الاربعـاء 02 جمـادى الثانى 1422 هـ 22 اغسطس 2001 العدد 8303
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الدكتور داهش.. قصص غريبة وحكايات عجيبة (1/2)

«الشرق الأوسط» تحقق في قصة اللبناني المؤسس لأكبر حركة روحانية في المنطقة العربية

لندن: كمال قبيسي
يزعمون أنه رمى عجوة حبة مشمش كان يأكلها، فاشرأبت النواة من التربة بدعاء الى الله سبحانه، وأصبحت بطرفة العين شجرة، أزهرت وأثمرت قبل 57 سنة في بيروت.

يقولون أن الورق العادي كان يتحول بين يديه الى دولارات وليرات لبنانية شرعية وأصيلة بالمئات والآلاف، وان الخشب كان ينقلب الى برونز أو ذهب أمامه في الحال، وانه أعاد مرات ومرات خاتما أو ساعة أو معطفا ضاع من صاحبه قبل سنوات، وبأسرع من البرق رآه الباحث عنه وقد تكوّن بين يديه من جديد.

يدّّعون أنه أعاد الحياة الى عصافير ماتت، بل الى حمامة قطع أحدهم رأسها بسكين أمام شهود مثقفين، ليضيف هذه الغريبة على العقل الى «خوارق» بالعشرات تمت على يديه طوال 75 سنة، عاش معظمها في لبنان، حيث كانت له 6 شخصيات روحانية، تتجسد أحيانا لتبدو الواحدة منها، أو كلها أو بعضها، أمام الكثيرين كنسخ طبق الأصل عنه تماما، الى درجة أن حكما بالاعدام «معززا بوثائق وصورة نشرتها صحف بيروت» كما يقولون، نفذ باحداها في ايران، ليتضح بعدها أن من تم رميه بالرصاص لم يكن سوى واحدة من شخصياته الروحانية، بينما كان هو حيا يرزق في لبنان، حيث له الآن أتباع بالآلاف. إنه سليم العشي، المعروف لكثيرين في لبنان بشكل خاص باسم «الدكتور داهش» أو الرجل الذي يثير هذا التحقيق تساؤلا عما كان عليه حقيقة: هل كان ساحرا ومشعوذا، أم داعية سيانيا مسيحيا، استعان بآيات قرآنية، كآية من سورة «غافر» تقول: «رفيع الدرجات ذو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق» ليكون له أتباع «داهشيون» وآخرون «مندهشون» أصابتهم الحيرة في عجائب فسرها المشككون بأنها ليست سوى نتاج قابليات براسيكولوجية تعلمها منذ الصغر؟

في هذا التحقيق ما لن تصدقه عن الذي سماه تلامذته «الدكتور داهش» بقرعة أجروها لاختيار لقب له حين كان بعمر 20 سنة في 1929 بفلسطين، حيث أبصر النور في حي باب العمود بالقدس، وقضى بعدها بمرض تخثر العظام في 1984 بمستشفى في نيويورك، الراقد جثمانه محنطا في أحد مدافنها «تمهيدا لنقله حين تسمح الظروف» الى بيروت.

* من أليشي الى العشي

* سليم العشي، أو الدكتور داهش، الذي أبصر والده السرياني، موسى أليشي، النور في مدينة «إسفس» المجاورة لقرية «آزخ» حيث ولدت والدته، شموني حنا كانون، عند منطقة الهكاري الجبلية في الجنوب الشرقي التركي حاليا، وفيها تزوجا وانتقلا في 1906 مع بعض من كن قد أبصرن النور من بناتهما، جميلة وإليزابت ووديعة وأنطوانيت، الى القدس، التي تغير فيها اسم العائلة من أليشي الى العشي، قبل الانتقال بعد ولادته في 1909 بخمسة أشهر نهائيا الى لبنان، هو رجل مثير للجدل والفضول، ويحملك على الحيرة في تفسير ما يزعمون أنه «غرائب وعجائب» قام بها «من دون ارادة مني، بل باذن من الله» كما كان يردد أمام مئات عاينوا ما فعل.

وقام الداهش، الذي عاش يتيما منذ توفي والده بالسل في 1920 بمصيف الشبانية اللبناني، حيث دفن هناك، بخوارق أمام من رحلوا عن الدنيا في ما بعد أيضا، ومعظمهم كانوا على مستوى سياسي واجتماعي وعلمي كبير، كالعلامة الدكتور عبد الله العلايلي، مؤلف «كيف عرفت داهش» الصادر عن «دار النسر المحلق» قبل 17 سنة من وفاته عن 82 عاما في 1996 ببيروت. أو كالكاتب ووزير الثقافة ورئيس مجلس الشيوخ المصري الراحل، الدكتور محمد حسين هيكل، مؤلف كتاب «محمد» عن سيرة الرسول الأعظم، والمعروف بعلاقات «بريدية» كانت له مع داهش، عبر رسائل متبادلة، جمعت بعد وفاته في كتاب صدر قبل 20 سنة. أو كالصحافي المصري لطفي رضوان، رئيس تحرير مجلة «المصور» بأوائل الستينات في القاهرة، والمندهش بالرجل بعد3 مقابلات حملته على وضع «خوارق ومعجزات الدكتور داهش» في كتاب تضمن أسماء لمن ما زال بعضهم حيا، كالصحافي وليد عوض، رئيس تحرير مجلة «الأفكار» الأسبوعية اللبنانية.

* ورقة لم تصبح 100 ليرة

* يقول عوض إنه سعى للتعرف الى داهش، الذي لم يدخل مدرسة الا لشهرين وهو طفل في ميتم ببلدة «غزير» اللبنانية «لكثرة ما ملأ الدنيا وشغل الناس، ولما سمعت في الخمسينات عن قيامه بخوارق، فذهبت مرة اليه أتحداه في البيت» فوضع له داهش رزمة أوراق بيضاء على طاولة، وفوقها وضع ورقة من فئة 100 ليرة لبنانية، ثم قال: «سأحوّل كل ورقة تحتها الى عملة من فئة 100 ليرة أمامك، فانظر». الا أن رزمة الأوراق بقيت كما هي تماما «برغم محاولة ثانية أجراها، وهو يتصبب عرقا أمامي» طبقا لما قاله عوض، الذي نفى في مجلته قبل شهر هذه الحادثة، وعلى أثرها زاره رجل الأعمال الوارث نشاطه التجاري أبا عن جد في مرفأ بيروت، حسن البلطجي، الناطق باسم الداهشية هناك، مستغربا قوله عن فشل تحويل الأوراق الى ليرات، فأكد عوض ما حدث، وسط دهشة البلطجي، الذي سبق أن اتصلت به «الشرق الأوسط» وبداهشيين في كندا والولايات المتحدة ولبنان تسألهم معلومات تفصيلية عن داهش، لكنهم رأوها أمورا «خاصة بالرجل، فالمهم رسالته وما قام به من عجائب» وفق ما أجمعوا واحدا بعد الآخر بالهاتف من حيث يقيمون، فبدت الأمور كأنها مناقشات مجلس ادارة لشركة داهشية متعددة الجنسية.

وسألت «الشرق الأوسط» البلطجي وآخرين عن المكان المدفون فيه داهش بنيويورك، وكم ترك من ثروة، ومن ورثها، ومن أين جاء بما كان له من مال، طالما لم يمارس مهنة من المهد الى اللحد، سوى تبرير غير مقنع لداهش نفسه أورده في حديث لمجلة لبنانية ذكر فيه أنه يؤمّن مصاريفه من مبيعات أكثر من 90 كتابا ألفها في موضوعات أدبية ووجدانية بديهية المعاني وروحانية الأسلوب الانشائي البسيط، علما بأن ريع أي كتب عربية، بالكاد يكفي المصروف الضروري لمؤلفها، كائنا من كان، خصوصا اذا كان كداهش: مسافر متعطش الرغبة للتعرف على بلاد الآخرين، ومتجول باستمرار في الهند والولايات المتحدة ودول أوروبية، أو متسلح حين يبقى في بيروت على مكافحة حرها بسلاح القدرة على الاصطياف الجبلي في فنادق، لم يكن من نزلائها منذ الأربعينات الى الستينات الا مشاهير، وفق الوارد في كتاب صدر بأوائل هذا العام بعنوان «سوق الغرب في ذاكرتي».

* أكداس أكداس من المال

* يتحدث سمير الصليبي في كتابه عن «فندق فاروق» ونزلائه في بلدته الجبلية الصغيرة «ومن بينهم الياس خليل زخريا وأحمد الصافي النجفي والدكتور داهش، الذي تعرف اليه صاحب الكتاب أثناء وجوده بالفندق. وهو يحيي جلسات تنويم مغناطيسي وأعمال سحر وخفة يد. الا أن الحالة بدأت تتغير مع الأيام، عندما سرت شائعات بأنه يناجي الأرواح، حيث حضرت «جلسة روحية» له سمعت فيها صوت روح مستحضرة حلت فيه، وجعلته متغيّر الملامح في تلك اللحظات بعض الشيء، وكذلك متغيّر الصوت».

وما يثبت أن واردات داهش كانت كبيرة، اقتناؤه لأثريات ومحنطات حيوانات أليفة وكاسرة وطنافس وعجميات ولوحات، زادت على ألفي قطعة، وساعدته عائلة سعودية تعرف اليها في 1960 على شحنها بعد 16 سنة الى نيويورك، حيث أودعت في «متحف داهش» الذي تم دشينه في 1995 هناك، وهي لوحات اشترى معظمها خلال زيارات قام بها الى دار للمزادات كانت في فندق «دروأو» بباريس. وتؤكد مقابلة أعدها معه محرر بمجلة «اللواء» اللبنانية في 1964 أنه كان من كبار الموسرين، اذ كتب المحرر أنه «يملك في خزانة ملابسه لفصل الصيف فقط ما يزيد على المئة جاكيت «سبور» وعلى المئة بنطلون، وهي جميعها تعكس جميع الألوان الموجودة في الطبيعة، وقد سألناه: «هل اشتريت كل هذه الملابس»؟. قال ضاحكا: أبدا». قلنا: «هدية من الأرواح»؟. قال: «يمكن».

كذلك ذكرت احدى الداهشيات الشهيرات، وهي ماري حداد، شقيقة زوجة أول رئيس للبنان بعد الاستقلال، في افادة دفاعية لها عن داهش، وواردة في معظم كتب يصدرها أتباعه عن «مرحلة اضطهاده» من قبل السلطات اللبنانية بين 1944 و1952 ما يشير الى أن الداهش واحد من أصحاب المليارات، الا اذا كانت كاتبة الافادة من الميّالات للمبالغات، مما يفقدها في هذه الحالة مصداقية ضرورية لاثبات ما روته عن «خوارق» قام بها الداهش أمامها، ومنها حكاية شجرة ظهرت بطرفة عين من التربة بأمر داهشي، مرفق شفهيا بتضرع الى الله، فهي تقول في افادتها الدفاعية: «..واذا ما سألتني كيف يعيش الدكتور داهش، أجبتك أنني رأيت عنده من الأموال أكداسا أكداسا، وربما عز على أي مصرف أن يحوز على مثلها. وقد رأيته يسخو على الفقراء، ولكنه يقتصد على نفسه» طبقا لما ردت به في 1944 على أسئلة مدير البوليس العدلي ذلك الوقت، ادوار أبو جودة.

* شجرة مشمش تظهر بلمح البصر

* مع ذلك، ذكر البلطجي لـ «الشرق الأوسط» بالهاتف من بيروت إن داهش، الذي أعاد أمام كثيرين خاتما من الماس كانت والدته، السيدة فاطمة البلطجي، أضاعته في صيف 1960 وبحثت عنه طوال عام «كان من طينة بشرية مختلفة، وقصته أكبر من هذه التفاصيل الخاصة بكثير. إنه صاحب رسالة، ولم أر منه طيلة حياتي ما يسيء» طبقا لما وصف به داهش، الذي يعود الفضل للفلسطيني، فريد قطان، في الكشف بالثلاثينات عن تحديد هويته، اذ كانوا في فلسطين، التي كان يتردد على الاقامة فيها بين 1922 و1930 لدى خالة له بالقدس، يعتقدونه من أصل فارسي، ومن مدينة «أليشي» في وسط ايران بالذات.

كذلك قال عوض، البالغ عمره 64 سنة كالبلطجي، إن داهش «لم يكن دجالا ولا مشعوذا، انما كانت له قدرات خاصة، لا أملك تفسيرها حقيقة.. ربما كان يسيطر على من حوله مهما كانت نوعيتهم، بمجرد تحديقه بعيونهم. وكان لداهش شأن كبير زمن الرئيس بشارة» مشيرا بذلك الى أول رئيس للجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال، وهو بشارة الخوري، الذي اعتنقت ماري حداد، الرسامة والكاتبة بالعربية والفرنسية ورئيسة نقابة فناني الرسم والنحت في لبنان بالأربعينات، وشقيقة لور شيحا الخوري، زوجة الرئيس بشارة «عقيدة الداهشية» هي وزوجها وأولادها، لمعاينتهم أكثر من «عجيبة» قام بها أمامهم.

ومما تذكره ماري حداد أنها رأته وبرفقته 5 من 6شخصيات روحانية تتجسد شبيهة به. وكذلك عاينت في 1943 أنه أصدر «أمرا» لنواة مشمش رماها في حديقة منزله السابق بمحلة النويري، حين قال: «بحق الله تحوّلي الى شجرة مثمرة» فاشرأب الجذع وارتفع بأغصانه في الحال شجرة أزهرت بثوان وأثمرت أمامها وأمام آخرين «فأكلنا المشمش منها، وكان من أطيب ما ذقنا، وما تزال قائمة في الحديقة حتى هذا التاريخ» وفق ما قالته المعاينة لأموال داهش أكداسا أكداسا في مقابلة لمجلة «اللواء» بمنتصف 1964 أي قبل 9 سنوات من وفاتها في 1973 عن 84 عاما في بيروت.. المدينة التي شهد حي القنطاري فيها ذات مرة، ما لا أذن سمعت: في 20 سبتمبر (أيلول) 1943 يشير داهش بيده الى الفضاء من شرفة بيت هناك، راغبا بتسلية من كانوا معه من حضور، ومن بينهم ماجدا وزينا، ابنتا الرسامة ماري حداد، واذا بصياح جماعي يتسارع تكرارا ومرارا من ديوك الحي، الذي دب في سكانه الذعر، الى أن سحب يده من حيث كانت نحو الفضاء «فاذا بالديوك تسكت بغتة، ولم يسمع بعدها لديك من صياح» وفق ما دونه الشاعر حليم دموس، الملقب بـ «مؤرخ الرسالة» في كتاب له عن «المعجزات والخوارق الداهشية المذهلة» عاين فيه 7 غرائب، منها إحضار داهش لحجر ضخم من مصيف الشبانية الى بيروت بلمح البصر.

* شروحات البراسيكولوجيا أصعب من تصديق الخوارق

* مهما حاول أحدهم اقناعك بأن النقطة البيضاء في الشكل الهرمي هي على مسافة متساوية بين القمة والقاعدة فلن تصدق، لأنك تراها غير ذلك بعينيك، كما يحدث الآن. لكنها في منتصفهما فعلا، فتأكد مستعينا بمسطرة أو أي أداة للقياس اذا أردت. كذلك ترى في الرسم الآخر ما لا وجود له على الاطلاق، اذا تمعنت ثانية بدقة، وهو 3 أعمدة رومانية.

ويحدث أحيانا أنك تسمع صوتا، فتظنه ترامى الى مسامعك من جهة اليسار، وهو من اليمين حقيقة، أو العكس بالعكس.. هكذا هو علم البراسيكولوجيا، المرجع ما نعتبره خوارق، يقوم أو قام به البعض، كالداهش وسواه، الى حجمه المنطقي، ولو عبر شروحات شبه علمية معقدة، يبدو استيعابها أحيانا، أصعب حتى من تصديق الخوارق نفسها. لذلك نبقى في حيرة، ولا نجد شرحا واضحا وحاسما لكل «خارقة» نسمع عنها أو نراها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال