الثلاثـاء 10 ربيـع الثانـى 1435 هـ 11 فبراير 2014 العدد 12859
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

رحيل الشاعر اللبناني جوزف حرب صاحب «سأظل أفخر أني عربي»

غنت له فيروز ومارسيل خليفة ولحن له السنباطي

الشاعر جوزف حرب
بيروت: سوسن الأبطح
برحيل الشاعر الكبير جوزف حرب، يطوي الشعر اللبناني إحدى صفحاته الأكثر إشراقا. عن 70 عاما تركنا صاحب قصيدة «سأظل أفخر أني عربي» ومضى، فيما العروبة تتلوى ألما وجسدها مضرج بالدماء. سرقه المرض الذي عانى منه، في غفلة من محبيه، ومن الثورات العنيفة والانشغالات اليومية. لم يكن أحد مشغولا بما يعانيه جوزف حرب، وبزياراته المتكررة للمستشفى. الحزن كان كبيرا على أنسي الحاج، الرجل الذي توقف عن الكتابة واحتجب عن عشاقه، ويلازم السرير. الشعر اللبناني ليس بخير هذه الأيام.. عمالقته متعبون ومنهكون، سعيد عقل غائب عن المشهد هو الآخر بعد أن وصل إلى المائة عام.

رحيل صاحب ديوان «أجمل ما في الأرض أن أبقى عليها» نبه الغافلين إلى أهمية جوزف حرب، وكنوزه الأدبية التي خلفها. الرجل الذي يتحدث بصوت خفيض، ويلقي شعره بالأناقة التي تليق به، بقي يكتب حتى الرمق الأخير، لا بل زادته الأيام حرارة وحماسة، وجعلت شعره أكثر دفئا. العام الماضي، صدر له ديوان «قلم واحد في ثلاث أصابع»، وهو ديوانه السادس عشر وقبله «كم قديم غدا». الشاعر الرومانسي الحزين لم تزده الأيام إلا حزنا، ولم تزدد مواقفه من بعض الأمور إلا عنادا، وأسلوبه في العيش انتظاما.

جوزف حرب هو ابن بلدة المعمرية بقضاء الزهراني، ولد في الناقورة في الجنوب اللبناني عام 1944، لكنه تنقل صغيرا بين البترون وجبيل وبيروت بحكم عمل والده الذي كان دركيا. درس في «راهبات القلبين الأقدسين» في جبيل ثم في «المعهد الأنطوني». اشتغل معلما وأكمل دراسته ونال إجازتين جامعيتين في الحقوق والآداب وعمل بعد ذلك محاميا. وإن بدأ بالكتابة منذ الستينات، وصدرت مجموعته النثرية الأولى «عذارى الهياكل»، فإن ديوانه الأول «شجرة الأكاسيا» لم يصدر إلا عام 1986 عن «دار الفارابي» وبتشجيع منها.

بدأ تجربته في الإذاعة اللبنانية 1966 فقدم برنامج «مع الغروب» بصوته، ثم أعد برنامج «مع الصباح» حيث ألقت ناهدة فضل الدجاني قصائده بصوتها.

وعمل في التلفزيون، حيث كتب العديد من البرامج الدرامية التي لا يزال بعضها في ذاكرة المشاهدين مثل «أواخر الأيام»، و«باعوا نفسا»، و«قالت العرب»، و«قريش»، و«أوراق الزمن المر»، و«رماد وملح».

ولعل إحدى أهم المحطات في حياة جوزف حرب تعرفه إلى فيروز عبر عمله في الإذاعة عام 1976 حيث غنت له «حبيتك تنسيت النوم» وأغنيات أخرى، ثم كرت السبحة.

ومن بين تلك الأغنيات «إسوارة العروس» التي كتبها للجنوب اللبناني يوم كان تحت رحمة العسكر الإسرائيلي عام 1986، كما غنت له «ورقو الأصفر»، «زعلي طول أنا وياك»، «خليك بالبيت»، «رح نبقى سوا»، «أسامينا»، «لما عالباب»، «لبيروت»، «فيكن تنسو»، «البواب»، وكلها شهيرة وجميلة، كما غنى له مارسيل خليفة: «غني قليلا يا عصافير» و«انهض وناضل». وكذلك لحَّن له رياض السنباطي: «بيني وبينك» و«أصابعي». وانتخب جوزف حرب رئيسا لـ«اتحاد الكتاب اللبنانيين» من 1998 وحتى 2004.

له دواوين بالفصحى وأخرى بالعامية، وله في الصنفين من الإبداع ما جعله يتألق بصوره الشعرية الغنية، وبراعته التخييلية العالية، مازجا في دواوينه بين القصيدة النثرية والتفعيلة، ممارسا حريته الشعرية.

انسحب في سنواته الأخيرة بعد إقامة طويلة في بيروت إلى بيته الجنوبي، بعيدا عن الضجيج، مكرسا وقته للكتابة، وهو صاحب ما بات يعرف بأكبر ديوان شعر عربي إثر إصدار مجموعته الشعرية المحبرة التي تجاوزت 1700 صفحة.

نال العديد من الجوائز التكريمية؛ منها: «جائزة الإبداع الأدبي» من «مؤسسة الفكر العربي»، والجائزة الأولى للأدب اللبناني من «مجلس العمل اللبناني» في الإمارات.

من دواوينه بالفصحى «مملكة الخبز والورد» - دار الآداب 1991، «الخصر والمزمار» - دار الآداب 1994، «السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية» - «رياض الريس للكتب والنشر» 2000، «شيخ الغيم وعكازه الريح» - «رياض الريس للكتب والنشر» 2002، جزء أول بعنوان «قميصي الوزال قبعتي العصافير» 2002، جزء ثان بعنوان «كتاب الدمع»، ومن ثم «رخام الماء» - «رياض الريس للكتب والنشر» 2007.

ومن بين ما له باللغة المحكية «مقص الحبر» - دار الأمواج 1995، «سنونو تحت شمسية بنفسج» - «رياض الريس للكتب والنشر» 2004، «طالع ع بالي فل» - «رياض الريس للكتب والنشر» 2007، «زرتك قصب فليت ناي» - «رياض الريس للكتب والنشر» 2009.

نعاه «اتحاد الكتاب اللبنانيين»، كما نعاه وزير الثقافة اللبناني غابي ليون قائلا: «تفقد الساحة الأدبية اللبنانية أحد أهم أعلامها.. فقد أسهمت كتاباته في ترسيخ النمط الشعري اللبناني المغنى، إذ ارتبطت قصائده بصوت الكبيرة فيروز، وأهلته وفرة شعره ليكون صاحب أطول قصيدة وأضخم ديوان شعري في العالم العربي: «المحبرة».

يقول جوزف حرب في ديوانه: «أجمل ما في الأرض أن أبقى عليها» وكأنه يودعنا:

عندما قلنا لموتانا:

* انهضوا

* إنا كشفنا سر

* هذا الموت في الأرض أخيرا

* نهضوا

* لم يجدوا الأبيض فينا

* لم نكن أجنحة أو دويات!

* لم نكن ماء أيادينا

* ولا كنا طحينا أو

* بنفسج

**

* دوران الأرض ما زال طوافا

* حول شمس

* الخبز والورد

* إنا نتلوى ليس خصرا راقصا

* بل ألم مر

* كبحر يتموج

* ليس في الأرض لعيد نايه

* أو لعروس

* نقر دملج:

* هتف الموتى وقد حنوا

* إلى الأسود فيهم

* يا غياب

* ثم لفتهم

* عباءات الضباب

* دخلوا الأضرحة استلقوا

* على الأكفان فيهم

* وتغطوا بالتراب

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال