الثلاثـاء 04 محـرم 1431 هـ 22 ديسمبر 2009 العدد 11347
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

موسيقي أعمى يقود فرقة نسائية في إيران

تضم عازفات كمان وأخريات تعزفن على السنطور والطبال داخل صالون منزله

حققت الفرقة نجاحا كبيرا محليا وأقامت العشرات من الحفلات المحلية وتحلم بأن تقيم حفلة خارج البلاد (لوس أنجليس تايمز)
شيراز (إيران): بورزو داراغاي*
تتجمع مجموعة من الشابات كل يوم جمعة في منزل رجل أعمى بمنطقة نائية داخل مدينة نائمة كانت مشهورة بشعرائها. ويفرغن آنية بها خشب وخيوط، ويضعنها على أذرعهن. ومع انتهاء ساعات الظهيرة، يملأن الحارات بالغناء.

باهار... يا ابنتي، استيقظي! ارسمي ابتسامة حلوة وألهبي المشاعر إنها كلمات أغنية قديمة، تجمع بين الحزن والأمل عن فتاة تدعى باهار، ويرادف هذا الاسم في اللغة الفارسية مع موسم الربيع.

ويقود الرجل ذو الشعر الأشيب، الذي يرتدي نظارة شمس داكنة، فرقة موسيقية نسائية بها عازفات كمان وأخريات تعزفن على السنطور والطبال داخل غرفة الصالون بمنزله. ولن يرى علي جعفريان يوما الإيشاربات المطرزة الرائعة أو ابتسامات الفرح المرسومة على أوجه نحو ثلاثين شابة أمامه. ولكنه يسمع كل نغمة وقرعة طبل وقهقهة، ويشعر بالتوتر الكامن في كل فترة راحة، فالعاطفة تلتهب مع علو الصوت. ولذا، تعود الفتيات أسبوعا بعد أسبوع وعاما وبعد عام ويجتمعن. إنه أب وقائد، ومعلم وعاشق. وتستوعب الفتيات ما يقول ويكافحن نحو ما يردن. ومع أنهن يجتزن دروبا شتى ليصلن إلى هذا المكان، ويعشن أنماطا حياتية متباينة، تظهر أوجه التشابه عندما يسرعن في الدلوف إلى هذا المكان في تمام الثالثة بعد الظهر من يوم الجمعة، ويخلعن معاطفهن ويحيّي بعضهن بعضا بإشارات الثناء والقبلات. وتقول هيلين بارتشامي، وهي عازفة كمان في العشرينات من عمرها: «لدينا شيء نقوله في عالم الفن، بغض النظر عن حجمه الصغير. وتمثل الأداة الموسيقية قوة لنا، إنها منطقة نفوذ، إنها الحرية لروحي. وعندما أعزف هنا أفخر بكل النساء هنا. لا يعزف هنا سوى النساء. ونبين أننا يمكننا الوقوف على أقدامنا».

وتظهر قصة جعفريان وفرقته الموسيقية النسائية قدرة الفن على التغيير والإلهام والتواصل. ويقول جعفريان: «لا يمكن أن يقف شيء في طريق التقدم، حتى لو كان العمى».

بل لقد ظهرت فرقته النسائية فقط لأنه أعمى. وبصورة طبيعية، يستاء معظم الأشخاص في هذا المجتمع التقليدي من فكرة أن يقضي رجل، موسيقي، ساعات الظهيرة يوم الجمعة مع شابات لا توجد بينه وبينهن صلة قرابة، حتى لو كانت زوجته معه. ويقول جعفريان: «ما كانت السلطات ولا العائلات لتسمح لفتياتها بالحضور، وكنت سأواجه مشكلات مع عائلتي نفسها».

وعلى الرغم من أن صالونه يعد منطقة محمية من القيود الإسلامية والتقاليد العرفية، فإن القيود قابعة من وراء الباب، حيث يقوم جعفريان بتدريب النساء ولكن لا يُسمح له بحضور العروض التي يقمن بها. ومنع زوج مغنية حصلت على جائزة من حضور التدريب، بعد أن تزوجا أخيرا.

وينحّي جعفريان والشابات هذه القيود جانبا، وهي جزء من الأشياء التي طالما أثقلت كاهل الشعراء والفنانين الإيرانيين، الذين تعلموا على مدار قرون تجنب مقصلة الملكية أو فتاوى رجال الدين.

ومنذ أيام عمر الخيام، يرى شعراء إيران والحالمون بها أن مأساة هذه البلاد لا يمكن الإشارة إليها عبر الكتب أو طبعات الصحف الناطقة باسم الدولة، ولكن يجب أن تظهر عبر الأغاني البطيئة ذات الإيقاع الحزين والنثر المتعدد الطبقات والأعمال الزيتية المصغرة التي تصف مشاهد الحنين والفرص الضائعة والخيانة.

ويقول جعفريان: «الفن علم وعاطفة، وسوف نبذل قصارى جهدنا كي نبقي هذا البصيص من الفن مضيئا في شيراز».

وقد فرض العمر قيوده على مشيته التي كانت مفعمة بالحياة إذ يبلغ من العمر 72 عاما، وذلك فهو يتحرك ببطء وبخطوات محسوبة ويرتكز على عصا مشي بينما يدير الفريق الذي ينشد أغاني إيرانية كلاسيكية أو تقليدية لفرق كبرى على مدار العقود. ويقول: «خلال هذه الأعوام الاثني عشر دفعت مقابل كل شيء بنفسي. يأتي ثلاثون شخصا إلى منزلك ويأكلون ويشربون. إن ذلك يتكلف أمولا. ولم أحصل على فلس واحد من ذلك».

يبتسم ويقول: «لا أعرف هل أنا عاشق أم مجنون!».

كان في الرابعة عشرة من عمره عندما تعثر على سلم داخل منزل العائلة في طهران، وأصيبت عينه بعد اصطدم رأسه برف. ولم تفلح عملية جراحية في إعادة عينه، ولكن بدلا من أن يعود النور إلى عينه تسببت العملية في عمى دائم لكلتا العينيين. وألحقته أمه بمدرسة للمكفوفين، وفيها تعلم طريقة برايل.

وكان يريد في البداية أن يكون نحاتا، ولكن شجعته أمه على يكون عازفا موسيقيا، حتى لا يعوقه فقدان بصره. وبدأ جعفريان عمله منذ وقت طويل، وأصبح عنصرا محوريا في ساحة الغناء داخل طهران خلال العقود التي سبقت الثورة الإسلامية عام 1979، وألّف أغان وأقام حفلات وعاشر النجوم خلال أيام العظمة والتألق. عندما كان الجمهور المعطر المتألق يحتشد داخل المسارح في حفلات موسيقية يدعمون مغنين مثل المغنية مرضيه، التي كانت أول من جعل «باهار» أغنية رائجة في الستينات من القرن الفائت:

ابنتي... زهرتي الصغيرة الجميلة جاء الربيع عندنا وبعد ذلك نشبت الثورة، وحاول رجال الدين إلغاء جميع أشكال الموسيقى في ما عدا الموسيقى الدينية والموسيقى العسكرية. وتوقفت مرضيه عن الغناء، وكما هو الحال مع آخرين، عاشت في المنفى.

وأصبح جعفريان منعزلا في هذه البلدة، وأعطى دروسا خاصة للشباب في شيراز. ولكن عندما خفت القيود المفروضة على الموسيقى خلال التسعينات، واتته فكرة تشكيل فرقة موسيقية. واشتكت الزوجات إلى جعفريان من أن أزواجهن يقضون وقتا طويلا جدا بعيدا عن المنزل. ويقول جعفريان: «أدركت أن الطائفة الوحيدة الممنوعة من الموسيقي والغناء هي النساء».

وعلى مدار الوقت حققت الفرقة نجاحا كبيرا محليا وأقامت العشرات من الحفلات هنا وفي العاصمة الإيرانية طهران، وتحلم بأن تقيم حفلة خارج البلاد. علا صوت جعفريان بأسماء الفرقة، إنهن فتيات رائعات الجمال يلبسن أفضل ما لديهن. ويقول القائد إنه «يجب أن يكون منظر العازف طيبا. نعم، حتى خلال البروفات».

واقتربت عازفات الكمان منه واحدة تلو الأخرى يؤدين ألحان بأدواتهن الموسيقية أمام أذن تمرست على مدار العقود. وأخذت عازفات الدف مقاعدهن ومعهن دفوفهن إلى جانب صف من العازفين يمسكون بأدوات السنطور. وتقول عازفة البيان باهاره راجيا (31 عاما) إنها تركت الفرقة لمدة ثلاثة أعوام كي تنهي رسالة الماجستير في العمارة وتزوجت. وبعد ذلك شعرت بالحنين إليها. وقال لها زوجها: «كنت تقضين يوم الجمعة بصورة أفضل»، مشجعا إياها على العودة إلى الفرقة الموسيقية. وذات يوم، اعترف زوجها بأن لديه رغبة في أن يتعلم الغناء وسجل اسمه للحصول على دروس خاصة مع جعفريان. وقالت: «هذه المساحة لها شعور خاص جدا، إنه مكان دافئ للغاية وجميع الناس هنا أصدقاء. نحن نشتاق إلى يوم الجمعة».

وهناك تساهل على نطاق واسع مع الأغاني الكلاسيكية والتقليدية التي تنشدها الفرقة الموسيقية. وتتفق السلطات مع التقليديين مثل جعفريان وفرقته على أن التهديد الأكبر يأتي من «البوب» و«الراب» و«الهيب هوب» التي تأتي على الدين والعرف بين الشباب. وينظر معظم الشباب الإيرانيين إلى الأغاني التي تنشدها الفرقة على أنها رومانسية بصورة ميؤوس وليس بها الجديد. ولكن بالنسبة إلى هذه الفرقة النسائية فإن الموسيقى تعطي لهن فرصة للتميز.

يوجد على حائط بغرفة المعيشة الخاصة بجعفريان لوحة من عمل بيتهوفن، بالإضافة إلى صور شاحبة لمواقف مختلفة في حياته، ودرجات شرفية وشهادات تقدير نالها. وحقق أردافان، ابن جعفريان، النجاح في العمل الموسيقى المتميز وهو منتج ناجح في طهران. وتقول المايسترو بوران دوخت (64 عاما)، زوجته ومصدر إلهامه، إن جعفريان حاول في إحدى المرات أن يجعل البروفات مرة كل أسبوعين، ولكن اعترضت الموسيقيات. وتضيف: «تشعر الشابات بالكآبة ويُصَبن بالإحباط، فهناك قضايا عائلية واجتماعية. ولكن يعشن هنا بمنظر مختلف، حيث ترى الضحكات والمرح، وترى العزيمة والاهتمام».

طرق جعفريان بيديه على منصة الموسيقى الخاصة به، فتوقف الهمس وانتبهت العازفات. وبإشارة قوية من يدَي جعفريان، بدأ الغناء:

باهار، يا ابنتي! الربيع قادم ومعه الأزهار وبسمة على الوجوه جميعا ضربت أقدام العازفين الأرض، ورفعت المغنية دورنا محمودي رأسها ناحية السماء رافعة يديها مع كل فقرة تصعيدية.

وأمسكت عازفات الدف بالدفوف، وضربن عليها بحرص وتمايلن مع الإيقاع، وعزفت عازفات السنطور على أدواتهن، أما عازفات الكمان فركزن أعينهن على العلامات الموسيقية، وأطرق القائد الأعمى برأسه بينما حرك ذراعيه.

وطغى صوت محمودي المملوء بالمرح والأمل على اليأس المتضمَّن في كلمات الأغنية. لقد كتب الشاعر الراحل فريدون مشيري أغنية «باهار» قبل عقود ليواسي صديقه المبتلى الملحن فرهد فخر الدين، الذي ماتت ابنته المراهقة بسبب المرض في ربيع حياتها:

استيقظي! جاء الربيع عندنا

* خدمة «لوس أنجليس تايمز» خاص بـ«الشرق الأوسط»

التعليــقــــات
mustafa، «الكويت»، 22/12/2009
بسم الله الرحمن الرحيم عنوان المقال(موسيقى كفيف وليس اعمى هداكم الله) شكرا.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال