السبـت 12 ربيـع الاول 1431 هـ 27 فبراير 2010 العدد 11414
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

المكتبات العربية في لندن.. تحتضر

7 منها أغلقت في فترة قصيرة.. والبقية تبيع الأقمشة والمكسرات.. إلى جانب الكتب

الساقي.. المكتبة العربية الكبرى الصامدة حاليا في لندن («الشرق الأوسط»)
لندن: إيمان الخطاف
قبل بضع سنوات خلت، كان زوار العاصمة البريطانية لندن من المثقفين العرب يحرصون أثناء سفرهم إليها على شراء مجموعة من الكتب العربية النادرة، أو الممنوعة في بلدانهم، وهو ما شجع على تأسيس عدة مكتبات عربية في لندن، تركز بعضها في نقاط حركة السياح العرب. إلا أن معظم هذه المكتبات لم تستطع الصمود، إذ أغلقت 7 مكتبات عريقة أبوابها بصورة مفاجئة خلال العقد الأخير، وكانت البداية مع إغلاق «مكتبة الوراق» الواقعة في منطقة همرسميث، غربي وسط لندن، والشهيرة بالكتب التراثية القيمة.

يبدو أن إغلاق «الوراق»، الناتج عن ارتفاع الالتزامات المالية في بريطانيا، وتراجع القوى الشرائية، قرع جرس الخطر، معلنا دخول بقية المكتبات العربية مرحلة حرجة. وحقا، أغلقت أبوابها «مكتبة الكشكول»، التي كانت تتبع «دار رياض الريس» اللبنانية المعروفة، وبذا غابت شمسها عن منطقة نايتسبريدغ الراقية، وشكل إغلاقها صدمة للسياح العرب من محبي القراءة والتسوق من المكتبة التي كانت تبعد خطوات قليلة عن متجر «هارودز» الشهير.

وقبل نحو سنة ونصف السنة، أغلقت كذلك «مكتبة الأهرام»، التابعة لـ«مؤسسة الأهرام» المصرية، وكانت تقع في شارع إدغوير رود الملقب عن جدارة بـ«شارع العرب»، بالإضافة إلى إغلاق مكتبات أخرى، مثل: «مكتبة الماجد»، و«مكتبة الهاني»، و«مكتبة الشروق»، و«مكتبة الرافد». وهكذا، لم يتبق اليوم من المكتبات العربية في لندن سوى «دار الساقي» الواقعة في شارع ويستبورن غروف، والتي تكافح هي الأخرى من أجل البقاء. أمين جواد، مدير «مكتبة الساقي» اللندنية، شرح في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «احتضار المكتبات العربية المهاجرة راجع لثلاثة عوامل هي: الضعف العام في معدلات القراءة، وارتفاع أسعار الكتب في لندن مقارنة بالدول الأخرى، إلى جانب عامل اللغة». وأردف «الشباب العرب الموجودون في لندن أصبحوا يهتمون بالقراءة باللغة الإنجليزية أكثر من العربية»، مبديا تخوفه من إمكانية أن يأتي يوم لا يعود القارئ العربي يجد فيه مكتبة تروي ظمأه في العاصمة البريطانية.

مما يذكر أن «الساقي» تعد أول مكتبة عربية تؤسس في لندن وذلك عام 1997، (أي قبل 13 سنة)، وهي تضم بين أرففها مئات الكتب المتنوعة، ما بين الفلسفة والسياسة والفكر، وكتب الأديان والمذاهب، إلى جانب تخصيص ركن كبير للروايات العربية، وآخر متخصص في كتب قضايا المرأة، وقسم الشعر المعاصر، وعلم النفس وعلم الاجتماع، بالإضافة إلى كتب الاقتصاد والنفط، وبعض الكتب الإنجليزية المهتمة بمنطقة الشرق الأوسط.

من جهة ثانية، لعل أبرز ما يلفت انتباه زائري مكتبات لندن العربية المتناقصة العدد هو الارتفاع الباهظ في أسعار الكتب. فمثلا، روايات الدكتور غازي القصيبي يتراوح ثمنها بين 10 إلى 20 جنيها استرلينيا، بارتفاع يتجاوز نحو 150 في المائة عن أسعارها في المملكة العربية السعودية. ويجتاح هذا الارتفاع المؤلفات القديمة أيضا، فمجموعة «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» للمزّي تبيعها «الساقي» بـ380 جنيها استرلينيا (نحو 600 دولار)، في حين تصل قيمة «موسوعة قبائل العرب» لعبد الحكيم الوائلي إلى 125 جنيها استرلينيا (195 دولارا)، أما «رسائل ابن عربي» (7 أجزاء) فتباع بـ80 جنيها استرلينيا (125 دولارا).

ويرجع أمين جواد الارتفاع الباهظ في أسعار الكتب العربية المهاجرة إلى ارتفاع تكلفة شحنها، ومصاريف توفير الكتاب نفسه، وهو ما يجعل أسعار الكتب تتضارب في ما يمكن وصفه بـ«البورصة الثقافية» بين مكتبة وأخرى. بينما يتحفظ عن وصف دكاكين الكتب العربية المتبقية في لندن بـ«المكتبات»، مبررا ذلك في كونها تبيع إلى جانب الكتب سلعا أخرى مختلفة.

وكمثال لذلك، يوجد في الشارع نفسه، الذي تقوم فيه «مكتبة ودار الساقي»، متجر يبيع الكتب الدينية، ما بين كتب الحديث والتفاسير والمذاهب الفقهية المختلفة، جنبا إلى جنب مع منتجات أخرى نسائية ورجالية، من بينها أوشحة للمحجبات وسجادات صلاة، إلى جانب الميداليات والتذكارات المختلفة، وهو ما يجعله يتحول إلى متجر أكثر من كونه مكتبة.

ومثل هذا المتجر، يوجد في لندن متاجر كثيرة تبيع إلى جانب الكتب العربية عدة سلع غير متجانسة، كاللبان والمكسرات والزيوت والتسجيلات الصوتية وغير ذلك، الأمر الذي يحول الكتاب إلى سلعة تجارية توازي المنتجات الاستهلاكية الرخيصة، وهو أمر يثير حفيظة بعض المثقفين العرب.

وفي المقابل، هناك دكاكين أخرى تروج للكتب على طريقة «الأكثر مبيعا»، أو «الأكثر طلبا»، ولا تقدم سوى الكتب التي ينتعش عليها طلب واهتمام الزبائن العرب، والأبرز في ذلك شارع إدغوير رود، حيث يمثل السياح العرب الشريحة الكبرى من رواد المتجر. وهو يهتم بمعظم الروايات الخليجية الحديثة، خاصة الموقعة بأسماء نسائية، لكنه يبالغ أيضا في الأسعار بطريقته. وهو الأمر الذي ينسحب على أسعار بقية مكتبات ومتاجر الكتب العربية المهاجرة.

وعند التجول سعيا وراء معرفة الكتب الحديثة الأكثر مبيعا، التي تركز المكتبات العربية في لندن على عرضها أخيرا، يبرز كتاب «نانسي ليست كارل ماركس» لحازم صاغية، و«إيران تستيقظ، مذكرات الثورة والأمل» لشيرين عبادي، إلى جانب كتب أبراج 2010.

وبعكس رواج كتب الأبراج، يبدو ملاحظا غياب المؤلفات الكلاسيكية وروائع الأدب العربي والكتب التراثية أو العلمية عن أرفف ما تبقى من المكتبات العربية في لندن ومتاجر الكتب. وهو ما يوضحه الباعة بأنه عائد لانخفاض الطلب عليها، فهي تراوح مكانها على الأرفف لسنوات طويلة، بعكس الكتب الأخرى الأكثر ربحية وسرعة في التسويق والبيع. وهذه مسألة تحاول مكتبة الساقي تحاشيها، في المحافظة على صورتها التقليدية وعرض المؤلفات الكلاسيكية باختلاف أنواعها، تجنبا للوقوع في فخ البحث عن الربح فقط.

على صعيد آخر، من الممكن اعتبار عاملي الخبرة والفراسة السلاح الأول لباعة الكتب العربية في لندن. فبمجرد دخول الزائر إلى مكتبة، ومن خلال النظر إلى تقاسيم وجهه أو مظهره وملبسه تأتي الاقتراحات تباعا. إذ يتعرف البائع على جنسيته فيوجهه إلى كتب المعارضة في بلده، أو الكتب الممنوعة فيها، أو قد يوجهه للكتب التي يحرص أبناء جلدته على طلبها، في ظل انتشار موضة القوائم والتوصيات الثقافية، التي صارت تسبق زيارة المعارض والمكتبات.

وأثناء التجول داخل بعض المكتبات العربية في لندن يبدو الاختلاف باديا بين زبائنها، من المثقفين العرب، والإعلاميين، والطلاب، والسياح الأثرياء، والطبقات العربية الوسطى، إلى جانب بعض الأجانب، خاصة البريطانيين المهتمين بكتب ودراسات منطقة الشرق الأوسط. في حين يؤكد باعة الكتب الذين التقتهم «الشرق الأوسط» أن معظم الطلبات تتركز على الكتب الممنوعة في بعض البلدان العربية، رابطين بين تراجع عدد المكتبات العربية في لندن والتراجع العام في كمية الكتب المبيعة، مما جعل هذه المكتبات تتحول إلى مشاريع خاسرة اقتصاديا.

ويضاف إلى ما تقدم التطور التقني، والاعتماد الحديث على الإنترنت والكتاب الإلكتروني، واتساع مساحة حرية الكلمة والنشر في عدد كبير من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي لم تواكبه المكتبات العربية المهاجرة بالصورة المطلوبة. وفعلا هذا جانب يلحظه زائرها للوهلة الأولى، إذ بالكاد يجد فارقا يذكر بين مظهرها في التسعينات ومظهرها اليوم. فلا تصنيفات واضحة للأقسام، ولا محركات بحث إلكترونية، بل إن بعض هذه المكتبات لا يوجد لديها مواقع على شبكة الإنترنت.

مع هذا، ينبغي القول إن مكتبات ومتاجر الكتاب العربي في لندن لا تكتفي ببيع الكتب لزبائنها فقط، بل تقوم أيضا بدور ساعي البريد، فيتولى بعضها مهمة إرسال الكتب إلى من يطلبها عن طريق الطرود البريدية داخل بريطانيا، وعن طريق البريد الجوي إلى سائر بلدان العالم، فور إرسال شيك أو حوالة بريدية بقيمة الكتب المطلوبة بالعملة الإنجليزية (الجنيه الاسترليني)، مع تحمل طالب الكتب أجور الشحن والبريد. وعلى الرغم من تزايد الضغوط الاقتصادية التي تهدد بقاء المكتبات العربية في لندن وتناقصها واحدة تلو الأخرى، فإن الكثير من هذه المكتبات تحول مع الوقت إلى مزارات سياحية، ومحطة مهمة يحرص بعض السياح العرب على التوقف عندها أثناء سفرهم إلى مدينة الضباب، استمتاعا بالغوص في عالم الكتاب العربي المهاجر.

التعليــقــــات
محمد حسن البشارى، «ليبيا»، 27/02/2010
لقد كنت هناك الأسبوع الماضى ولشد ما آلمنى شارع ادجوار رود فلقد زرعته جيئة وذهابا ولم أجد ولا مكتبة من المكتبات العربية أوالمتاجر التى كانت فى السابق تروى عطشنا من الإصدارات العربية المختلفة فلا حول ولا قوة الا بالله وانا اليه راجعون.
بدر خليفة المزين، «الكويت»، 27/02/2010
حزين لما أسمع وأقرأ ولما وصل الحال لنا كخير أمة أخرجت للناس.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال