الجمعـة 13 رجـب 1434 هـ 24 مايو 2013 العدد 12596
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سوق العلوي: طريق الحجيج المعتق بروائح التوابل والبخور

رحلة عبور من بوابات جدة القديمة عبر طرقاتها الضيقة والمتعرجة.. وأثر القوافل في ذاكرتها

زيارة جدة لا تكتمل من دون السير في طرقات سوق العلوي الضيقة المتعرجة
جدة: ياسر الأبنوي
كان طريقا مرصوفا بعناية وجمال، يستقبل مراكب الحجاج الراسية على ميناء جدة القديم منذ مئات السنين، فتأخذهم مسالكه الضيقة صعودا إلى باب مكة الذي كان منفذ مدينة جدة الشرقي حينها في اتجاه مكة المكرمة، وتتناثر على جانبيه محال التوابل والعطارة والبخور، وتطل عليه من عمق زمني عتيق بيوتات أشهر الأسر التجارية الجداوية الكبيرة.

لكن، لم تعد سوق العلوي اليوم مرصوفة بتلك الحجارة الزاهية التي تعكس معمارا بارعا، وتقدم صورة حقيقية لإحدى أقدم وأشهر الأسواق التي تحتضنها المنطقة التاريخية بمدينة جدة، حيث تتوسط المدينة بسورها القديم في المنطقة بين شارع قابل من الناحية الغربية وشارع سوق البدو من الناحية الشرقية كمنطقة تجارية كانت بمثابة نقطة لتجمع معظم التجار.

ورغم ما طال هذه السوق من تشوه وإهمال حالي، فإن زيارة جدة ورغبة العبور من بوابة تاريخها القديم لا تكتمل حقيقة من دون السير في طرقات سوق العلوي الضيقة المتعرجة صعودا، تلمس حيطان البيوت القديمة التي تقع على جانبيها، وتنشق بقايا روائح التوابل والبخور والملابس التي كانت حياة تلك السوق وتجارها القدامى، أو اقتفاء أثر قوافل جمال تحمل حجيجا كانوا ذات زمن شريان تلك الحياة ومصدر بهجتها ونهضتها وضجيجها.

وليس غريبا على أهالي جدة أن يصادفوا زوارا من أوروبا أو أميركا شدوا رحالهم لزيارة هذه السوق تحديدا، وغيرها من معالم جدة التاريخية، أو ما يعرف باسم «جدة البلد» التي يعود تاريخها - وفقا لبعض المصادر التاريخية - إلى عصور ما قبل الإسلام، بينما كانت نقطة التحول في تاريخها خلال عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما اتخذها ميناء لمكة المكرمة في عام 26هـ (647م).

ومن أشهر البيوت القديمة المطلة عليها «بيت ولي» و«بيت نصيف» و«بيت المتبولي»، وكانت النورية القديمة تبدأ في أوله من الناحية الغربية وتفتح على شارع قابل، وتمت إزالتها مع توسعة الشارع الجديد أواخر عام 1379، ويتفرع منه الكثير من الأزقة إلى داخل الحارات، ويرتاد هذه السوق سكان الناحية الشرقية من جدة لشراء متطلباتهم من ملابس ومواد غذائية وتوابل وحبوب متنوعة وكذلك الأواني المنزلية.

وتحتضن هذه السوق بعض أقدم المساجد في مدينة جدة، وأولها مسجد الشافعي، وهو أقدم مساجدها، وقيل إن منارته بنيت في القرن السابع الهجري الموافق الثالث عشر الميلادي، وهو مسجد فريد في بنيان عمارته؛ مربع الأضلاع ووسطه مكشوف لغرض مهام التهوية، وشهد المسجد أعمالا ترميمية لصيانته، وتقام به الصلاة، وكذلك مسجد عثمان بن عفان ويطلق عليه مسجد الأبنوس (ذكره ابن بطوطة وابن جبير في رحلتيهما) لوجود ساريتين من خشب الأبنوس على بنائه، وله مئذنة ضخمة، وتم بناؤه خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين، ومسجد الباشا الذي بناه بكر باشا بعدما ولي جدة عام 1735م، وكان لهذا المسجد مئذنة أعطت المدينة معلما أثريا معماريا، وقد بقيت على حالها حتى 1978م عندما هدم المسجد وأنشئ مكانه مسجد جديد، إلى جانب مسجد عكاش الواقع داخل شارع قابل غربا، حيث أنشئ قبل عام 1379، ومن ثم جدد بناءه عكاش أباظة، وتم رفع أرضية المسجد عن مستوى الشارع، فيصعد إليه المصلي عبر بضع سلالم، وهو في حال جيدة وتقام به الصلوات حتى اليوم، ومسجد المعمار الذي يقع في شارع العلوي غربا بمحلة المظلوم، وقد عمره مصطفى معمار باشا عام 1384، وهو كذلك الآن بحال جيدة وتقام فيه الصلاة، وله أوقاف خاصة به. ولأن سوق العلوي اشتهرت بأنها سوق العطارين واشتهر العطارون بها، فإنها تضم أشهر عطاري جدة، وأصحاب دكاكين هذه السوق من أهل البلد ومن الحضارمة، ومن أشهرهم التاجر محمد أبي بكر الزراعة تاجر الأقمشة الهندية، مثل الدوت والبفتة والعنبري والشراقي والعمائم، وفي عام 1290هـ تم تعيينه شيخا على هذه السوق.

ولأن المنطقة التاريخية روح مدينة جدة وذاكرتها الثمينة، وسوق العلوي هي القلب النابض لهذه المنطقة، فقد التفتت أمانة محافظة جدة خلال السنوات الأخيرة إلى الاهتمام بها بشكل خاص، فصدر قرار إنشاء بلدية مستقلة تحت اسم «بلدية المنطقة التاريخية» وتختص بجدة التاريخية، وتضم أحياء تاريخية مهمة في ماضي المدينة وحاضرها، مثل حارات المظلوم والشام واليمن والبحر، واختير لها موقع مركزي في سوق العلوي خلف بيت نصيف الأثري، حيث كان مقر حماية المنطقة التاريخية سابقا.

وتهدف هذه الخطوة التي خطتها أمانة جدة إلى إنقاذ المنطقة التاريخية بجدة وتسجيلها ضمن التراث الإنساني العالمي، وستتولى بلدية المنطقة التاريخية مهمات وضع الخطط والبرامج التطويرية للمنطقة التاريخية، والإشراف المباشر على المباني التاريخية، بهدف الحفاظ عليها من ناحية التأهيل والترميم، فضلا عن المتابعة والتنسيق لجميع المشاريع الخاصة بالبنية التحتية للمنطقة التاريخية، وتنمية الأنشطة الاجتماعية والثقافية، وإصدار التراخيص التجارية المتعلقة بها، ومراقبة جميع الخدمات البلدية فيها.

بسطات شعبية تفوح بالنفس الحجازي:

كانت البسطات المتناثرة على طول الطريق المرصوف الذي يقطع سوق العلوي، وما زالت، أيقونة معبرة في حياة السوق ومرتاديها؛ إذ هي تحمل إرثا يتجاوز بضاعتها المعروضة للبيع، بدءا من بسطات البليلة الجداوية الشهيرة التي يفوح منها نفس المطبخ الحجازي العريق، وبسطات باعة الكبدة التي تتزين بها السوق في شهر رمضان، مرورا بأنواع البخور والعطور والتمور والمكسرات التي تحملها عشرات البسطات التي تحتضنها السوق.

ولأجل كل هذا، حظيت تلك البسطات الشعبية ودورها البارز في المشهد التاريخي للمنطقة، باهتمام أمانة جدة، فبدأت توزيعها على المستثمرين الشباب من طريق القرعة وبمقابل مادي بسيط، وتسمح للبائع بمزاولة بيع المعجنات، والتمور، والبليلة، والحلويات الشعبية، والبهارات، والأجبان، والعطور، والبخور، والملابس، والخردوات، وحلويات العيد، والكبدة، وغيرها.

وقدمت أمانة جدة مبادرة تشجيعية للنساء؛ إذ منحت حوافز وتسهيلات للأرامل والمطلقات منهن للحصول على تراخيص بسطات السوق في شهر رمضان، فضلا عن توحيد تصميم البسطات ولونها وترقيمها، وتحديد نوع النشاط في كل مبسط. وتواصل أمانة جدة وبلدية المنطقة التاريخية التوعية بأهمية البسطات الرمضانية، والطابع الخاص والمميز الذي تشتهر به، وما تضفيه على المنطقة، وعلى سوق العلوي تحديدا، حيث تتناثر على طول طريقها الشهيرة الممتدة من عمق الماضي، فتستدعي أصوات باعتها وروائح مقلياتها وعطورها حواس المارة وخطواتهم، وقبل ذلك كله.. ذاكرتهم.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال