الثلاثـاء 21 ذو القعـدة 1430 هـ 10 نوفمبر 2009 العدد 11305
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

بنغلادش.. النجاح حليف المصرفية الإسلامية وأعمالها تتنامى خلال الفترة الحالية

تضم 6 مصارف إسلامية بشبكة كبيرة تقترب من 350 فرعاً منتشرة في البلاد

ازدهار المصرفية الإسلامية في بنغلادش ينتظر إقرار القانون (رويترز)
نيودلهي: براكريتي غوبتا
تحقق المعاملات المالية الإسلامية المزدهرة عالميا خطوات كبرى وأصبحت تحظى بشعبية متزايدة داخل بنغلادش، الدولة الجنوب آسيوية التي تعد ثالث أكبر دولة من حيث أعداد الغالبية المسلمة بها على مستوى العالم، حيث يشكل المسلمون أكثر من 80 في المائة من إجمالي سكانها البالغ عددهم 148 مليون نسمة. بعد خمس سنوات من عام 1978، عندما أوصت «منظمة المؤتمر الإسلامي» الدول الأعضاء بها (بينهم بنغلادش) بتطوير أنظمة مصرفية إسلامية بها، تأسس أول مصرف في بنغلادش يلتزم بمبادئ الشريعة الإسلامية، «بنك بنغلادش الإسلامي»، وذلك عام 1983. أما العقل المخطط وراء هذا المصرف فكان فؤاد عبد الحميد الخطيب، أول سفير سعودي لدى بنغلادش (1977- 1982)، حيث عمد السفير السعودي لتعبئة مجموعة من رجال الأعمال السعوديين ومن دول أخرى خليجية بهدف بناء هذه المؤسسة المالية ببنغلادش.

ومن بين المؤسسين الآخرين، الدكتور علي الغامدي، الذي عمل في السفارة السعودية في دكا خلال الثمانينات، ومع امتلاكه أكثر من 150 فرعا بمختلف أرجاء البلاد، تحول «بنك بنغلادش الإسلامي» إلى قصة نجاح مبهرة ونموذج يحتذى به أمام المصارف الأخرى.

وبالتأكيد لم يأت إنشاء المصرف سعيا للربح التجاري، ذلك أن جميع من شاركوا في تأسيسه أقدموا على ذلك انطلاقا من حبهم وشعورهم بالمسؤولية تجاه دينهم وإخوانهم في بنغلادش، ولم يكن النفع المادي في ذهن أي منهم، في الواقع، لم يتوقع أي منهم إحراز المصرف لمثل هذا النجاح الهائل. ورغم أن سوق المصرفية الإسلامية بدأت في بنغلادش اعتمادا على قاعدة موارد محدودة للغاية، فإنها شهدت نموا قويا على مدار العقدين الماضيين حتى اليوم.

وفي الفترة الحالية ومن بين إجمالي 48 مصرفا في بنغلادش، توجد 6 مصارف إسلامية تماما - تتميز بشبكة إجمالية تضم قرابة 350 منفذا عبر أرجاء البلاد-، بجانب 10 مصارف تقليدية بها منافذ إسلامية (تضم 21 فرعا). وتوظف الصناعة المصرفية الإسلامية أكثر من 14 ألف شخص، ما يمثل أكثر من ثلث مجمل العاملين في القطاع المصرفي الخاص وما يتجاوز عشر إجمالي الصناعة المصرفية على مستوى البلاد. ومع النمو الاقتصادي الذي تحققه، يستمر نصيب المؤسسات المالية الإسلامية في السوق في التنامي من حيث الأصول والأموال والودائع، طبقا للأرقام الصادرة عن «بنك بنغلادش»، المصرف المركزي بالبلاد، فإن إجمالي الودائع لدى المنافذ والمصارف الإسلامية في البلاد وصلت إلى 5.5 مليار دولار، بزيادة بنسبة 25 في المائة عن إجمالي الودائع لدى جميع المصارف الخاصة، وتبلغ نسبة استثماراتها 30 في المائة. يذكر أن معدل احتياطي السيولة لدى المصارف الإسلامية ثابت عند مستوى 10 في المائة منذ إنشاء «بنك بنغلادش الإسلامي» عام 1983. وظل هذا الوضع من دون تغيير حتى اليوم، بينما تبدل معدل احتياطي السيولة للمصارف التجارية التقليدية عدة مرات وثبت حاليا عند مستوى 18 في المائة. من ناحية أخرى، رغم استمرار افتقار بنغلادش إلى قانون كامل للصرافة الإسلامية بهدف السيطرة على التوجيه والإشراف على المؤسسات المالية المتوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية في البلاد، جرى دمج بعض بنود الصرافة الإسلامية داخل «قانون الشركات المصرفية» المعدل لعام 1991، ومن المقرر أن ينشئ بنك بنغلادش قسما خاصا لتنظيم التعاملات المتعلقة بسوق الصرافة الإسلامية. وعليه، فإنه في الوقت الراهن، تجري جهود التفتيش والإشراف على هذا السوق من قبل البنك المركزي بناء على الإرشادات العامة المرتبطة بالمصارف التقليدية. من خلال جهود مراقبة التزام المصارف الإسلامية بقواعد الشريعة الإسلامية، يتفحص بنك بنغلادش فقط تقارير مجالس الشريعة داخل كل مصرف على حدة. ويجري الإعداد حاليا لاضطلاع بنك بنغلادش بدور أكبر في تنظيم قطاع الصرافة الإسلامية داخل البلاد. تنبغي الإشارة إلى أن بنك بنغلادش بدأ العمل بالفعل على وضع «قانون الصرافة الإسلامية»، بدعم مالي من قبل «مشروع تعزيز البنك المركزي»، وهو قسم تأسس تحت رعاية بنك بنغلادش لصياغة وتنفيذ إصلاحات بالقطاع المالي الوطني. مؤخرا، قال وزير المالية في بنغلادش بأنه سيجري إقرار قوانين منفصلة لتنظيم المصارف العامة والأخرى الإسلامية في البلاد. وأعترف الوزير، إيه. إم. إيه. موهيث، في تصريحات له أمام مراسلين الشهر الماضي، بأنه لم يكن من الصائب دمج الصرافة الإسلامية والصرافة العامة معا، ذلك أن كلا النمطين من الصرافة يعانيان بعض الخلل جراء إدارتهما تحت مظلة قانونية واحدة. وأشار إلى أنه سيجري إقرار قوانين منفصلة للتخلص من نقاط الخلل تلك. من جانبهم، يعتقد خبراء ماليون أنه حال إقرار «قانون الصرافة الإسلامية» في بنغلادش، قد تشهد الأنظمة المصرفية الإسلامية مزيدا من الازدهار، وستتحول الصناعة في نهاية الأمر إلى التيار المالي الرئيس في البلاد. في هذا السياق، أعرب إم. عزيز الحق، الخبير البارز بمجال الصرافة الإسلامية في بنغلادش، عن اعتقاده في إحدى كتاباته بأن «الأنظمة القائمة على الشريعة وخالية من الفوائد ستشكل التيار المصرفي الرئيس، بينما ستتحول المصارف التقليدية إلى الأنظمة التي تشكل أقلية في البلاد». يذكر أن عزيز الحق يتولى رئاسة مجلس شريعة دكا.

الملاحظ أن جزءا كبيرا من الموارد المالية الجاهزة للعمل لدى المصارف الإسلامية في البلاد مستقاة من ودائع، وتجري تعبئتها بصورة رئيسة بناء على مبادئ «الوديعة والمضاربة». فتح استغلال الأموال في إطار العمل الإسلامي سبل متنوعة لجعل القروض متوافقة مع مبادئ الشريعة. ونظرا لأن المصارف الملتزمة بالشريعة الإسلامية لا يمكنها استغلال عمليات الإقراض القائمة على الفائدة، فإنها عمدت إلى صياغة نماذج مالية مختلفة تخلو من الفائدة. ومن بين أدوات الإقراض الجاري العمل بها في بنغلادش التشارك في الربح والخسارة المعتمد على مبدأ «المضاربة والمشاركة»، ومبدأ المرابحة، ومبدأ الإيجارة، ومبادئ الشراء المؤجل القائمة على السلام والاستثناء، ومبادئ التشارك في الإنتاج الخاصة.

علاوة على ذلك، هناك ميل ملحوظ نحو المشروعات الضخمة والعملاء الكبار، رغم أنه في واقع الأمر ينبغي أن توجه الأولوية إلى الشركات متناهية الصغر والأخرى الصغيرة والمتوسطة لدى اتخاذ قرارات استثمارية، وينطوي ميل السوق نحو الاستثمارات قصيرة الأجل على مشكلة كبيرة.

وفي الحقيقة، تعتمد المصارف الإسلامية بشدة على البيع المؤجل والمرابحة في التنافس مع نظرائها المعتمدين على الفائدة والسعي وراء عائدات مضمونة، بدرجة تجعلها تغفل عن الآليات المالية الإسلامية المعتمدة بصورة رئيسة على مبدأ التشارك في الربح والخسارة. من جانبهم، يساور العلماء الإسلاميون في بنغلادش قلق حقيقي إزاء أن تخلي المصارف الإسلامية عن التعاملات القائمة على الفائدة، وربما يتحول إلى تخلٍ اسمي فحسب، وليس جوهريا، وأن النظام المصرفي الجديد لن يختلف في حقيقة الأمر عن الآخر التقليدي على هذا الصعيد. علاوة على ذلك، فإن تحريم الإسلام للفائدة يرمي إلى تحفيز القطاعات المنتجة من الاقتصاد، الأمر الذي يمكن تحقيقه على نحو كامل فقط من خلال اجتثاث جذور النظام المالي القائم على الفائدة تماما واستبداله بهيكل مختلف جوهريا يقوم على المشاركة في الربح والخسارة. وفيما يخص تعبئة الموارد المالية عبر إصدار سندات إسلامية (صكوك)، لا يزال هذا الأمر في مراحله الأولى، حيث يعد «بنك بنغلادش الإسلامي» المصرف الوحيد على المستوى الوطني الذي أصدر صكوكا (يطلق عليها سندات مضاربة مستمرة)، في الوقت الذي لم تصدر أي مؤسسات أخرى سندات أو أي أدوات مالية أخرى في الأسواق الرئيسة أو الثانوية، ولا تزال هذه المؤسسات معتمدة على نحو كامل على الأموال المودعة. إلا أنه عام 2004، أصدرت الحكومة صكوكا، أطلق عليها سندات الاستثمار الإسلامي التابعة لحكومة بنغلادش، التي اعتمدت على المضاربة، كان الهدف من وراء ذلك التخفيف من حدة الحاجة القائمة منذ أمد بعيد لإصدار أدوات مالية تعتمد على الشريعة، بحيث يمكن استغلالها كأوراق مالية معتمدة بهدف الإبقاء على معدل احتياطي السيولة، بجانب توفير منفذ للمصارف الإسلامية للاستثمار أو الحصول على أموال. كما أن هذا السند متاح أمام الاستثمار من جانب أفراد وشركات خاصة. ورغم وجود قسم داخل المصرف المركزي يركز انتباهه على القطاع المالي الإسلامي، فإن الرأي السائد يؤيد وجود قسم آخر يعنى بالقضايا المالية الإسلامية التي تتناول قضايا مصرفية بعينها.

ويمكن لمثل هذا القسم إجراء دراسات مسحية ميدانية وجمع بيانات من المؤسسات المالية وإصدار تقارير تقوم على المعلومات التي تم الحصول عليها. ومن الملاحظ أن المفتشين والمراقبين التابعين لبنك بنغلادش خضعوا لدورات تدريبية مكثفة، على الصعيدين الداخلي والخارجي، بهدف التعرف على المسائل الفنية المرتبطة بأنماط العمل المختلفة في النظام المصرفي الإسلامي. إلى جانب ذلك، نظم بنك بنغلادش و«معهد بنغلادش للإدارة المصرفية» دورات تدريبية متنوعة بهذا الشأن. من ناحية أخرى، أصدر البنك المركزي خطابا للقطاع المصرفي الإسلامي، حث خلاله المشاركين بالقطاع على تناول مشكلات عميقة تجابه الصرافة الإسلامية بالبلاد. واستجابة للدعوة التي أطلقها بنك بنغلادش، أنشأ المشاركون في الصناعة «المنتدى الاستشاري للمصارف الإسلامي». وعمل المنتدى على تيسير تمهيد الساحة أمام خلق مجلس شريعة مركزي. كما ساعد الحكومة على إصدار صكوك المضاربة سالفة الذكر. مؤخرا، أنشئ كيان استشاري آخر أطلق عليه «مجموعة الصرافة الإسلامية»، تعمل المجموعة داخل بنك بنغلادش وتركز جهودها على صياغة الإرشادات الضرورية لإقامة مؤسسات مالية إسلامية في بنغلادش. وطبقا لما أعلنه محافظ البنك المركزي في بنغلادش، فإن الصرافة الإسلامية ازدهرت نتيجة الحوالات الأجنبية الكبيرة، التي تأتي في المرتبة الثانية بين أكبر مصادر الدخل بعد الصادرات. جدير بالذكر أن قرابة 6.5 مليون من أبناء بنغلادش يعيشون ويعلمون خارج البلاد، في الشرق الأوسط بصورة أساسية، وكذلك أوروبا والولايات المتحدة. وقد وصل حجم الأموال المرسلة من المغتربين في أغسطس (آب) من العام الجاري إلى مستوى تاريخي لها، حيث بلغت 937 مليون دولار بارتفاع 30 في المائة عن عام مضى. من بين التطورات الأخيرة انضمام بنغلادش إلى «مجلس الخدمات المالية الإسلامية»، وهي منظمة دولية ترمي لوضع معايير منظمة لهذه الصناعة، ومقرها ماليزيا. في ضوء ذلك، قد تجري إعادة صياغة الإجراءات الإشرافية الحالية التي يتبعها بنك بنغلادش كي تتوافق مع أفضل الممارسات المالية الإسلامية الدولية. المؤكد أن هناك حاجة إلى معايير تنظيمية وإشرافية تتناول بصورة محددة العناصر الخاصة المميزة لعمليات الصرافة الإسلامية من أجل تعزيز صلابة الصناعة وقدرتها على المنافسة في بنغلادش. ومع أنه جرى بالفعل تناول عدد من القضايا على نحو ملائم، لا يزال هناك الكثير من العقبات يتعين التغلب عليها قبل الوصول بالصناعة المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية إلى كامل إمكاناتها داخل البلاد، على سبيل المثال، لا تتوافر بعد أسواق مالية إسلامية منظمة كاملة وثانوية، بجانب غياب سوق مالي إسلامي بين مصرفية من أجل ضمان الفاعلية وتوافر السيولة، يجب أن يطور القطاع المصرفي الإسلامي في بنغلادش أدوات مالية معيارية يمكن تداولها على نطاق واسع. إلا أنه من الواضح غياب التعاون والتنسيق بين العناصر المشاركة بالسوق. وداخل المصارف ذاتها، لا يتوافر مستوى مناسب من حوكمة الشركات والشفافية في وضع التقارير عن التعاملات المالية. وتعد نقاط القصور تلك نتاجا لغياب إطار عمل قانوني محدد لهذه الصناعة. وعودة الى ما ذكر سابقاً تتضح الحاجة لإنشاء «مجلس شريعة مركزي إشرافي» بهدف توجيه ومراقبة تعاملات المصارف الإسلامية في بنغلادش، على غرار الحال في إيران وماليزيا وباكستان، إضافة إلى ذلك، سيعمل هذا المجلس بمثابة نموذج لمجالس الشريعة الاستشارية داخل المصارف الفردية، التي تعاني بوجه عام من سوء التنظيم وضعف المتابعة لمدى الالتزام بأحكام الشرعية.

ويبدو أن واحداً من أهم القضايا التي بحاجة إلى اهتمام فوري كبير تكمن في تعزيز صورة المصارف الإسلامية باعتبارها مصارف تقوم على التشارك في الربح والخسارة، وينبغي صياغة الاستراتيجية الرامية لتحقيق ذلك بحرص شديد للحفاظ على الطابع الإسلامي للمصارف وقدرتها على الإيفاء بالديون في الوقت ذاته.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال