد اي رادع حقيقي لا من حكومة جوسبان، ولا من قادة وشخصيات الجاليات العربية والمسلمة بفرنسا، سوى انتقادات عابرة وخفيفة وموسمية. ان تكرار وتزايد تلك الجرائم هو عامل اول لتمكن لوبن من شحذ مشاعر الكراهية والخوف والتعصب ضد العرب والاسلام، وهو مسؤول اول (لا وحيد طبعا) عن كسبه خمسة ملايين ونصف مليون صوت حتى في الدورة الانتخابية الثانية. ولا يخدم هويدي وغيره قضية الاسلام والعرب في فرنسا بتجاهل هذه الحقيقة المرة، بدلا من الدعوة الى حملة توعية كبرى بين هذه الجاليات الى معاقبة مدمني الجريمة والانتهاكات. ومن حسن الحظ ان عددا من الشخصيات المغاربية وقادة عربا في منظمات ضد العنصرية يقومون بعملية نقد ذاتي صادق في هذه الأيام.