الاحـد 02 صفـر 1434 هـ 16 ديسمبر 2012 العدد 12437
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

تونس: مهرجان الخرافة يحيي التراث الشفوي

مديرة المهرجان: ما زالت للخرافة مكانتها في هذا العصر

تونس: المنجي السعيداني
يجلس الراوي غالبا في موقع مرتفع عن بقية الحاضرين ويتخذ مكانا وسطا بين أناس يريدون العيش في عالم من الرواية والسحر، وتتسع الدائرة لتشمل وجوها من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية. تشرئب الأعناق وتتأثر لما يقوله الراوي (الحكواتي) وما ينطبع على وجهه من علامات الفرحة أو الغضب أو الشدة. وتحبس الأنفاس مع سير حكاية البطل الذي قد يذهب لمواجهة الأهوال. إنه عصر البطولة والزعامة وقيادة عموم الناس نحو التحدي. هكذا كانت إحدى جلسات مهرجان الخرافة في تونس في دورته الخامسة التي بدأت أول من أمس (الجمعة) في النادي الثقافي الطاهر الحداد ويستمر هذا المهرجان الذي ترك انطباعا في البداية أنه يدعم الخرافة بالمعنى السلبي أي «الشعوذة»، وما تبعها من تمائم اتضح بعد تقديم برنامجه أنه يحاول أن يحيي جانبا من التراث الشفوي التونسي وتحديدا الحكاية الشعبية بعالمها الساحر. الحكاية العجيبة مثل السير في عالم السينما المدهش، فعن طريق الكلمة ترسم الصورة الكاملة للأبطال ولمختلف الشخصيات.

في هذا السياق، قالت هدى بوريال مديرة مهرجان الخرافة في حديثها مع «الشرق الأوسط» إنه على العكس من الاعتقاد السائد فإن للخرافة بمعنى الحكاية الشعبية المعتمدة على الخيال الواسع مكانتها في هذا العصر، فهي تحيي تقاليد الاجتماع وتبعد شبح الانعزال والانكفاء على النفس. وأضافت بوريال كذلك أن اكتساح وسائل الاتصال الحديثة لحياة الناس قد قلص من اجتماعية العلاقات الإنسانية، واعتبرت أن الخرافة قد تمكنت من مواكبة أجيال من التونسيين ومكنتهم من عناصر الحكمة وهيأت الكثير منهم لدخول الحياة بمبادئ وقيم ما زالت ترافقهم في علاقاتهم مع الآخرين.

وفي باب تربية الناشئة على المبادئ الإنسانية، قال الممثل التونسي مراد كروت الذي يشارك بحكاية «الذكاء يحضر ويغيب»، لـ«الشرق الأوسط» إن الشخصيات التي ينسجها «الحكواتي» في الشرق أو «الفداوي» في تونس غالبا «ما تجيب الأطفال الصغار وربما حتى كبار السن عن تساؤلات عميقة لا يجدون لها جوابا. وقد تفتح الحكاية الأبواب أمامهم حيث يتمكنون من الوصول إلى حل لأعوص المشاكل.. فالخرافة تتناول مواضيع الخير والشر وتتحدث عن الحب والكراهية، وعن الغيرة والصراعات بين الإخوة.. كما تنتبه إلى المرحلة الانتقالية من عالم الأطفال الصغار إلى عالم الكبار.. وفي كل هذه المسائل يمرر الراوي عبر الخرافة رموزا يستبطنها في مرحلة أولى ثم يفكك رموزها فتكون جانبا من شخصيته، ويتمكن في مرحلة لاحقة بعملية بسيطة من تجاوز مخاوفه وحيرته وتساؤلات».

وفي الدورة الخامسة لمهرجان الخرافة تفتح الأبواب لمشاركة مجموعة من نجوم المسرح التونسي من أصحاب التجربة في نسج الحكاية وتضم قائمة المشاركين بالخصوص مراد كروت ورائدة مزيد وسوسن كانون والشاذلي الورغي وإكرام عزوز والبغدادي عون.

ويشهد المهرجان ورشة تكوينية في فن سرد الحكاية تشرف عليها الحكواتية الفلسطينية دنيس أسعد. كما تعاون النادي الثقافي الطاهر الحداد بالعاصمة التونسية خلال هذه الدورة مع نادي الحكاية بصفاقس (350 كلم جنوب العاصمة) وسجل مشاركة مجموعة من الممثلين من بينهم رائدة مزيد وسوسن كانون وسنية بن عمر بخرافات تقدم بفضاء النادي إضافة لمشاركة أسماء أخرى في ورشة تهتم بفن سرد الحكاية.

وفي إطار التنشيط الخارجي للمسلك الثقافي لمدينة تونس العتيقة يسجل المهرجان انفتاحا على فضاء «مقهى الشواشين» (نسبة إلى لباس الشاشية) التونسية، وكذلك ساحة بئر الأحجار. ويكتشف الزائر لتلك الفضاءات الثقافية معرض أقنعة لشخصيات خرافية عرفناها من خلال خرافات جداتنا أو قصص الأطفال المستوحاة من روح الخرافة الشعبية. ويضم المعرض أقنعة صممها وجسدها العرائسي التونسي محيي الدين بن عبد الله، وقدمها في صياغة فنية تشكيلية على ارتباط بعالم الخيال فكأنك تزور مدينة عجيبة غريبة تعكس فيها الأقنعة حياة الناس بكل خفاياها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال