السبـت 13 ربيـع الاول 1434 هـ 26 يناير 2013 العدد 12478
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سوق «بورتوبيللو» الشهيرة في لندن ومحاولات لتغيير معالمها التاريخية

الصناعات الصينية تغزو محلاتها وتبعد تحفها الثمينة من الرفوف.. وتحذيرات للعرب من المزيف

دنول بريغ أمام أدوات منزلية مصنوعة من الفضة (تصوير: عادل عبد الرحمن)
لندن: عادل عبد الرحمن
يشتهر حي «نوتينغ هيل» في وسط غرب لندن بأكبر كرنفال سنوي وأيضا بفيلم لجوليا روبرتس يحكي تفاصيل عن بعض أنماط الحياة في المنطقة، والأهم من ذلك هو شارع «بورتوبيللو» الذي يعتبر واحدا من شوارع التسوق المعروفة في أوروبا، وهو يعرف في المقام الأول باعتباره المكان الأمثل لشراء الأثاث العتيق، ولكن تباع فيه أيضا مجموعة متنوعة من السلع الرائعة. وللسوق أقسام أو تخصصات مختلفة ومنها قسم للمعدات الأثرية، وقسم للفواكه والخضراوات، وقسم السلع الجديدة، وقسم الأزياء، وسوق السلع المستعملة. ويذكر أن الجالية المغربية تعتبر أكبر جالية تسكن قرب السوق.

لندن لديها الكثير من الأسواق، ولكن «بورتوبيللو» تعد واحدة من أفضلها. السوق عبارة عن شارع طوله ميلان تبيع مجموعة واسعة من السلع والملابس والتحف والمواد الغذائية حتى، وسلع مختلفة في أيام مختلفة. وهي تفتح كل يوم ما عدا الأحد. وتوجد بها الآن أكثر من 1000 تاجر.

تتعرض السوق اليوم إلى محاولات لتغيير معالمها وتاريخها القديم بعد أن قام المالك الرئيسي لبعض المتاجر بتحديثها من شكلها القديم الذي كان يميزها عن باقي الأسواق في لندن وتأجيرها إلى متعاملين جدد وأيضا تشغيل السوق 7 أيام بما فيها يوم الأحد، حسب ما ذكره «كريس. جي» صاحب محلات لبيع المجوهرات ومتجر آخر لبيع اللوحات النادرة لـ«الشرق الأوسط».

وتلك الظاهرة حسب كريس أدت إلى تشريد الكثير من الباعة الصغار من عملهم وأيضا إلى تحويلها من أماكن لبيع التحف التي تعود إلى عهود غابرة في التاريخ، إلى محلات ملابس وحقائب يد ومجوهرات مقلدة صنعت في الصين.

وفي هذا الصدد يشير البعض إلى السيدة ماريون جيتليسون، 64 عاما، التي تعمل في تجارة التحف النادرة منذ 40 عاما لكنها الآن مهددة بالتوقف من عملها بعد أن وزعت منشورات ضد مشروع المالك الرئيسي لتحديث المتاجر لأنه يضر بصغار المتداولين الذين يمدون متجرها بالتحف و«الأنتيكات».

وقال كريس إنه قام بإجراءات قانونية ورفع دعوى قضائية كما قدم شكوى إلى مجلس المنطقة للدفاع عن التجار الصغار الذين فقدوا محلاتهم وأيضا حفاظا على تاريخ السوق. ولكن للأسف حسب تعبيره لم يجد أذنا صاغية، وأضاف: «إن المجلس المحلي لم يحرك ساكنا لأنه يستفيد من الضرائب».

ويحذر كريس السياح العرب ورجال الأعمال منهم بعدم الشراء من الأماكن التي استحدثت لبيع «الأنتيكات» التي تباع بأسعار رخيصة ومغرية للزبائن، ويقول: إن معظمها مقلد صنع في الصين.

وتعود خصوصية سوق «بورتوبيللو» للمباني الملونة التي ترجع للعهد الفيكتوري (أي الملكة فيكتوريا) وهي صممت أساسا بأحجام صغيرة للعمال الذين كانوا يعملون في إنشاء الطرق الجديدة في تلك الحقبة من التاريخ، وألوانها الزاهية الأصفر والأحمر والأخضر والأزرق تعطيها رونقا جذابا خاصة لزوار عاصمة الضباب. كل هذه العناصر تجتمع لتعطي سوق «بورتوبيللو» السمعة الدولية التي استحقتها، وهذا بدوره يزيد من نجاحها التجاري الساحق اليوم.

وعن تاريخ السوق يذكر «روي. ج» الرجل الثاني في وزارة الثقافة والإعلام والرياضة سابقا لـ«الشرق الأوسط» إن الحياة في سوق «بورتوبيللو» بدأت في أواخر عام 1860 عندما تم إنشاء الكثير من المنازل على الشارع. وكان تجار السوق يبيعون الطعام والبضائع المنزلية اليومية لكن التوسع الذي شهده الحي في تلك الأيام دفعهم إلى تطوير أدواتهم ومنتجاتهم، فجذبت السوق الكثير من التجار لبيع الأدوية والبضائع العامة. كما استقطبت فناني الشوارع مثل الراقصين الفلكلوريين والعازفين على الآلات الموسيقية، والمغنين، وأيضا الملاكمين غير المحترفين أي ما يعرف بـ«ملاكمي الشارع» لتقديم عروضهم مقابل أكشاك الطعام.

ويضيف روي «وحتى نهاية عام 1920 كان التجار يعملون فقط يوم السبت بسبب القيود المفروضة عليهم من قبل البلدية. ولكن بعد معركة ومطالبات طويلة تمكنوا في النهاية من أخذ الموافقة على إبقاء الأكشاك بكامل نشاطها في أيام الأسبوع الأخرى فازدهرت السوق».

وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 توجه الكثير من الرجال الخارجين من الحرب إلى سوق بورتوبيللو، فأنشأوا «أكشاكا» لبيع الأدوات المنزلية المستعملة والتحف و«الأنتيكات». وهنالك رجال يجمعون المستلزمات المنزلية غير المرغوب بها من الناس ويبيعونها للتجار. واشتهر هؤلاء الرجال في «بورتوبيللو» ببيع سلع ذات جودة عالية وبعضها بقيمة منخفضة، وهذا بدوره جلب التجار إلى الشارع فبدأ قسم التحف في السوق يزدهر كمقصد للعارضين والباحثين عن التحف. وفي وقت لاحق، خلال أواخر عام 1960 بدأ تجار الأزياء بالظهور في السوق تدريجيا.

ويقول دنول بريغ وهو تاجر متخصص في أدوات المطبخ المصنوعة من الفضة، 75 عاما، لـ«الشرق الأوسط» إن السوق تفتح كل يوم سبت على مدار السنة للمستلزمات القديمة بينما المحلات والمتاجر والمطاعم تفتح ستة أيام في الأسبوع. تدريجيا يبدأ يوم السوق بتوافد وتداول وحوارات بين التجار من جميع أنحاء المملكة المتحدة والخارج عند نحو الساعة 5:30 صباحا. ويصل معظم أصحاب الأكشاك الساعة السادسة لتبدأ السوق نشاطها بكامل طاقتها لبقية اليوم.

وأضاف بريغ «أن السوق بحيويتها ومحتوياتها الفريدة من نوعها تستقطب المهتمين بجمع القطع الفنية مثل: المنحوتات، والرسومات التشكيلية، والصناديق العتيقة، والأثاث، وحتى أدوات المائدة التي يعود بعضها إلى عقود مضت، وعصور سلفت. لهذا السبب فإن بورتوبيللو تعمل في كل طقس من مناخات لندن الباردة يجذب السياح من كل أنحاء العالم لأنها ثرية بالمقتنيات التي لا يمكن تفويت رؤيتها، والتأمل في تصاميمها، وما توحيه من مراحل تاريخية تحكي ثقافات الشعوب وتطور حياتها. كما أن المحلات والأكشاك في السوق تقدم مجموعة متنوعة من السلع غير العادية وبعضها استثنائي تتراوح في السعر من بضعة جنيهات إلى الآلاف، ولعل هذا هو ما يكرس المساومة على الأسعار كصفة راسخة لشارع بورتوبيللو».

«يأتي الزوار من جميع أنحاء العالم لأنهم يدركون أنهم في هذه السوق سيعثرون على أوسع تشكيلة من التحف والأنتيكات في بريطانيا. ولكن قسم الأنتيكات الشهير بمحتوياته وتجاره وزواره يشكل قسما واحدا من تجربة شارع بورتوبيللو».

تنقسم سوق شارع بورتوبيللو إلى ثلاثة أقسام رئيسية والتي تمكن السوق من جذب مجموعة متنوعة من الناس. القسم الأول يأخذ الزائر إلى عالم سحري غني بالتحف. يجد في هذا القسم عددا كبيرا من كنوز ثمينة ترجع إلى الأيام الغابرة. على سبيل المثال، يمكنك العثور على الأكشاك المتخصصة بالمجوهرات، والأثاث، وكتب الطبعة الأولى.

ولكن القسم الثاني من السوق متخصص في المأكولات والخضار، والفواكه، والبهارات، واللحوم. وفي استطاعة المتجول تذوق بعض المأكولات المكسيكية والهندية والإسبانية وحتى العربية وغيرها.

أما القسم الثالث من السوق فيضم أحدث تصاميم الملابس والإكسسوارات والحقائب. وتكتظ الأكشاك بالتصاميم العصرية والمبتكرة المصنوعة يدويا على أيادي فنانين لم تتح لهم الحياة الفرصة لإبراز الروائع التي يصنعونها.

ويحكى عن سوق بورتوبيللو أنها كانت بداية ولادة الكثير من المصممين العالميين. فقد اكتشفت محررة مجلة «فوغ» الأميركية المصمم النيجيري البريطاني دورو أولو في أحد أكشاك سوق «بورتوبيللو». واليوم تكتسح تصاميم دور وبيوت الموضة العالمية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال