الجمعـة 01 ذو القعـدة 1429 هـ 31 اكتوبر 2008 العدد 10930
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

100 عام من الفنون الجميلة في مصر

218 فنانا يقلّبون صفحاتها بالألوان والفرشاة في معرض تذكاري بالقاهرة

لوحة للفنان صبري راغب
لوحة للفنان حامد عويس
من أعمال النحات جمال السجيني
لوحة للفنانة زينب السجيني
القاهرة: جمال القصاص
قرن من الفنون الجميلة في مصر، نسجت إيقاعه ومنواله، ورعت مواهبه وأعلامه كلية الفنون الجميلة، التي تحتفل هذه الأيام بمرور مائة عام على نشأتها في عام 1908، في بناية قديمة بدرب الجماميز، أحد الأحياء الشعبية ذات الزخم التراثي بالقاهرة، تحت اسم «مدرسة الفنون الجميلة المصرية»، وانتقالها بعد ذلك إلى عدة أماكن، حتى انتهى بها المطاف إلى مكانها الحالي بحي الزمالك الراقي، وتحول اسمها بعد قيام ثورة يوليو 1952 إلى «كلية الفنون الجميلة».

تزامنت هذه النشأة مع بزوغ فجر النهضة المصرية، والدعوة لإنشاء قاعدة وطنية لتحقيق نهضة في الاقتصاد والتعليم والعلوم والثقافة والفن والرياضة، تمثلت مقوماتها الأولى آنذاك في تحرير الاقتصاد المصري من التبعية الأجنبية، وإنشاء بنك مصر على يد طلعت حرب، وإنشاء جامعة القاهرة، والنادي الأهلي الرياضي. ورافق هذه الدعوة أيضا البحث عن روح مصرية خالصة، والانفتاح في الوقت نفسه على فنون الغرب ومنجزه الحضاري بوازع من خصوصية هذه الروح.

وعلى الرغم من أن الفن كان ولا يزال أحد العلامات الفارقة في حضارة مصر القديمة، إلا أن فكرة إنشاء مدرسة الفنون الجميلة لم تسلم من إرهاصات ومفارقات شكلت ملامحها الفنية والفكرية والوطنية، فالفكرة – وكما تذكر شواهد التاريخ ـ نشأت ملامحها الأولى مع الحملة الفرنسية على مصر عام 1789، وحاجة علماء الآثار المرافقين للحملة إلى فنيين قادرين على رسم ومحاكاة الآثار المصرية بمهارة ودقة، ليسهل لهم فك رموزها وأسرارها. ومع رحيل الحملة تبخرت هذه الفكرة، ثم توارت أيضا من أجندة محمد علي باني نهضة مصر الحديثة، رغم اعتماده على الأجانب، وبخاصة الفرنسيين في إنشاء المدارس المتخصصة في الصناعة والزراعة والملاحة والعمارة، وإرساله العديد من البعثات التعليمية إلى أوروبا.

هذه المفارقات وغيرها ظلت تراوح فكرة إنشاء مدرسة للفنون الجميلة، حتى تلقفها الأمير يوسف كمال أحد أبناء الأسرة الملكية، شديد الثراء، المعروف بحسه الوطني الصافي وعشقه الجم للفنون الجميلة. سعى يوسف كمال، وعلى نفقته الخاصة، إلى إنشاء تلك المدرسة التي كان يترقبها الكثير من الموهوبين المصريين، الذين يتطلعون إلى تعلم الفن ودراسته بشكل علمي، حتى تحقق هذا الحلم. وفي 13 مايو (ايار) 1908 افتتحت المدرسة أبوابها، مستقبلة في ذلك العام وتحت رئاسة مديرها النحات الفرنسي جيوم لابلان ما يقرب من 400 طالب تقدموا إليها، كان من بينهم عدد كبير من الموهوبين بالفطرة، وعدد آخر من الهواة التحقوا كمنتسبين الى المدرسة.

لم تشترط المدرسة نفقات مالية، وكانت الدراسة بها مجانا، من دون تقيد بسن معينة، اللهم الا اجتياز الطالب امتحان القبول، حتى المستلزمات من الأدوات والخامات المختلفة كانت المدرسة تصرفها أيضا مجانا، لطلاب أقسام التصوير والنحت والعمارة والزخرفة، ثم الديكور والحفر في ما بعد. وكان المنهج الدراسي في المدرسة على غرار مدرسة الفنون بباريس، والمفهوم الأكاديمي الأوروبي الأكاديمي بشكل عام.

في عام 1911 وبعد نحو 18 شهرا من افتتاح المدرسة سجل مديرها لابلان ثمرة نجاحها في تقرير نشر بالصحف المصرية آنذاك، أشار فيه إلى حالة من التطور والنضج الفني المبكر بين معظم الطلاب المتقدمين الذين تراوحت أعمارهم ما بين الخامسة عشرة والعشرين عاما، ولم يكن لدى أي منهم فكرة عن التعبير الفني. وخلص لابلان إلى أنه «بعد انتخاب الصالح منهم وانسحاب البعض من تلقاء نفسه، واضطرار المدرسة لفصل مجموعة أخرى، لم تتوافر فيها الموهبة ولا الجدية، لم يبق في المدرسة سوى الذين دلوا على اهتمام بالفنون وظهر في إنتاجهم تطور فني، وهؤلاء يكونون جزءا كبيرا من الطلبة الذين بلغ عددهم 146 طالبا، منهم عشرون يتميزون بمواهب خاصة». وخص لابلان عشرة من بين أولئك العشرين بأن لديهم قدرة فائقة على حسن التعبير والاستيعاب والتطور. كان في مقدمتهم نحات مصر الكبير محمود مختار، الذي أظهر استعدادا فطريا سريعا ولافتا يسهِّل له التقدم في فن النحت، ومحمد حسن الذي وصفه التقرير بأنه أكثر الطلاب ثقافة وسعة في الأفق ومهارة في الرسم. والطريف أن محمد حسن كان أول مصري من خريجي المدرسة يتولى منصب مديرها في عام 1937. وضمت قائمة الموهوبين المتميزين عباس رفعت، يوسف كامل، علي حسن، راغب عياد، أحمد صبري، وكانت أعمارهم تتراوح ما بين 15 و20 عاما.

كان عام 1911 بمثابة العرس الأول للمدرسة، فقد شهد تخريج أول دفعة فيها، لكن هذا العرس لم يركن إلى نشوة الفرح فحسب، بل فجر حالة من الجدل على المستوى الفكري والثقافي والوطني قاده تيار يدعو إلى تخليص الفن المصري من دور الظل للحركة التشكيلية الأوروبية، والمزاوجة بين ما هو ضروري في حضارة أوروبا الحديثة، وما يحدث في الواقع المصري، مع المحافظة على الشخصية القومية ومخزونها الثقافي والتراثي. هذا التاريخ العريق يقلب صفحاته بالفرشاة والألوان، بالضوء والظل، والنحت والحفر والتصوير والتجريب، وشتى مظاهر التشكيل 218 فنانا من خريجي الكلية، يعرضون 436 عملا فنيا متنوعا في معرض تذكاري، احتضنه قصر الفنون بالأوبرا، كلمسة وفاء وعرفان منهم لهذه الكلية، التي احتضنت مواهبهم ورعتها بإخلاص وحب يصعب أن يتكررا في أيامنا الراهنة.

على عتبات المعرض يخطفك للوهلة الأولى إحساس فطري بأن الجمال علاقة حية وموحية، وما أن تجوس في الأروقة والطوابق والأركان حتى تشعر أيضا بأن التاريخ كله هنا.. خليط مذهل من الرؤى والأساليب الجمالية والفنية، والأشكال المرئية واللامرئية، تطل من اللوحات، مجسدة الحضور الإنساني في لحظات ضعفه وقوته، وتحت عباءة تراثه وطفولته الأولى.

فالحس الأكاديمي المشرّب بسمات الانطباعية وما بعدها يطالعك في أعمال كوكبة من فناني الرعيل الأول من جيل الرواد، منهم راغب عياد، محمد حسن، أحمد صبري، يوسف كامل، محمود مختار.. ثم بعد ذلك حسين بيكار، الحسين فوزي، نحميا سعد، عبد السلام الشريف، رمسيس يونان، حسن البناني، صلاح عبد الكريم، جمال السجيني، فثمة خبرات تكنيكية وأكاديمية خاصة تستند إليها هذا الأعمال، على رأسها أسلوب تشخيص يهتم بالبناء النحتي للشكل، واللعب على تدرجات الإضاءة واللون بإيقاع مسرحي أخاذ، وتنويع استدارات الكتل والأجسام، والاهتمام بشاعرية الخطوط، والتعامل مع الجسد الإنساني وكأنه أحد مقومات الطبيعة والمنظر الخارجي. كما تبرز ثيمات التراث الشعبي والأجواء الريفية، مثقلة بحس فلكلوري مفعم بالدينامية والحيوية في الكثير من اللوحات.

في ظلال هذا المنظور ومع بعض التأثيرات للمدرسة الغربية الواقعية والتأثيرية والواقعية النقدية يمكن أن نتأمل أعمال الجيلين الثاني والثالث، الذين انطلقوا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، ومنهم عبد العزيز درويش، حامد عويس، كمال أمين، سمير رافع، صبري راغب، عبد الهادي الجزار، حامد ندا، عبد الهادي الجزار، حسن سليمان، حسن عثمان، كمال خليفة، آدم حنين، فاطمة عرارجي، زينب السجيني، حسن صادق، عبد الوهاب مرسي. تعكس أعمال هؤلاء الفنانين تميزا فارقا في الوعي بالشكل الفني والعملية الإبداعية، كما أن اللغة التشكيلية تبدو أساسا وكأنها وسيلة أو محاولة لاكتشاف ذواتهم في اللوحة. ونلمس في اللوحات ومضات للسريالية، وروافد من البيئة الشعبية، ممزوجة بإيقاعات ميتافيزيقية وهندسية توائم بين طاقتي التجريدي والتشخيص، كأحد الحلول لإثراء الخامة والشكل والوصول إلى لغة تشكيلية خاصة.

أما هم التجريب، وفنون ما بعد الحداثة، وغيرها من سمات الاتجاهات الفنية التي ظهرت خلال النصف الثاني من عشرينيات القرن الماضي، فتطالعنا أصداؤها في أعمال الأجيال التالية، وبخاصة في لوحات: حسين الجبالي، أحمد نوار، عبد الهادي الوشاحي، السيد القماش، جمال عبد الناصر، إبراهيم عبد الملاك، عايدة عبد العزيز، حيث التمرد على إلاطار التقليدي للشكل والمضمون، والاهتمام بالعمل الفني التشكيلي وكأنه نص بصري مرن، قابل للحذف والإضافة، والانفتاح في الوقت نفسه بحيوية على شتى حدوسات المعرفة الإنسانية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال