الاحـد 12 جمـادى الاولـى 1432 هـ 17 ابريل 2011 العدد 11828
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

حين خطف ملوك «النواب» المسلمون الأضواء من دلهي وأقاموا فردوسهم على الأرض

معرض في باريس يكشف فنون مملكة «لكناو» التي كانت فاصلة مبهرة في تاريخ الهند

باريس: «الشرق الأوسط»
إنه معرض يشبه ما كنا نقرأه في قصص ألف ليلة وليلة عن مدن تجري فيها أنهار من عقيق، وتنمو فيها أشجار ذهبية محملة بثمار من فضة ولآلئ، وتحلق في أجوائها طيور مرصعة بالزمرد والياقوت. وهو أيضا معرض يقطع، بعصا ساحر، المسافة بين ذلك الشرق البعيد وعاصمة النور، حيث يحتل الطابق الأرضي من قصر «غيميه»، وسط باريس، ضمن ما يسمى هنا بالموسم الهندي.

عنوان المعرض «لكناو.. بلاط ملكي في الهند».. وهو مخصص للروائع الفنية لتلك المملكة التي قامت في شمال القارة الهندية بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر واتخذت من مدينة لكناو مقرا لها. إنها عاصمة إقليم أودة، وكانت أغنى المدن الهندية، وعرفت عصرها الذهبي أثناء الهيمنة البريطانية على الهند، أواسط القرن التاسع عشر، بحيث إن لكناو طغت في بريقها على دلهي، عاصمة قبائل المغول. وكانت فخامة أرجائها وشوارعها توهم من يراها بأن حجارتها رخام. وقد انتشرت فيها الحدائق والنوافير والقباب والشرفات والقصور الممتدة على امتداد نهر «قومطي». واعتبارا من عام 1739، راح الفنانون والشعراء يلجأون إلى منطقة أودة، أو ما بات يعرف اليوم بإقليم «أثر برديش»، بينما كانت دلهي تغرق في فترة من الاضطرابات. ولم تجتذب المنطقة المبدعين فحسب، بل اجتذبت أيضا التجار والمحاربين والرحالة والدبلوماسيين الآتين من أوروبا تلبية لنداء الترف والجمال والثراء، وسعيا في أثر سخاء حكامها الذين حملوا لقب «النواب» المشتق من العربية، وكان يطلق على الملوك الذين يدينون بالإسلام. وبتلك الحيوية التي يوفرها التبادل والتمازج بين الأذواق والتقاليد وأنماط العيش المشترك، ولد أسلوب خاص يجمع بين الأصالة المحلية للمنطقة وما جاء به الأوروبيون، ثم المستعمرون، من أنماط.

ويقول دليل المعرض غن مجتمع المملكة كان «كوزموبوليتانيا» وفريدا في نوعه، لأنه جمع خليطا من الهنود والأُوروبيين، وأنتج روائع فنية اتخذت طابعا جذابا بفضل تلاقح الثقافات وأشكال التعبير. فهناك، إلى جوار صفحات من «الشاهنامة»، تتدلى قلائد وأقراط ارتدتها، ذات يوم، أميرات غابت أسماؤهن وما زالت فساتين أعراسهن تتنقل بين العواصم. فقد أشرف على جمع مادة المعرض متحف الفنون الخاص ببلدية لوس أنجليس، ومنه وصلت إلى باريس. لكن ما يراه المتفرج لا يقتصر على عرض أكثر من 200 قطعة من الإرث الفني لأسرة حاكمة، ما بين مخطوطات وأزياء وحلي وخرائط ولوحات وخزف وفضيات، بل يتعداه إلى إلقاء الضوء على الذاكرة الكولونيالية للقارة الهندية في مجملها، لا سيما أن فن التصوير كان معروفا بين وجهائها والمقيمين الأجانب فيها، وقد سجلت عدساتهم تفاصيل طبيعة المنطقة وأشكال المدن والقصور والشخصيات البارزة.

لكن بريق لكناو خفت بعد انتفاضة عام 1857 التي سميت بحرب الاستقلال الهندية الأولى. وتعكس بعض الأعمال التي رأت النور في المرحلة المتأخرة من المملكة غياب التنوع الذي عرفته أعمال مبكرة والتركيز على الهوية الوطنية، كما يشير عدد منها إلى الماضي المجيد للكناو. لكن ذلك الماضي لم يكن ورديا بالكامل، إذ بينما انغمس الحكام في ترف قصورهم وفي نظم الأشعار والتسلي بلعب الشطرنج، كان رجال يرتدون بدلات رمادية يتوافدون على المملكة من لندن ومن مانشستر، وينسجون شبكاتهم الخاصة وينتظرون الساعة المناسبة للهيمنة الكاملة. وفي عام 1798 تمت إزاحة الحاكم وجيد علي خان، بعد أربعة أشهر من الحكم فحسب، لمعاقبته على آرائه المعادية للإنجليز. وكان الدرس كافيا لأن يحول من خلفوه في عرشه إلى دمى بيد مديري الشركة الإنجليزية للهند الشرقية، كما يشير دليل المعرض. وانتهى الأمر باحتلال كامل، عام 1856 حين تم إلحاق إقليم أودة بباقي المناطق الهندية الخاضعة لبريطانيا.

وبمرارة وكثير من المهانة، سار وجيد علي خان، آخر ملوك لكناو، إلى منفاه في كلكتا، حيث مات منسيا بعد ثلاثين سنة وانتقل النفوذ إلى دلهي. ثم جاءت بدايات حرب الاستقلال وثورة المجندين المحليين الدين سيقوا للخدمة مع القوات المحتلة، لكي تمنح بريطانيا الحجة لتدمير لكناو التي لم يتبق منها سوى تراثها الفني وأنماط رفاهيتها التي كانت أشبه بحلم جميل انقضى على حين غفلة. لذلك تحتل تلك المملكة التي لم تدم أكثر من قرن من الزمان، في الذاكرة الجمعية للهنود، موقعا غامضا يتراوح بين الحنين لزمن هجين طويت صفحته، وبين اعتباره مصدرا للفخر القومي والثقافي.

من المفاجآت، بالنسبة للزائر العربي، أن محافظة المعرض هي أمينة طه حسين أوكادا، كريمة عميد الأدب العربي. وفي حديث لها عن هذا الحدث الاستثنائي في مسيرة متحف «غيميه»، قالت إن مملكة لكناو كانت فاصلة بهيجة مرت في تاريخ القارة الهندية، وعصرا ذهبيا محدودا بزمنه لأنه لم يستمر طويلا. ورغم تكريس معارض كثيرة للفن المغولي في عصور ازدهاره، أي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فإن الفنون والمهارات اليدوية التي تفتحت في لكناو ظلت مجهولة ومهملة. إنه تراث يندرج في سياق التقاليد الكبرى للهند الإسلامية ويستحق أن يخرج إلى النور.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال