الاحـد 24 جمـادى الثانى 1429 هـ 29 يونيو 2008 العدد 10806
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

شارع الغورية .. هنا تبدأ القاهرة

التاريخ يقف على ناصيته يصافح العابرين

الأدباء والشعراء والنقاد كانوا يرتادون ذلك الشارع
القاهرة: محمد أبو زيد
«نجيب محفوظ مر من هنا..وطومان باي شنق على تلك البوابة..وأمينة زوجة «سي السيد» أطلت من مشربيتها أيضا..باختصار الغورية مدينة كبيرة في شارع واحد»! هكذا تحدث عم بيومي وهو منهمك في إعداد النارجيلة على المقهى الصغير المتكئ على ناصية شارع الغورية التاريخي بقلب القاهرة القديمة. ابتسم مروان الحلاق وهو يشير إلى حفنة من السائحين تمر أمام دكانه «اشعر بالضيق لأنهم يأتون للفرجة علينا كمن يبحث في وجوهنا عن شيء يفتقدونه...لكن يسعدني أيضا أنهم يعتبروننا سكان البلد الحقيقيين». يستطرد ضاحكا «لا يذهبون إلى مدينة نصر أو حي المهندسين، بل يأتون إلى الغورية لأن مصر الحقيقية هنا». يبدو شارع الغورية للوهلة الأولى متحفا مفتوحا للتاريخ، على جانبيه تتراص عشرات المساجد الأثرية، والمدارس القديمة، والأسبلة، وتمتد المقاهي الشعبية التي يتصاعد منها رائحة البن والدخان بطول الشارع، آلاف الباعة المتجولين والزائرين، وسكان المكان الذين ينسل منهم عبير القاهرة القديمة.

وها هنا، كانت أمينة، زوجة «سي السيد» في ثلاثية محفوظ الشهيرة، تستيقظ فجر كل يوم، تطل من المشربية الصغيرة على الشارع، على المارة الذين يذهبون إلى أعمالهم، والباعة الذين يفرشون بضاعتهم مع الأشعة الأولى للشمس، بنات وحفيدات أمينة هن من يفعلن ذلك الآن، ينظرن من المشربيات، التي تحول بعضها إلى شبابيك، غير أن بعض البيوت القديمة لا تزال تحتفظ بالمشربيات لتقدم في النهاية مزيجا مدهشا عن تعانق الحضارة والتراث..المشربية واللاقط الفضائي فوق أسطح هذه المنازل.

ينسب شارع الغورية ـ قلب قاهرة المعز لدين الله الفاطمي ـ للسلطان الأشرف قنصوه الغوري آخر سلاطين المماليك الشراكسة الذي انتهى حكمه عام 1517م بعد دخول العثمانيين مصر. قنصوه الغوري هو صاحب مدرسة ومسجد الغوري عند تقاطع الشارع مع شارع الأزهر. تقول كتب التاريخ أن فترة حكمه من (1501 ـ 1516) كانت واحدة من أهم الفترات الحاسمة في تاريخ القاهرة، كان من الممكن جدا أن يكون الغوري أحد حكام مصر العظام، لكن ـ لسوء حظه ـ ترسبت في فترة كل مساوئ العصر المملوكي المتداعي.

حي الغورية الذي يشكل امتدادا لشارع المعز لدين الله يضم مجمعا ضخما للآثار الإسلامية من العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي، ويحتفظ بطابعه الأثري الفريد، ففيه باب الفتوح وجامع الأقمر وتكية السلحدار والمدرسة الكاملية، وقد اشتهرت الغورية بنظام الوكالات في البيع والشراء منذ إنشائها، لكن هذا النظام تلاشي الآن بعد أن تحولت معظم الوكالات إلى آثار، وأشهر هذه الوكالات وكالة الغوري التي ما تزال تحتفظ بطابعها المعماري الأصلي، وهي عبارة عن صحن كبير وحوله محلات متراصة في أربعة طوابق كانت مخصصة لاستقبال التجار ببضائعهم، وكان بها مكان للدواب ومخازن للمحاصيل وأماكن لمبيت التجار الوافدين، غير أنها تتبع الآن وزارة الثقافة باعتبارها أثرا ومركزا للفنون كونها تحولت إلى مرسم للفنانين التشكيليين.

أشار لي مروان قائلا «لو أردت أن تذهب للأزهر من هنا لا بد أن تسلك شارع الغورية من مدخل باب زويله». وأضاف بائع الصحف الفضولي «الناس يسمونه بوابة المتولي، كان الجميع يخافون منه لأنه ـ يكفينا الشر ـ كان البوابة المخصصة لتنفيذ حكم الإعدام شنقا». يتدخل عم بيومي «كم حملت هذه البوابة رؤوسا وأجسادا...: كان أشهرهم طبعا السلطان طومان باي آخر سلاطين المماليك». وهناك في المتحف الصغير الموجود داخل البوابة بدت صناديق تحوي أسنانا وضروسا للضحايا الذين تم شنقهم، هكذا قال المسؤول مستطردا «هناك أيضا الأدوات التي كانت تستعمل في عملية الشنق».

أنشأ هذا الباب الضخم الوزير بدر الجمالي وزير الخليفة الفاطمي المستنصر بالله في القرن الخامس الهجري وسماه «زويله» نسبة إلى قبيلة زويل إحدى قبائل البربر التي جاءت مع جيش جوهر الصقلي قائد جيش الفاطميين الذي فتح مصر، يتشكل هذا البناء من بوابة عظيمة بارتفاع 25 مترا وعرض كل ضلع فيها 4.82 متر، وعلى جانبيها برجان عظيمان مقوسان من عند القاعدة، وفي أعلى البرجين حجرة تطل على مدخل البوابة للمراقبة، وفي أعلى كل برج من البرجين ثلاث فتحات أغلب الظن أنها كانت تستخدم في الحروب، ويتكئ على البرجين مئذنتا مسجد المؤيد الملاصق للبوابة الضخمة. أما مسجد الغوري في الجهة المقابلة فيضم في رحابه وكالة وحماما ومنزلا ومقعدا وسبيلا ومدرسة وقبة تقف كلها شامخة مزهوة، وكأن الصحوة المعمارية التي قام بها السلطان الغوري بمثابة صحوة الموت المملوكي كون النشاط المعماري المكثف سرعان ما انتهى برحيله وزوال دولة المماليك إلى الأبد. يعد الشاعر أحمد فؤاد نجم واحدا من أشهر من سكن الغورية، ففى «سكة حوش قدم» المتفرعة من الغورية خرجت في السبعينيات إبداعات نجم والشيخ إمام، شعرا وغناء، ولا تزال الحارة رابضة هناك، غير أنها تعاني مرارة فقد من كانوا يعطونها روح النضال. وفي شارع الغورية تقدير خاص للمطرب المصري الراحل محمد قنديل، كونه غنى لهم ولشارعهم أغنيته الشهيرة «يا رايحين الغورية». ومن يذهب للغورية لا ينسى أن يعود محملا بالهدايا من هناك..ملابس..أحذية..حلوى. أبو العزايم 18 عاما، جاء من محافظة الشرقية ليدرس في جامعة الأزهر، بحث كثيرا عن مكان للسكنى، دله أحد أصدقائه على إحدى الحجرات فوق بيت من بيوت الغورية، لم يصدق نفسه «الناس تتمنى أن تسكن هنا، لو نزلت الشارع في أي وقت من اليوم أو الليل أجد ما أريده، الناس هنا طيبون حتى تشعر أنك في وسط أهلك رغم أنهم لا يعرفونك من قبل.. هكذا القاهرة تستقبل الجميع وبعد نصف ساعة يصبح الغريب قاهريا أصيلا له ما لأهلها». ورغم الإيجار المرتفع الذي يدفعه أبو العزايم، إلا أنه يرى أن فرصة السكنى في منطقة تاريخية كهذه فرصة لا تعوض.

أبو العزايم ليس هو المغترب الوحيد هناك، فجامعة الأزهر في الجوار، وعشرات المنازل تؤجر غرفها وأسطحها للطلبة، الذين يجعلون الشارع مركزا للعلم، يسيرون ليلا ذاهبين إلى الصلاة في الجامع الأزهر القريب، أو في مسجد الحسين في الجهة المقابلة، لكن أجمل ما في الأمر أنهم يحبون الشارع، يعتبرونه قريبا من قراهم الطيبة البعيدة.

وفي الغورية أيضا أشهر محلات الملابس وباعة العطور، وهناك أيضا قاعات المنازل المملوكية مثل قاعة الدرديري، وكذلك بعض الآثار العثمانية، منها منزل جمال الدين ذهبي شاهبندر تجار مصر في ذلك العصر وهو من الآثار النادرة من العصر العثماني، ووكالة السكرية وكانت تحتكر السكر سنوات طويلة، إلى جانب المكسرات وياميش رمضان. شارع الغورية هو الشارع الذي لا يعرف الهدوء، لا ينام ليلا ولا نهارا، يقف التاريخ على ناصيته يسلم على المارة، ثم يسلمهم لتفاصيل المكان الجميلة، كونه شارعا يملك مفاتيح أسراره التي يعيها القليلون، ينجح دوما في الحفاظ على رونقه وجاذبيته طوال هذه السنين، لكن ربما يكمن سره الحقيقي أن به سكان مصر الحقيقيين، وأن منه تبدأ القاهرة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال