الاحـد 10 محـرم 1434 هـ 25 نوفمبر 2012 العدد 12416
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

متحف «ليتون هاوس» يستضيف قاعة ضياء بطل للعزاء في ضحايا سوريا

بين التعبير البصري والواقع السياسي القاسي

اسماء ضحايا سوريا على جدار القاعة الشرقية في متحف ليتون هاوس
لندن: شيماء بوعلي
يعتبر متحف «ليتون هاوس» في لندن أحد تلك الأماكن التي تملأ الشخص بالشعور بالرهبة عند الدخول إليها، فعلى يسار المدخل يلاحظ الزوار على الفور ذلك السقف الكبير المرتفع. أما ما يشار إليها بـ«القاعة العربية» فتتزين جدرانها بآلاف من البلاطات الزرقاء المزخرفة التي يعود تاريخها للقرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، والتي تحيطها ديكورات السقف الذهبية العريضة، وتعلوها المحاريب المقوسة والمقببة التي تجلب الكثير من الزوار للمتحف. يعكس هذا البلاط، الذي أحضره فريدريك واللورد ليتون من دمشق إلى لندن في القرن التاسع عشر، رؤية ممتازة للروائع الشرقية المذهبة ذات الألوان اللامعة والغنية والمتماثلة والمضيافة.

لكن هذه القاعة قد تحولت في الوقت الحالي لتصبح جزءا من التاريخ السوري، فحتى يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي تقوم الفنانة ضياء بطل بتركيب معدات سمعية وبصرية محددة على هذا البلاط السوري التاريخي لإخبارنا بأمور كثيرة عن المآسي التي تحدث حاليا في سوريا.

عادة ما تكون هذه القاعدة هادئة ومتلألئة، لكنها أصبحت الآن معتمة، حيث يغطي الفينيل الأسود كل البلاط، بينما يبدو الصوت المحيطي مماثلا للأصوات التي نسمعها في جنازات الشهداء. وهناك ثلاثة كراسي تدعو الزوار للجلوس عليها في خضم هذا المناخ، حيث تم تحويل «القاعة العربية» في الوقت الحالي إلى «قاعة حداد». وإذا أمعن الشخص النظر إلى اللون الأسود الذي يغطي هذا الفراغ، فسيجد أن كل مساحة من هذا الفراغ مكتوبا عليها اسم أحد الأشخاص الذين استشهدوا في المعارك الحالية من أجل الحرية والكرامة في سوريا، والذين يزيد عددهم على 37.000 شخص.

وإلى الأسفل من أسماء هؤلاء الشهداء، توجد بعض التواريخ الخاصة بميلادهم ووفاتهم، مثل عبد السلام الجرجاوي (1975 – 2012)، وقمر حلاج (2001 – 2011)، والأشقاء الثلاثة الصغار علي ونجم وثناء عكارة الذين كانت تفصل بينهم أعوام قليلة من العمر. وإذا واصلت السير داخل القاعة فسوف تجد أن بعض البلاطات لا تحتوي على تواريخ، بينما تظل بعض البلاطات سوداء تعبيرا عن آلاف الشهداء من مجهولي الهوية.

يهدف هذا العمل إلى إحياء ذكرى الأشخاص الذين قضوا نحبهم وحرمتهم السلطات السورية من الحصول على جنازات. يؤدي الإنصات إلى الأصوات والنظر إلى الأسماء والتمعن في كل بلاطة على حدة إلى إحساس الشخص بنوع من الخسارة واستحضار رد فعل غريزي تجاه الأخبار التي تشعرنا بالخدر.

ضياء بطل هي فنانة ومصممة مقيمة في لندن، وعادة ما تستخدم عناصر المساحة والأشياء المحيطة في عملها. وفي الآونة الأخيرة، قادتها تجاربها مع النصوص والكلمات المكتوبة إلى عمل مجموعة من قطع الأثاث الرائعة، والتي يتم عرضها في متحف «ليتون هاوس».

التركيبات التي تم وضعها في قاعة الحداد، لا سيما تلك التي وضعت بتكليف خاص من «مهرجان نور» و«مجلس الفنون»، مستوحاة من مشادة كلامية جرت مع أحد الرجال السوريين المدافعين عن نظام الأسد. وكرد فعل للشعور بالظلم، بدأت بطل في تجميع أسماء القتلى في الثورة السورية. وفي نهاية المطاف، جاء هذا العمل في شكل احتجاج، حيث قامت بطل وعدد قليل من أصدقائها بكتابة أسماء الشهداء على طائرات ورقية وإلقائها إلى داخل مبنى السفارة السورية في لندن.

وتؤكد بطل أن هذا العمل كان على الأرجح أكثر أعمالها الفنية التي آلمت قلبها بشدة، حيث كانت مضطرة لمشاهدة ساعات طويلة من مقاطع الفيديو الموجودة على موقع «يوتيوب» لمطابقة أسماء الشهداء مع الأعداد الغفيرة من الضحايا مجهولي الهوية. تقول بطل «تجوب لجان التنسيق المحلية التي توجد في كل المناطق السورية الشوارع بطول سوريا وعرضها، لتوثيق أسماء السجناء والمعتقلين والشهداء. إن عدد مقاطع الفيديو التي يمكنك العثور عليها لأمر يبعث حقا على الصدمة».

وبينما كانت بطل تقوم بعمليات البحث، أصبح موضوع الحداد أكثر وضوحا، حيث تقول «لقد شاهدت بعض مقاطع الفيديو لأشخاص يقومون بدفن الجثث بصورة سريعة ليلا في جنح الظلام مستخدمين المصابيح الكهربائية. هناك أيضا قصص أخرى حول أناس تم دفنهم في المزارع نظرا لأن عائلاتهم لم تكن تريد أن تقوم قوات الأمن والشبيحة باستهداف الجنازات، بينما جرى دفن آخرين في الحدائق العامة والمتنزهات. وفي كتابها الذي يحمل عنوان (امرأة وسط نيران متقاطعة)، تقول سمر يزبك إنها كانت تذهب لإبداء احترامها للمقاتلين السوريين، لكنها لم تكن تستطيع المكوث لأكثر من خمس دقائق كي لا تلاحظ قوات الأمن السورية حدوث شيء ما».

تعرف بطل على وجه الدقة القصة الخاصة بكل اسم من الأسماء السبعين التي تغطي جدران المتحف، وتتذكر تلك التصرفات عديمة الرحمة التي جرت أثناء جنازة باسل شحادة، وهو مخرج سينمائي سوري استشهد في حمص، حيث تقول «لم تستطع عائلته العودة بجثته إلى دمشق، لذا قاموا بدفنه في حمص. كانت عائلة شحادة المسيحية ترغب في إقامة قداس على روحه في الكنيسة، لكن الشبيحة اكتشفوا هذا الأمر وقاموا بوضع ورقة على باب الكنيسة تقول إنه جرى إلغاء القداس نظرا لأسباب مرضية، وهو ما لم يكن صحيحا بطبيعة الحال. لذا بدأ أصدقاؤه في الاحتشاد لإقامة القداس الجماعي في الشوارع، وهنا قامت قوات الشرطة بإلقاء القبض عليهم واحدا تلو الآخر. وفي نهاية المطاف، أقام الأصدقاء العزاء في منزل العائلة، بينما كانت قوات الشبيحة تقف خارج المنزل تردد شعارات مؤيدة للأسد».

وعندما يقف الشخص في وسط القاعة وينظر إلى الأسماء، التي تمت كتابتها بصورة تحمل الكثير من الاحترام الذي لم يحظ به هؤلاء الشهداء في وطنهم، يجد الشخص نفسه ينظر إلى كل واحد منهم باعتباره إنسانا مستقلا وليس مجرد رقم مجهول يزيد باستمرار بمرور الأيام. وعند سماعنا للأصوات المحيطة، التي قامت بطل أيضا بتحميلها من على موقع «يوتيوب»، نكون قد أبدينا بعض الاحترام والتقدير لهؤلاء الأشخاص الذين حرموا وعائلاتهم بصورة وحشية من أي مظهر من مظاهر الاحترام والتقدير.

تحولت الجنازات إلى شكل آخر من أشكال المقاومة، حيث أصبحت الكرامة، حتى بعد الموت، مصدرا آخر من مصادر العزة. يستمر الصوت المتكرر المصاحب للعرض، مما يضفي على العرض لمسة مخيفة من الأشياء التي يحق لكل إنسان الحصول عليها وتحتاجها كل عائلة كشعيرة لتخفيف المآسي التي تشعر بها. لقد أصبح هذا الحق بمثابة الترف بالنسبة للأشخاص الذين يتصدون للوحشية التي تحدث الآن في سوريا.

يبكي أحد الرجال قائلا «سكابة يا دموع العين سكابة على شهداء سوريا وشبابها»، وهي إحدى أغاني الحداد القديمة التي تمت إعادة صياغتها لتكريم شهداء سوريا، حسبما توضح بطل. وتقول «وعقب المظاهرات يتجمع الناس في الليل في ساحات المدن ممسكين بأيدي بعضهم البعض، حيث يقوم أحدهم بالغناء ويردد الجميع من خلفه للحداد على الشهداء الذين لقوا حتفهم في هذا اليوم والاحتفال بمثابرتهم في خضم هذه الأحداث. يمكنك العثور على مقاطع فيديو لمثل هذه التجمعات تم تصويرها في مختلف المدن والقرى السورية. وفي نهاية المطاف، يردد الجميع (حرية.. حرية.. ما راح نركع)».

وتضيف بطل «يظهر مقطع فيديو آخر رجلا وهو يقول: (شباب! أم الشهيد محمد تاهت، بدنا نعلي الصوت علشان تسمع)، ثم يقومون جميعا برفع أصواتهم لإسماعها لأن ابنها قد استشهد اليوم وهم يريدونها أن تسمعهم وهم يكرمونه».

من الصعوبة بمكان النظر إلى هذا العمل المؤثر والمدروس جيدا، على الرغم من جماله، نظرا للواقع المجرد الذي يعتمد عليه، حيث يضع هذا العمل المشاهد داخل المساحة الحرجة للسؤال الذي يطرح نفسه الآن حول علاقة الفن بالسياسية: أي بين التعبير الذي يتم الإحساس به بصريا والواقع السياسي القاسي والقبيح المليء بالآلام والموت.

يعطي النص الجميل الذي كتبته بطل الاحترام والتقدير للأسماء التي قامت بكتابتها، ويعد أيضا بمثابة شاهد القبر الذي حرموا منه. وبهذه التفاصيل التي يحتويها، يهدف هذا العمل المدروس للغاية والذي فيه إنكار للذات إلى تكريم ذكرى كل شهيد بالاسم، فضلا عن أنه يذكرنا أيضا بآلاف الشهداء الآخرين مجهولي الهوية الذي غادروا هذا العالم بسبب تمسك نظام الأسد بالسلطة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال