الاحـد 10 ذو القعـدة 1429 هـ 9 نوفمبر 2008 العدد 10939
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

جامع «محمد الأمين» تحفة معمارية في وسط بيروت

قبته الزرقاء تخطف الأبصار

لقطة لمسجد محمد الأمين بمئذنته الزرقاء («الشرق الوسط»)
بيروت: ابراهيم الرز
القبة الزرقاء تصطاد الانظار من بعيد، تبدو لوهلة كأنها امتداد فني للسماء او قطعة تشكيل في مساحة الافق. هي قبة جامع محمد الامين. لا بد ان تنادي الناظر اليها ليقترب منها ويكتشف هذا الصرح المعماري الذي أضاف الى وسط بيروت قيمة جمالية وثقافية لا يمكن زجها في أي بازار سياسي. التعريف الأول بالمكان نقرأه عند أحد المداخل، حيث كتب «عَمّر جامع خاتم الأنبياء والمرسلين محمد الأمين (ص) الرئيس رفيق بهاء الدين الحريري وافتتحه سعد رفيق الحريري في عهد مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد راغب قباني. وذلك في الثامن عشر من شوّال 1429 هـ، الموافق السابع عشر من تشرين الأول 2008م».

لكن حكاية المسجد بدأت أواخر القرن التاسع عشر. يشير مؤرخو تلك المرحلة الى ان وباءً انتشر في بيروت التي كانت تقتصر على الوسط التجاري آنذاك، وأصاب عيون الأطفال. ولمكافحته وعلاج المصابين به، تحركت بعثة من الراهبات ضربت خيامها في المكان وتولت الاهتمام بهم. وتعبيرا عن شكره أصدر السلطان عبد المجيد الأول «فرمانا شاهانيا» (اي قرارا ملكيا) بتقديم الأرض التي خيّمت فيها الراهبات المذكورات لتكون ملكاً لهن فيستطعن متابعة خدماتهن الطبيّة الإنسانيّة.

ولكي تكون البادرة السلطانية متوازية بين النصارى وبين المسلمين فإن السلطان أصدر في الوقت نفسه فرماناً آخر منح بموجبه المسلمين، عن طريق نقيب الأشراف المرشد أبي الوفا عمر أبي النصر اليافي، قطعة أرض أخرى ليفيدوا من ريع ما يريدون بناءه في هذه الأرض. الراهبات بنين مأوى للمشردين ومستوصفا في المكان، اما نقيب الأشراف فقد بنى فيها سوقاً تجارياً عُرفت من حينها باسم (سوق أبو النصر) وبنى كذلك داراً فخمة لسكناه خصّص بعض غرفها باسم (الزاوية الخلوتيّة) التي كان هو نفسه شيخاً لها. وفي هذه الدار نزل الأمير عبد القادر الجزائري عندما مر ببيروت في طريقه إلى دمشق التي اختارها لإقامته بعد تغلب الفرنسيين عليه في الجزائر، وكانت الدار المذكورة وقتئذٍ أجمل أبنية المدينة. وفي زمن لاحق تحولت الدار إلى مسجد تقام فيه الصلاة أطلق عليه الناس أسم (جامع محمد الأمين)، ثم تألفت لجنة برئاسة الطبيب الراحل محمد خالد وضعت يدها على البناء وما حوله تمهيداً لإقامة جامع كبير في المكان باسم (جامع محمد الأمين). وأطلق حملة شعبية لجمع التبرعات. وكانت صحيفة «الأهرام» قد ذكرت أن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر هو أول من تبرع لبناء مسجد محمد الأمين في وسط بيروت قبل نصف قرن من الزمن،‏ وذلك لتشجيع الحملة الشعبية للإسهام في تشييده، مشيرة الى أن‏ الجهود تعثرت بفعل الظروف الحرجة التي عاشها لبنان. كما ان بناء الجامع تعرض لتعقيدات قضائية تمكن الراحل الحريري من حلّها بعد جهد جهيد. ووضع حجر الأساس للجامع في شهر رمضان من العام 2003. الا ان جريمة اغتياله سبقت انجاز المشروع الذي رعاه، فدفن الى جانب المبنى الذي كان قيد الانشاء. من هنا يكتسب جامع محمد الامين خصوصيات وجدانية كثيرة، الا ان الميزة الاولى تكمن في موقعه في الوسط التاريخي لمدينة بيروت على الزاوية التي تصل ساحة الشهداء بساحة رياض الصلح عبر شارع الأمير بشير ووسع مساحة 4100 م2. وهو بذلك يشغل موقعاً مميزاً من وسط بيروت حيث يجاور عدداً من الأماكن الدينية المسيحية والإسلامية ويشرف على حديقة الآثار المعروفة بحديقة السماح من جهة الغرب وساحة الشهداء «البرج» من جهة الشرق. وبذلك يكون نقطة التقاء للكثير من الشوارع في بيروت، إضافة الى إشرافه على ساحة الشهداء، فهو نقطة التقاء لامتداد شارع فوش عبر حديقة السماح مع امتداد شارع عبد الحميد كرامي عبر ساحة النجمة وشارع سوق أبي النصر.

مساحة البناء الاجمالية 10700 م2، تتوزع على أربع طبقات. وللجامع أربع مآذن يصل ارتفاعها الى 72 م وقبة ترتفع فوق قاعة الصلاة للرجال الى ما يزيد عن 42 م، وقد اعتمد في التصميم المعماري العام على الطابع العثماني والطابع اللبناني وجاءت المفردات المعمارية والتفاصيل والزخرفات على الطابع المملوكي.

الأبعاد الهندسية للجامع تعكس التواصل مع العمارة العثمانية وتراعي ترك المجال واسعاً لاستعمال المفردات المعمارية والعناصر الزخرفية من شتى الحقب الإسلامية التي مرّت على لبنان، فنرى التواصل المملوكي - العثماني في المآذن والقباب، ونلاحظ التأثيرات الأموية والفاطمية والمملوكية والعثمانية في التفاصيل والألوان، وتصاغ ممزوجة بأصالة الحرفي اللبناني معبّراً عنها بالمواد مثل الحجر والرخام والجصّ والزجاج الملون والخشب لتنتج عمارة محلية رائدة· وقد بُني المبنى كلّه من الخرسانة المسلحة وغلف بالحجر الأصفر الذهبي وزخرفت أطرافه بالكرانيش المزخرفة والأحجار المطعمة باللون الأبيض وكُسيت القباب باللون الأزرق اللازوردي، ورُكزت غلى رأس القباب والمآذن أجسام مكورة متعددة الطبقات تنتهي بهلال، صنعت من النحاس الأصفر وكُسيت بماء الذهب.

وللتخفيف من ضخامة المبنى تم استخدام القبّة في تغطية الفراغ المركزي. ولتأكيد اتجاه القبلة انسابت على الجوانب الجنوبية والشمالية لهذه القبة المركزية أنصاف قباب أتت مستديرة الشكل، وأحيطت كل منها بجسم مكون من 12 عموداً يشكل دعامة تكوّن فيما بينها 11 قنطرة، وقد تمّت تغطية القباب بالسيراميك الأزرق العابق لونه بزرقة السماء والمستورد خصيصاً للجامع من إيطاليا.

هذا عن البناء، اما عن الديكور فقد اختار السجاد الرئيس الراحل رفيق الحريري. ولهذه الغاية قام شخصياً باستنباط توليفة من النماذج المقدمة من ألوان وإطار زخرفي وأشرف شخصياً على متابعة إنتاجه وتوريده الى الجامع. كذلك حرص على أن تكون الثريات تعبيراً عن فخامة الجامع وضخامته. وقد تولت شركة Cristalite الفرنسية تصميم وتوريد وتركيب الثريات الرئيسية في قاعة الصلاة والمصنعة من الكريستال· بينما قامت شركة Lumes في تركيا بتصميم وتوريد وتركيب الثريات من الكريستال والنحاس في مداخل الجامع وقاعات المداخل وقاعة الرئيس الحريري في الطابق السفلي الأول.

التعليــقــــات
فتوح الصعيدي، «فرنسا ميتروبولتان»، 09/11/2008
فعلا إنها تحفة معمارية جميلة ...لكن القبة زرقاء وليست المئذنة....
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال