الجمعـة 24 شعبـان 1431 هـ 6 اغسطس 2010 العدد 11574
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مصر ترمم القباب الفاطمية بأسوان في اتجاه تحويل المدينة إلى بانوراما تاريخية

تضم 55 قبة متنوعة تؤرخ للحضارة الإسلامية

نظرا لأهمية القباب الفاطمية جاء تفكير المجلس الأعلى للآثار في ترميم 55 قبة فاطمية بمحافظة أسوان («الشرق الاوسط»)
أسوان (جنوب مصر): وليد عبد الرحمن
تتميز القباب الفاطمية في جنوب مصر، التي تتنوع في شكلها وطرز بنائها، عن مثيلاتها من القباب المنتشرة في باقي محافظات مصر بأنها تحكي جزءا من تاريخ الفتوحات الإسلامية جنوب البلاد.

ونظرا لأهمية القباب الفاطمية وعلى خلفية أعمال التوثيق وعمليات الترميم التي تعكف عليها مصر للحفاظ على آثارها التاريخية، جاء تفكير المجلس الأعلى للآثار في ترميم 55 قبة فاطمية بمحافظة أسوان تنوعت بين المقابر والجبانات والأفنية والفسقيات.

لعل أهم ما يميز القباب الفاطمية في صعيد مصر، وفي محافظة أسوان خاصة، عن غيرها من القباب في العالم الإسلامي، هو ظهور ما يعرف بـ«القرون»، وهي تقابل أوجه الأضلاع الثمانية للقبة من الخارج. ولقد أجمع عدد من الأثريين على أن العدد الكلي للمقابر الموجودة في جنوب مصر لا يزال مجهولا، لكنها على أي حال تمثل سجلا رائعا ذا إمكانيات بحثية كبيرة يمكن من خلالها، بشكل دقيق، تحليل ودراسة التاريخ الاجتماعي والثقافي والديني للمنطقة من خلال الفترة المتوسطة في ما بين نهايات العصور القديمة وحتى العصور الوسطى.

عن مراحل العمل في المشروع، قال اختصاصي ترميم الآثار الإسلامية أحمد عبد الله لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «يضم جنوب مصر 55 قبة تقرر ترميمها على مراحل، بدأت بتسجيل الأثر وتوثيقه عن طريق الرسم والصور وتحديد متطلباته. ومن ثم إعداد الموقع الأثري للعمل، والكشف على أساسات الأثر للوقوف على حالة المبنى المعمارية. ولاحقا، البدء في إجراء أعمال الترميم المعماري وترميم النقوش والشروخ».

وأضاف عبد الله أن «الجبانات الفاطمية في جنوب مصر تنقسم إلى قسمين: الجبانة القبلية، والجبانة البحرية، ولقد بدأ العمل في الجبانة القبلية على طريق خزان أسوان، وتم عمل المسح الجيولوجي لمناطق القباب والرفع الأثري للآثار الموجودة في المنطقة. وتم العمل في الجبانة على عدة مراحل، تتضمن المرحلة الأولى استكمال السور المحيط بالجبانة، ويجري في المرحلة الثانية استكمال بعض القباب الفاطمية المتهدمة (الخوزات) وترميم بعض الجدران المتهالكة والكشف على أساسات بعض القباب، وحصر جميع القباب (الأفنية) والفسقيات (المقابر الصندوقية) للوقوف على ترميمها». وأردف: «ويشمل المشروع مجموعة القباب الموجودة من داخل سور الجبانة الفاطمية والمقابر الصندوقية وباقي القباب التي تقع شمالي متحف النوبة. أما بالنسبة للجبانة البحرية التي تشمل منطقة العناني، وهي مجموعة من القباب الفاطمية التي رممتها حديثا لجنة حفظ الآثار، فموجودة ضمن مجموعتين؛ لكل مجموعة سور مستقل».

من ناحية أخرى، أرجع الأثري حسن جبر تاريخ الجبانة الفاطمية في جنوب مصر إلى بدايات العصر الإسلامي؛ إذ يؤرخ بها أقدم شاهد قبر إسلامي يحمل اسم «عبد الرحمن الحجري» ويحفظ حاليا في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة. وفي ما يخص القباب الفاطمية، يشرح جبر قائلا: «يرجع تاريخ القباب الموجودة في الجبانة الفاطمية إلى القرن الرابع الهجري، وتتنوع هذه القباب من حيث الشكل وطرز البناء؛ إذ إن هناك بعض القباب له ثلاثة أبواب محورية، وبعضها الآخر له باب، وثمة قباب لها بابان. وتتنوع (خوزات) القباب من حيث الحجم والشكل. كما يوجد في بعض القباب عناصر زخرفية من (الجص).. وأيضا النوافذ الصغيرة التي استخدمت في الإضاءة، وهناك بعض العناصر المعمارية الصغيرة التي استخدمت من أجل الزخارف». ويشير جبر إلى أن «أهم ما يميز القباب الفاطمية في جبانة أسوان عن غيرها من القباب في العالم الإسلامي هو ظهور ما يعرف بظاهرة (القرون)، وهي تقابل أوجه الأضلاع الثمانية للقبة من الخارج، وقد وجد في بعض القباب (خوزة) للقبة مباشرة فوق التربيع السفلي من دون مراحل للانتقال، وهي الانتقال من المربع إلى المثمن ثم الرقبة أو (خوزة) القبة، وتعتبر الجبانة الفاطمية أرضا خصبة للدراسة التاريخية والأثرية».

أما مدير آثار أسوان الإسلامية، الدكتور مجدي عابدين علي، فأكد لـ«الشرق الأوسط» أن المشروع «ضم عدة مراحل؛ تبدأ من بناء سور الجبانة والمخزن المتحفي بطول 600 كيلومتر، لتشمل ترميم القباب، واستكمال وتدعيم الأجزاء، وعزل الأساسات لإزالة الرديم من القباب الأثرية، وعمل أبواب وشبابيك وسد جميع الفتحات، للحفاظ على الآثار».

ويشير عابدين إلى أن منطقة جنوب مصر تضم إلى جانب القباب الفاطمية عددا من المقابر الفرعونية الصخرية التي تحكي تاريخ حكام الفراعنة الذين حكموا جنوب البلاد من الأسرتين السادسة والثامنة والدولة الوسطى، وفي مقدمتها مقابر نبلاء ألفنتين الصخرية، أو ما تعرف بمقابر «قبة الهوا» أو مقابر أسوان على جزيرة أسوان، التي تقع على منحدرات التلال التي تشكل ضفة نهر النيل الغربي بأسوان. وهي محفورة في الصخر في نصف ارتفاع الجبل وتضم مقابر حكام إقليم جنوب مصر وكبار كهنته وموظفيه. وقد أطلق عليها اسم «قبة الهوا»، واكتشفت هذه المقابر عام 1885 ميلادية بدءا باكتشاف مقبرة «ميخو وسابني». ثم عام 1892 اكتشفت مقبرة «حرخوف»، وعام 1905 اكتشفت مقبرة «كاكم» من عصر الرعامسة، ولاحقا، عام 1946 اكتشفت المقبرة المزدوجة، وخلال الفترة من 1959 - 1981 أزيلت الأتربة عن مقابر النبلاء لتظهر في صورتها الحالية.

ويضيف عابدين أن «من أقدم مقابر النبلاء مقبرة (حرخوف) التي اكتشفت عام 1934 وترجع لبداية عهد الملك ببي الثاني، كما أن أحدث المقابر هي مقبرة (ست كا) التي تعود إلى عصر الانتقال الأول، يليها مقابر الدولة الوسطى ومن أهمها مقبرة (سارنبوت الأول والثاني)». ويذكر عابدين أنه «بالقرب من مقابر النبلاء الفرعونية يوجد دير الأنبا سمعان الذي يعود تاريخه إلى القرن السادس الميلادي وهو من أكمل الأديرة القبطية في مصر، ويضم 31 قبة».

وفي ختام جولتنا، أكد العميد السيد عبد المحسن، السكرتير العام المساعد لمحافظة أسوان، أن مشروع ترميم القباب الفاطمية في جبانة أسوان سيحول منطقة وسط المدينة إلى بانوراما أثرية مفتوحة، تضم المسلة الناقصة، والمتحف النوبي، والمقابر الفاطمية، من أجل إبراز الحضارات المصرية القديمة والإسلامية والقبطية، كنموذج مصري فريد يؤكد تلاقي الحضارات في جنوب مصر.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال