الاحـد 05 جمـادى الاولـى 1429 هـ 11 مايو 2008 العدد 10757
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

جزيرة «فيلة» بأسوان .. أسطورة تاريخية في حضن النيل

سماها اليونانيون «الحبيبة» وأطلق عليها العرب «أنس الوجود»

القاهرة: «الشرق الأوسط»
تعد هذه الجزيرة بوتقة لانصهار الديانات القديمة بامتياز فقد شيدها المصريون القدماء في بدايات القرن الرابع قبل الميلاد، وأضاف لبنائها البطالمة والرومان، وامتدت هذه الإضافة حتى القشرن الثالث الميلادي، على يد المسيحيين الأوائل.  تعود تسميتها «فيلة» أو «فيلاي» إلى اللغة اليونانية التي تعني «الحبيبة» أو«الحبيبات». أما الاسم العربي لها فهو «أنس الوجود» نسبة لأسطورة «أنس الوجود» في قصص «ألف ليلة وليلة». أما الاسم المصري القديم والقبطي لها فهو «بيلاك»، وهو الاسم الذي يعني الحد أو النهاية، لكونها كانت آخر حدود مصر في الجنوب، فعلى بعد نحو 899 كيلومترا من العاصمة القاهرة تقع جزيرة «فيلة» في قلب النيل بمدينة أسوان بجنوب مصر، فاصلة بموقعها الجغرافي الفريد النيل إلى قناتين متعاكستين، وعلاوة على كونها من أهم المناطق الأثرية بالمدينة الأسوانية، تتمتع الجزيرة بمناخ معتدل جاف نظرا لوقوعها على الضفة الشرقية للنيل، مما جعلها من أهم المشاتي المتميزة في الجنوب. وأيضا تعد همزة وصل في الربط بين مصر والسودان، وتكاد تكون بالفعل البوابة المصرية إلى القارة الأفريقية.  وخلال أعمال قدماء المسيحيين بالجزيرة حدث تشويه لبعض نقوش معابدها، حيث أضافوا هم أنفسهم بعض النقوش المسيحية عليها، ولم تسلم هي الأخرى من التشويه بفعل عوامل الزمن. ومن جمال الرحلة إلى جزيرة فيلة أن الزائرين لمعابدها عليهم استخدام المراكب النيلية والتي تتركهم عند قاعة «نيختنبو» لينتقل منها الزوار إلى قاعات ومعابد الجزيرة الفسيحة، وإذا رغب الزائر في الوصول إلى أكثر المعابد شهرة وإثارة وهو معبد «إيزيس» فعليه أن يتجه من قاعة الملك «نيختنبو» إلى شمال الجزيرة ليصل إلى فناء هذا المعبد الذي تحده صفوف الأعمدة من الجانبين، ومنه يمكن له الوصول إلى أبراج الصرح الأول من المعابد، ليشاهد «الماميزي»، أو ما يعرف بـ«بيت الولادة»، والذي كان مكرسا للمعبود «حورس».

في هذا البيت كانت تجرى طقوس «الماميزي» قديما احتفالا بميلاد المعبود «حورس»، فيما كان الملوك يحرصون على الاشتراك في هذه الطقوس تأكيدا على انتمائهم لسلالة المعبود الابن، وهذا المعبد «ايزيس» يشغل حوالي ربع مساحة الجزيرة تقريبا.

ومن الصرح الأول سيجد الزائر نفسه مدفوعا إلى زيارة الصرح الثاني للمعابد والذي يتمتع بدهليز كبير في داخله حرم داخلي مقدس «لإيزيس»، فيما يوجد سلم بالناحية الغربية من هذا الحرم يصعد به الزائرون إلى حجرات زوجها «أوزوريس»، وهي حجرات مزينة بمشاهد للنادبات ونقوش «لإيزيس» وزوجها وابنهما «حورس» ومعبودات أخرى، بجانب نقوش للملوك البطالمة والرومان الذين بنوا أو ساهموا في بناء وتزيين المعابد.  وبمواصلة الزائر مسيرته في نفس الصرح بداخل المعابد فانه يمكنه مشاهدة معبد المعبودة «حتحور» وهو مزين بنقوش لموسيقيين، وجنوبه يجد الزائر «كشكا» يسمى باسم الإمبراطور «تراجان»، نقوشه مكتملة، وتصور «تراجان» وهو يقدم الهدايا والعطايا «لإيزيس» و«أوزوريس» وابنهما.

وحسب تأكيد الدكتور محمد البيلي مدير آثار أسوان لـ«الشرق الأوسط» فالثابت تاريخيا أن معبد «ايزيس» بالجزيرة تم تشييده لعبادة «إيزيس»، حيث كان هناك اعتقاد بأنها وجدت فيه قلب زوجها «أوزوريس»، بعد أن قتله وقطعه أخوه داعية الشر المعبود «ست». ومن ثم فان المعبد كان شاهدا على عبادة المعبودة «إيزيس» وفق ما كان سائدا في اليونان وروما ومختلف أنحاء الإمبراطورية، حتى عندما تم تطبيق الحكم الروماني في مصر حاول الحكام تجميل الجزيرة المقدسة لكونها تضم معبد «ايزيس»، فضلا عما بناه الإمبراطور «أوغسطس» بنفس الجزيرة من معبد له في الطرف الشمالي منها حمل اسمه، وذلك في القرن التاسع قبل الميلاد، وهو ما يمكن للزائر أيضا مشاهدته والتجول في ردهته  كما أضاف عدد من الملوك الرومانيين واليونانيين معابد صغيرة بجانب المعابد الكبيرة اتسمت بنقوش وألوان زاهية، واستمر العمل فيها حتى القرن الرابع الميلادي.

ومن بين الآثار الأخرى التي يمكن للزائر المرور فيها ومشاهدتها، مقصورة الملك «نختنبو الأول»، من الأسرة الثلاثين، واثنان من صفوف الأعمدة التي ترجع إلى العصر الروماني، ومعبد «أريسنوفيس» وهو يوناني/ روماني، ومعبد ماندوليس، من العهد الروماني. كما يمكن لزائر الجزيرة زيارة معبد آخر من عصر الفراعنة وهو معبد «أمنحتب». مما يؤكد أن الموقع الأثري (الجزيرة) كان مستخدما لعبادة الفراعنة قبل أن يسكنها البطالمة والرومان.

ويعد معبد «حتحور» بجزيرة «فيلة» واحدا من أبرز المعابد التي يحرص الزائرون على زيارته وتأتي أهميته في مرتبة تالية لمعبد «ايزيس» ويعد آخر أثر بطلمي بالموقع الأثري، ويشد الزائرين بنقوشه وبخاصة التي أضافها إليه «ايورجيتس الثاني» قبل العام 116 قبل الميلاد.

«فيلة» عبر العصور: وحسب الكثير من المؤرخين تعود الأطلال الأولى لجزيرة «فيلة» إلى عهد الملك «طهرقا». إلا أن الملك «نختنبو الأول «يعد المؤسس الحقيقي للجزيرة، فقد أضاف الى تلك الأطلال آثارا حقيقية، حتى توسعت في عهده الجزيرة، وبلغ التوسع ذروته عندما شيد البطالمة ـ الذين حكموا مصر نحو 300 سنة واعتنقوا عبادة «إيزيس» ـ أضرحتهم الخاصة على الجزيرة.

وحسب السياق التاريخي، فان معابد «فيلة» اكتسبت مكانة خاصة في العبادات عند القدماء لدرجة أن حشدا من أتباع تلك العبادة كانوا يجتمعون لإحياء قصة موت وبعث «أوزوريس».

ولشدة سيطرة عبادة «ايزيس» في جزيرة «فيلة» أدى ذلك إلى امتداد تلك العبادة على مدى قرون عديدة متحدية بذلك مرسوم الإمبراطور «ثيودوسيوس» الأول الذي أصدره في العام 391 ميلادية بفرض الديانة المسيحية على جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية.

وفي العام 550 بعد الميلاد، وتحت حكم «جوستنيان» وصلت المسيحية إلى جزيرة «فيلة» وبدأت صفحة جديدة في تاريخها، وتحولت قاعات الأعمدة لتصبح مناسبة لممارسة الديانة الجديدة، كما تم نقل الأحجار من بعض الآثار لبناء كنائس مسيحية فيها.

وعندما جاء الإسلام اعتبر أصحاب العصر الإسلامي «المملوكي، الفاطمي، العثماني» «فيلة» حصنا أسطوريا ممثلا في إحدى قصص «ألف ليلة وليلة»، واكتسبت اسم «أنس الوجود» تيمنا باسم بطل إحدى هذه القصص.

وعقب انتهاء مصر من بناء السد العالي تغير حال الجزيرة كثيرا، وأضحت في موقع خطر لا تحسد عليه، بين السد الجديد وبين السد القديم، مما كاد يؤدي بالفعل إلى غرقها، إضافة إلى أن السحب اليومي للمياه لدفع التوربينات المولدة للكهرباء أدى إلى ظهور تموجات مستمرة فيما يقرب من 3 أمتار من مستوى المياه وهو ما أدى أيضا إلى إتلاف أحجار الجزيرة بشكل سريع.

وبالتعاون مع منظمة التربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» وخبراء دوليين في نقل المعابد تم تفكيك المعابد بجزيرة «فيلة»، وإعادة تشييدها فوق جزيرة نيلية مجاورة تدعى جزيرة «أجيليكا»، بعد إعدادها بحيث تكون مشابهة للجزيرة الأصلية بقدر الإمكان، واكتمل حزام النجاة حول الجزيرة الجديدة، وأصبحت معابد «فيلة» في وضع آمن إلى اليوم من مخاطر المياه.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال