الاثنيـن 11 ربيـع الثانـى 1433 هـ 5 مارس 2012 العدد 12151
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«تاكسي البلد» فيلم لبناني كوميدي ممتع

دانيال جوزيف لـ«الشرق الأوسط»: نسعى لتسويقه في الصالات العربية

الشريط يأخذنا عميقا بطريقة غير مصطنعة إلى يوميات سائق تاكسي هاجر قريته الواقعة في شمال لبنان
ملصق الفيلم
بيروت: صهيب أيوب
لا يخطئ مشاهد فيلم «تاكسي البلد» في التقاط روح مدينة بيروت وملامح أشخاصها. يبدو البعد النفسي لاختلاط نماذج بشرية مختلفة حاضرا بقوة في تركيبة الفيلم، حيث إن الشخصيات تتقاسم حيز المدينة داخل سيارة تاكسي سائقها (الممثل طلال الجردي) مرن الطباع ولديه حس الدعابة وماكر ويحمل حكايات لا يمكن تصديقها بالكامل فهي في بعض زواياها متخيلة، مثله مثل حال أي سائق تاكسي يحب الحكي، وتظهر من خلال الحبكة التصاعدية للفيلم الشخصيات بتواتر متوازن حيث إن لكل شخصية بعدها الرمزي في دلالات واضحة لمجتمع بيروت المديني.

المزيج اليومي في حركة بيروت التي لا تنام يبدو هو جزءا من «أصل» الحكاية في الفيلم الذي عرض لأول مرة في «سينما صوفيل» منذ يومين، فيما تتكيف أجزاء القصة مع شخصية سائق التاكسي «صاحب» الحظ المتعثر الذي تحوله بيروت إلى «أفضل شوفير في البلد»، كما تقول له الزبونة الأميركية جوردان (الممثلة كارينا لوغ) بابتسامة لطيفة في نهاية الفيلم، محاولة اكتشافه والتودد إليه ليصبحا صديقين، بلا أي إشارات أخرى لنوع العلاقة الغريبة التي ربطتهما، فهو لم يحبها ولم تحبه ولم يقيما علاقة ما. وهنا تكمن قوة الفيلم بابتعاده عن عنصر المشهد «الحار» وقدرته على سحب الجمهور إليه منذ أول دقيقة إلى نهاية الفيلم.

ينتقل الشريط في حياة البطل يوسف على طريقة «الفلاش باك» إلى طفولته قبل الحرب الأهلية من دون الغوص، كما تفعل الأفلام اللبنانية عادة، بتفاصيلها وتداعياتها والمبالغة في توصيفها، إذ جاء الفيلم متاحا للمشاهدة بـ«لا نكد»، هادئا وصاخبا بكوميديا معتادة عند معظم الممثلين الذين شاركوا في الفيلم، لا سيما عند الممثل طلال الجردي، وكاسرا بطريقة غير مألوفة في التعامل السينمائي اللبناني الزمن متعاطيا معه بشكل استنسابي ممتع.

يحاول الشريط أن يأخذنا عميقا بطريقة غير مصطنعة إلى يوميات سائق تاكسي هاجر قريته الواقعة في شمال لبنان حاملا معه ألفا وخمسمائة دولار أميركي إلى العاصمة، باحثا عن حياة أخرى مع حلم لترك البلد نهائيا بعد الحصول على فيزا إلى الولايات المتحدة الأميركية، لكن شاءت أقدار البطل يوسف إلا أن يبقى في بيروت ويحبها بطريقته متناسيا حلم الغربة، ونائما في سيارته كل ليلة.

في العاصمة يلتقي بأشخاص مختلفين يجلسون في المقعد الخلفي لسيارته وكل واحد منهم له قصة وحكاية ومعه نتدرب على كيفية التعامل معهم. فهو استطاع بحنكته وطرافته أن يخطف ثقة امرأة أميركية تسكن في بيروت وتعمل في ناد رياضي فاخر، معها يستطيع أن يتكيف مع الحياة البيروتية بشكل آخر وأن ينسى قريته وناسها «الحشورين» كما قال في أحد مشاهد الفيلم.

ومن هناك يعود إلى قريته في سنة وفاة أمه ولتعود الذاكرة به إلى طفولة منسية مليئة بالحكايات الظريفة من بطل الحي كارلو ومصارعاته وولعه بأجمل فتاة في الحي والذي يصاب بالإيدز بعد هجرته إلى البرازيل مثل ما فعل والد يوسف عندما كان عمره 5 سنوات تاركا إياه مع أمه (الممثلة هيام أبو شديد) وحيدين بلا معيل، وقصة سرقته مال المزارات الدينية للسيدة مريم العذراء وشغفه بأن يصبح لاعب كرة قدم مشهورا جدا بعد أن كانت قريته مقسمة بين مشجعين للبرازيل ومشجعين لإيطاليا، قبل أن تقسمهما الحرب ومعها التيارات السياسية والحزبية.

فيلم لأول مرة يعطي قيمة إضافية للعمل السينمائي اللبناني، إذ بدا بفكرته البسيطة خفيفا وسريع الهضم ويمكن تصنيفه بأنه فيلم عصري يتناسب مع حاجة السوق اللبنانية. الحبكة التي اعتمدها مخرج الفيلم دانيال جوزيف في كتابة السيناريو تواطأت مع تقنية الصورة المبهرة (تصوير تشارلز دي روزا) والموسيقى الجادة (السيمفونية البلغارية) التي رتبها إيلي براك مع حضور سلس لشربل روحانا مع فرقته في أحد مشاهد الفيلم، فظهر الشريط الروائي الطويل مستقيما على خط واحد بلا أي ترددات مضجرة أو تحتاج إلى جهد للفهم. فالشخصيات قدمت بشكل طازج وعلى مراحل مفككة من الفيلم وبتناسق «نسبي» مختلطة بزمن العاصمة المليئة بالحياة والسهر وأنماط العيش المختلفة وزمن قرية نائية تعود إلى ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية.

يؤكد المخرج دانيال جوزيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن ليخرج بحلته الحالية لولا تراكم الروح اللبنانية فيه، فدانيال الذي عاش جل حياته في الولايات المتحدة الأميركية استطاع بجهد مشترك مع الممثلين أن يخرج بتوليفة سيناريو ولقطات لبنانية بحتة. إذا لا يمكن لمن يسكن بيروت إلا أن يجد هذا العمق في إبراز صورة المدينة وحياتها، وأيضا في تصوير روح القرية اللبنانية ومجتمعها المحلي المختلط اختلاطا قاسيا إلى حد لا يمكن الفتك به. إذ تبدو العلاقات قوية والناس تراقب بعضها البعض وتنتقد كل «شاردة وواردة» كما تفعل جارة يوسف التي تحكي عن سهراته إلى «وجه الصبح» رغم أن موت أمه لم يتعد الأربعين يوما، وكما تحاول خالته (الممثلة عايدة صبرا) أن تثنيه عن فعل ذلك وهي لا تزال تراه طفلا في التاسعة من عمره. ويوضح جوزيف أن الفيلم سيعرض في الصالات اللبنانية ابتداء من الثامن من مارس (آذار) على أن يصار إلى تسويقه في الصالات العربية فهو «يستحق المشاهدة»، كما يقول.

يشير جوزيف إلى أن وجوده في لبنان لتصوير فيلم سابق عن بيروت (بلود تاكسي) بعد أحداث 7 مايو (أيار) دفعه إلى تغيير السيناريو والتوجه لكتابة سيناريو «تاكسي البلد». كتب السيناريو باللغة الإنجليزية وساعده في ترجمته الممثل طلال جردي حيث تشاركا مع وليد فخر الدين ولينا خوري في إنتاج الفيلم بمساهمة صغيرة من مؤسسة «إنجاز» في دبي، ومن هناك كل شخصية شاركت في كتابة دورها. إذ أكدت الممثلة نغم أبو شديد لـ«الشرق الأوسط»، التي أضحكت المشاهدين بظهورها القصير في الفيلم أن «المشاركة في كتابة الدور كان متعة حقيقية وتجربة استثنائية في العمل السينمائي اللبناني»، موضحة أن «التآلف الذي أوجده العمل بين الممثلين كان فكرة رائعة من المخرج والمنتجين»، مشيرة إلى أن العمل «سيكون له صدى إيجابي لأنه مهضوم ومسل ومبتعد عن الهموم التي تخبط بلبنان».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال