الخميـس 15 رمضـان 1431 هـ 26 اغسطس 2010 العدد 11594
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

اللبنانيون يكتشفون بإعجاب الحنجرة الاستثنائية للفنان المغربي فؤاد زبادي

ثلاث أمسيات لبنانية تكريما لروائع محمد عبد المطلب

فؤاد زبادي أثناء غنائه وسط بيروت
بيروت: سوسن الأبطح
كان يكفي أن تصغي لتعليقات الخارجين من حفلات الفنان المغربي فؤاد زبادي الثلاث التي أحياها في لبنان لتعرف ما يمكن أن يفعله هذا المؤدي للطرب العربي الأصيل بجمهوره، ففضلا عن أولئك الذين حاولوا جهدهم الوصول إليه، للتعبير عن اعتزازهم به وبأدائه البديع، كان ثمة من يسأل: «هل يعقل ألا تحتفي التلفزيونات بمثل هذا الصوت؟»، وآخر يعتبر تهميش زبادي فنيا برهانا على التخلف العربي، بينما يرى آخر أنه دلالة على فساد ضارب أطنابه، يرفع من شأن القبح وينأى بالجمال جانبا.

ثلاث حفلات إحداها وسط بيروت وأخرى في صيدا وثالثة مساء الأحد الماضي في «برج السباع» التاريخي في طرابلس، خلبت قلوب السميعة. قلة في لبنان من سمعوا عن فؤاد زبادي من قبل، رغم أن الرجل بات معروفا في عدة عواصم عربية بعد أن غنى في مصر والعراق، وتونس والدوحة مؤخرا. لكن صيت الرجل لا يزال دون ما يستحق من تقدير في العالم العربي كله، ففي لبنان حيث صخب فناني الفيديو كليب يصم الآذان، كان لا بد من الانتظار طويلا قبل أن يصل زبادي صاحب الحنجرة الاستثنائية والأداء الطربي الرهيف، ويجد المنبر الذي يطل منه على الناس. وبفضل الأمسيات الرمضانية التي تنظمها «مؤسسة الحريري» خلال هذا الشهر، وتستضيف عددا المطربين البارزين في مجال الطرب، بدا أن لزبادي أخيرا فرصة في إطلالة واسعة على الجمهور اللبناني. والأصح أن هذه الأمسيات أفسحت المجال أمام جمهورها للتعرف على فنان له من التواضع ما يجعله يكتفي بالاحتفاء بالفن المصري الكلاسيكي وتأديته، رغم ما له من موهبة نادرة، دون أن يجد في ذلك غضاضة أو استخفافا بمقامه.

جاء زبادي ليلتقي جمهوره بسيطا، ظريفا، راغبا في تواصل ومشاركة حميمين. غنى لمحمد عبد الوهاب ومحمد عبد المطلب ومحمد رشدي وكارم محمود ومحمد قنديل، بقي يطرب الحاضرين لساعتين ونيف، وكأنما الرجل لا يتعب، والجمهور يستزيده، رغم الحر الشديد، الذي لا بد أنهكه في ذلك المساء اللاهب. لكن زبادي الذي بدأ حفلاته بأغنية لرمضان بدا مع الفرقة الموسيقية التي تضم سبعة عازفين في انسجام وتناغم شديدين. «ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين» لعبد المطلب، بتلوينات صوت زبادي جاءت مفاجئة لجمهور لم ينتظر هذا الأداء الرفيع، ثم جاءت «شفت حبيبي وفرحت معاه» لتؤكد للسميعة أنهم أمام مطرب يستحق منهم ليس فقط احتمال الحرارة اللاهبة التي تجتاح المنطقة، وإنما أيضا الدخول معه إلى حالة طربية تلامس الصوفية خاصة وهو يكرر اللازمة الواحدة أحيانا بعشر تنويعات وتنغيمات دون كلل أو استنفاد لهذه القدرة الصوتية الماهرة. كان الجمهور على موعد مع عبد المطلب الذي جاءت الأمسية في الأساس لتكريمه بصوت فؤاد زبادي. هذا الفنان المغربي الآتي من مدينة مكناس عاشق للغناء الكلاسيكي المصري الأصيل، وكأنه نشأ في إحدى حارات القاهرة، وشرب طفلا من نيلها. غنى على مسمع اللبنانيين «ودع هواك وانساه وانساني» و«الناس المغرمين ما يعملوش كده»، و«ما بتسألش عليا أبدا» مستعيدا عبد المطلب في روائعه، كما غنى لكارم محمود «على شط بحر الهوى» و«أمانه أمانة» ليتبعهما بأغنية محمد رشدي الشهيرة «عدوية» التي شكلت جزءا من ذاكرة جيل عربي لا يزال يرددها إلى اليوم.

بعد ساعتين ونيف من الأداء المتواصل لم يبد زبادي مرهقا أو مجهدا، واستزاده جمهوره، وكان له في كل مرة ما أراد. وبدا الناس رغم طغيان نوع معين من الأغنيات التي تسود فيها الموسيقى الصاخبة على كل ما عداها، لا يزالون في عطش إلى الكلام الموزون، والغزل الجميل الآتي من رومانسية ظنناها قد ولت. تكريما لوديع الصافي «مطرب المطربين»، كما قال عنه ذات يوم محمد عبد الوهاب، غنى زبادي «يا عيني عالصبر» ليتضح كم أن هذا اللبناني الجبلي تأثر بالغناء المصري الكلاسيكي، وجعل له فرعا في بلاد الأرز. ربما أن كثيرين لا ينتبهون إلى هذا التأثير المصري على أغنيات وديع الصافي، وأسلوب أدائها، لكنك مع زبادي تكتشف الكثير، وتتعلم أكثر مما كنت تتصور.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال