الاحـد 21 جمـادى الثانى 1433 هـ 13 مايو 2012 العدد 12220
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«ريتشارد الثاني» بالعربية على مسرح شكسبير في لندن

قدمتها فرقة «عشتار» الفلسطينية بقالب عصري تناول «الربيع العربي» والاحتلال والثورات

أحد مشاهد مسرحية ريتشارد الثاني التي عرضت على مسرح الـ «غلوب» في لندن
لندن: شيماء بوعلي
تم ترجمة أعمال شكسبير إلى معظم لغات العالم، وتم تناولها من خلال كل أشكال الفنون والحركات المسرحية، كما كانت هي محور المناقشات الدائرة حول اللغة على عدة المستويات، بما في ذلك الكلمات المستخدمة وقواعد اللغة.

وفي الحقيقة، لقد غيرت مسرحياته وأشعاره مفهوم الناس عن الرومانسية والتراجيديا والكوميديا والخيال، وحتى الأحداث والحكايات العجيبة.

ولم يتضاءل تأثير أعماله الشعرية والدرامية على مدار 400 عاما، حيث يتم دراستها من قبل كل الأعمار، سواء في الصفوف الدراسية أو في المسارح. وحتى الآن، لا تزال أعمال شكسبير، التي تعد انعكاسا للأدب والتاريخ المسرحي البريطاني، تحظى بمكانة عالمية رائعة.

وكأحد المظاهر الثقافية في العاصمة البريطانية لندن في عام 2012، يقوم مسرح «غلوب» - وهو مسرح يحاكي مسرح شكسبير ومخصص لإنتاج ودراسة أعماله - بتقديم 37 عرضا بـ37 لغة مختلفة.

ويشمل البرنامج الثقافي الذي أطلق عليه «غلوب تو غلوب» عروضا باللغة اليابانية، واليونانية، والإسبانية، والتركية، والكورية، وعدة لغات أفريقية مثل الشونا واليوروبا، علاوة على اللغات الهندية مثل الغوجراتية والهندية والاوردية، كما سوف تم تقديم عروض باللغة العربية من جنوب السودان وفلسطين.

وقال دومينيك درومغول، الذي يعمل كمخرج فني بمسرح غلوب، ويعد المسؤول عن فكرة وتنفيذ ذلك الإنجاز: «تتسم لندن بأنها مدينة متعددة الثقافات، ولقد أردنا أن نخاطب كل المجتمعات المختلفة».

إن اختيار 37 عرضا لتقديمهم في النهائيات ليس بالمهمة السهلة حيث وصفها دروموغول قائلا: «كانت عملية صعبة للغاية تعتمد على أهمية اللغات عالميا، حيث وضعنا في الاعتبار تاريخ علاقة كل دولة بأعمال شكسبير، فقد كانت بعض الدول على علاقة عميقة وطويلة بأعمال شكسبير حتى أصبحت أعماله من أهم الأساسيات في مسرح الدولة».

وتقوم فرقة «عشتار» الفلسطينية بعرض مسرحية «ريتشارد الثاني»، التي تبدأ أحداثها بأن يقوم الملك ريتشارد بعقاب ابن عمه بولينبرك والدوق موبراي. وعندما رحل عم ريتشارد، والد بولينبرك، قام ريتشارد ببيع الأرض التي ورثها عن عمه لكي يمول الحرب ضد آيرلندا. وبسبب تلك الخطوة التي لم تحظَ بالقبول، والتي قام بها ملك لا يحظى بالقبول هو الآخر، قام الناس بمساندة بولينبرك للإطاحة بريتشارد، والاستيلاء على السلطة.

وقبل العرض، قال الممثل رائد العيسى، الذي قدم شخصية غرين: «قدمت فرقة عشتار مسرحيات لشكسبير من قبل في فلسطين، ولكن الأمر يختلف هذه المرة لأننا الآن نقدم ذلك العرض في بلد شكسبير. ونشعر بالقلق من كيفية استقبال البريطانيين لنا كعرب يقدمون مسرحيات شكسبير، ولكننا نشعر بقدرتنا على تقديم ذلك العرض بطريقة متفردة ونأمل أن ينال ذلك استحسان البريطانيين».

وكان النص الذي قدمته الفرقة من ترجمة مصرية قديمة، وقد تم العمل على النص الجديد لمدة شهر بمساعدة كونال موريسون، وهو المخرج الآيرلندي للمسرحية، الذي لا يتحدث اللغة العربية. وقد ساعد تبادل الحديث بين المخرج باللغة الإنجليزية وفريق العمل باللغة العربية في إثراء تلك الترجمة من الناحيتين الشعرية واللغوية.

وقال موريسون: «عملت معهم على توضيح الحوار واللغة الدرامية لشكسبير. وقد جلس فريق العمل معا ليناقش ذلك ويتدرب عليه، ثم طلبت منهم ترجمة ذلك لي باللغة الإنجليزية مرة أخرى. واستمر ذلك الأمر مرات ومرات حتى تأكدنا من أن كل شيء على ما يرام».

وقال الممثل حسين نخلة، الذي قام بدور والد بولينبورك: «لقد اعتمدنا على نسخة مصرية قديمة لكي نعكس الواقع الجديد، في إشارة إلى ما يسمى بـ(الربيع العربي)، وقد امتد الأمر إلى ما هو أبعد من المنطقة العربية، ليتحدث عن الثورات والانتفاضات وعمليات القتل والدمار، وغير ذلك».

وتم الإشارة إلى تلك الأحداث في مشاهد كثيرة، ولكن كان أبرزها هو مشهد الاحتجاج الذي تعالت فيه أصوات الناس ضد الملك ريتشارد، حينما صرخوا قائلين: «نحن نريد بولينبورك». وكان المحتجون يرتدون أقنعة تخفي وجوههم بالكامل ما عدا أعينهم ويرفعون أعلاما كبيرة الحجم، في تجسيد لشكل وطاقة ما قام به الشباب المحتجون في العالم العربي خلال العام الماضي. إن هذه المشاهد التي تعكس السياسة في عالم اليوم تؤكد على أن مسرحيات شكسبير هي مسرحيات خالدة وتناسب كل مكان وزمان.

ولا تعد ترجمة مسرحيات شكسبير شيئا حديثا على معظم المتابعين، ولكن العرض الذي قدمته فرقة «عشتار» قد حظي باهتمام كبير لأنه يعرض على مسرح دولي ويتم عرضه بصوره المعاصرة، ناهيك عن أنه يعرض من خلال فرقة فلسطينية. وطوال أحداث المسرحية، تجلت عالمية شكسبير في الإشارات على الأحداث الدائرة في فلسطين والشرق الأوسط. وكانت الموسيقى التصورية اختيار موفق للغاية من قبل فرقة «الثلاثي جبران» الفلسطينية. وعمدت مصممة الأزياء راجحة الشاكري، التي تقيم في العاصمة البريطانية لندن، إلى المزج بين عدة أساليب، بما في ذلك الجلابية الفلسطينية التقليدية المطرزة. وقال موريسون، في إشارة إلى ملابس المسؤولين الحكوميين على وجه الخصوص: «لم نكن نريد أن نقول إن هذا العرض هو عرض فلسطيني، ولكننا أردنا أن نقدم صورة عامة عن الجيوش والأسر الحاكمة والملكيات في منطقة الشرق الأوسط».

وقد تجلى خلود وعالمية تلك المسرحية الإنجليزية التاريخية والسياسية في إمكانية ربطها بأي أحداث معاصرة، وعن ذلك يقول المخرج المسرحي دروموغول: «أعتقد أنه لا يمكن فصل شكسبير عن السياسية، حيث عاش شكسبير نفسه في حقبة مليئة بالأحداث السياسية، ولذا فقد كتب أعماله بدقة سياسية متناهية. وقد جمع شكسبير بين الثورة على السلطة الحاكمة وتملقها في نفس الوقت. وعلاوة على ذلك، يقدر الفلسطينيون شكسبير كفنان وكمعبر عن الأحداث الإنسانية وعن الناس والعلاقات الإنسانية ومشاعر الحب. إنه أفضل من يسرد الأحداث وواحد من أفضل الكتاب والأدباء على مر العصور. ولذلك، لا يمكن وضع شكسبير في قالب معين والادعاء بأنه مختص بالسياسة أو الفن أو الجمال أو المتعة، لأنه فنان شامل بكل ما تحمل الكلمة من معنى».

وقد طال انتظار هذا العرض المسرحي من قبل الجمهور، والممثلين أيضا. وبينما كنا نجلس بعيدا لكي نتجنب الأضواء، قال دروموغول: «المكان رائع ويعد نموذجا للمسرح العالمي ويتمنى أي فنان مسرحي في العالم أن يعمل هنا». إن هذا المكان المفتوح يسمح بقدر كبير من التواصل بين الممثلين والجمهور والأجواء الخارجية. وعندما بدأ العرض، قام الملك ريتشارد بمصافحة المشاهدين على حافة المسرح، ومرت إحدى طائرات الهليكوبتر من فوق الرؤوس خلال العرض في طريقة تعكس الاضطرابات الحكومية، ولم يستطع الملك أن يرفع صوته فوق صوت الطائرة، ولكنه تفاعل مع ذلك بشكل رائع.

وقال رائد العيسى: «المكان له سحر وبريق خاص. ومن الرائع أن يأتي الناس إلى هنا منذ مئات السنين لمشاهدة مسرحيات شكسبير. وفي الحقيقة، يتمتع هذا العرض بالقوة القادرة على جذب المشاهدين، بسبب أداء الشخصيات وطريقة سرد الأحداث».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال