الثلاثـاء 18 ربيـع الاول 1432 هـ 22 فبراير 2011 العدد 11774
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

خبراء مصرفيون: نمو ديون العملاء يدفع المصارف الإسلامية إلى إعادة النظر في نظام القروض

شددوا على ضرورة تنشيط دورها في تعميق ثقافة الاستدانة

الرياض: فتح الرحمن يوسف
أقلقت كثرة متأخرات عملاء المصارف الإسلامية مضجع الأخيرة، مما جعل الكثير منها يعيد النظر في بحث طرق ناجعة توازن بين بلوغها مقصد الشريعة دون إلحاق الضرر بعملائها، مع العمل على تعميق ثقافة الاستدانة بين الشرع والعائد المرغوب.

وشدد خبراء على ضرورة لجوء القائمين على أمر المصارف الإسلامية الاستعانة بخبراء في مجال المصرفية الإسلامية في بحث آليات ناجعة تحقق لها أكبر مكسب من استثمارات عوائد متأخرات عملائها، دون اللجوء إلى الطرق التقليدية التي غالبا ما تفقدهم ثقتهم فيهم.

ومن المؤمل أن يشارك عدد من هؤلاء الخبراء في ملتقى «مشروع معالجة الديون الشخصية» الذي سينعقد الثلاثاء المقبل في العاصمة السعودية، الرياض، حيث يعالج الملتقى «الديون الشخصية.. أسباب الوقوع في الديون»، و«آليات معالجة المشكلات المترتبة على الديون»، و«الضوابط الشرعية والنظامية للاقتراض»، وغيرها من المحاور ذات الصلة.

وفي هذا السياق، يرى الباحث المصرفي نواف أبو حجلة، أن مشكلة الديون التي يتأخر سدادها لأي سبب من أهم التحديات التي تواجه المصارف الإسلامية، حيث لا تستطيع فرض فائدة وزيادة بسبب التأخير أو التوقف عن السداد، في حين لا توجد هذه المشكلة لدى البنوك التقليدية التي تتعامل بالفوائد، ذلك لأن الأخيرة تحتسب الفوائد من بداية القرض إلى نهايته.

وأشار أبو حجلة إلى أن البنوك الإسلامية تتعامل مع عملائها في الغالب عن طريق الالتزامات الآجلة، فتصبح دائنة لهم، سواء كان الدين ناتجا عن عقد المرابحة، أو البيع الآجل، أو الاستصناع، أو نحو ذلك، وذلك لأن النشاط الرئيسي لها هو تحقيق الأرباح من خلال العقود الآجلة التي تكون أثمانها مؤجلة ومقسطة.

ويعتقد أن المشكلة تكمن في أن هذه الأثمان التي تحولت إلى ديون في ذمم العملاء إذا تأخر أداؤها في أوقاتها المحددة فإن البنك الإسلامي يخسر عوائد هذه الديون المتأخرة، وذلك لأن أرباحه تعود، عند إجراء العقود الشرعية، إلى ملاحظة الزمن طولا وقصرا، فإذا تأخر السداد كليا، أو سداد بعض الأقساط فإن هذه الأرباح لم تتحقق بصورة متكاملة.

واستدرك أن العملاء يتأخرون عن دفع أقساطهم الواجبة، أو يتعمدون عدم الدفع بسبب عدم فرض الفوائد على التأخير في البنوك الإسلامية، ومن هنا تخسر نسبة من العوائد يكون لها تأثير سلبي على ميزانيتها، على عكس ما هو عليه الحال في البنوك التقليدية التي لا تتأثر بهذه المتأخرات، ذلك لأنها تحسب الفوائد بشكل متزايد كلما تأخر موعد السداد.

ويرى أبو حجلة أن تأخير سداد الديون يسبب آثارا سلبية كبيرة على البنوك الإسلامية من أهمها حرمانها من تلك المبالغ المدينة وعدم الاستفادة من استثمارها خلال فترة التأخير، مشيرا إلى أن هذا الواقع دفع المصارف الإسلامية إلى التشديد في طلب الرهونات والضمانات، وفي ندرة إعطاء فرص التمويل للعملاء خوفا من التأخير في السداد، مبينا أن هذا من أعظم المخاطر التي تحول دون مقاصد الهدف من إنشائها بعدم إفساح المجال لأكبر قدر ممكن من العملاء.

واقترح نوعين من الحلول والبدائل التي يمكن أن تساعد في حل المشكلة، النوع الأول يشمل الإجراءات الإدارية التي تسبق التمويل، ثم الحلول العملية التي تتخذ بعد التأخير، كتعاون البنوك الإسلامية في ما بينها، لأجل معرفة الأشخاص الملتزمين بالدفع، والأشخاص المماطلين، وذلك من خلال تبادل المعلومات الخاصة بالشركات والأشخاص، ومن ثم إدخال المماطلين في القائمة السوداء كعقوبة رادعة للمماطلة.

إضافة إلى ذلك عدم التركيز على المرابحات والبيع الآجل، بل ضرورة الدخول في المشاركات والمضاربة والاستصناع، أو التجارة، أو إنشاء شركات للاستثمار المباشر وغير المباشر، مع ضرورة الالتزام الحاسم بالقوانين واللوائح المنظمة لأمور البنك دون مجاملة، ومن ثم أخذ ضمانات كافية من الرهن والكفالة ونحوهما، أو التصرف في الدين المتأخر، وذلك من خلال الاتفاق مع المدين نفسه ببيع الدين بالعين (كالعقار ونحوه)، مع ملاحظة إدخال ما خسره البنك في الثمن المتفق عليه.

أما المقترح الثاني، وفق أبو حجلة، إما حل المشكلة من خلال تضمين العقد في البداية عند التعاقد ما تسميه البنوك الإسلامية بغرامات التأخير، وهي في حقيقتها تعتبر شرطا جزائيا، أما غرامة التأخير فهي عقوبة جنائية تعود حصيلتها إلى الدولة، أو التعويض عن الضرر من خلال مطالبة البنك للمدين بتعويضه عن الضرر الذي أصابه جراء مماطلته من خلال العمل لإصدار حكم من المحكمة، أو من خلال التحكيم.

وفي حديث ذي صلة أكد الخبير المصرفي الدكتور مجدي علي غيث، أن المتأخرات من أهم التحديات التي تواجه المصارف الإسلامية، مبينا أن الفارق الأساسي بين المصرف الإسلامي والمصرف التقليدي يقوم على اعتماد الأول على المشاركة، ويعتبر ذلك من القيم المضافة للمصرفية الإسلامية في القطاع المصرفي، حيث إنه أخرج بذلك وحدات الفائض من دائرة المديونية إلى دائرة المشاركة والفاعلية.

وأشار إلى أن المنتجات المالية في المصارف الإسلامية تتألف من مجموعة من الصيغ الأولية كالمضاربة، والمشاركة. ومجموعة من الصيغ الثانوية كالمرابحة، والإجارة، والإيجار المنتهي بالتمليك، والسلم، والاستصناع، والصيغ الأولية تقوم على أساس رأس المال.

وقال: «إنه في هذه الحالة تبرز مخاطرة عالية نسبيا، بسبب المشاركة في الربح والخسارة، موضحا أن معدل العائد ليس مشروطا مسبقا، بل يعتمد على الناتج النهائي للمشروع، أما الصيغ الثانوية فمخاطرتها أقل نسبيا لعدم اعتمادها على عائد المشاركة في الربح والخسارة، واعتمادها على الدين، ومعدل العائد موجب ومحدد مسبقا».

وبالنظر إلى واقع المصرفية الإسلامية، أكد غيث أنها تعتمد وبشكل كبير جدا على الصيغ الثانوية، وبخاصة المرابحة، والتوريق، والإيجارة المنتهية بالتمليك، لأنها - وبكل بساطة - لا تريد تحمل المخاطرة ولا تريد أن تدخل في نفق المشاركة، بل إن جل ما تريده أن تكون العلاقة بينها وبين العميل علاقة دائن بمدين فقط، الأمر الذي أدى إلى أن يصبح البنك الإسلامي بنكا للأغنياء، فالديون تحتاج إلى رهون، والرهون في أيدي الأغنياء.

وأوضح أن اعتماد البنوك الإسلامية على الصيغ الثانوية في التمويل عمّق ثقافة الاستدانة في المجتمع تلبية لرغبات الأفراد في حب الظهور، ومسايرة الركب والتفاخر، مما شجع الأفراد على الاستدانة لشراء الكماليات، والتهافت على الاستهلاك لا الإنتاج، غير آبهين لمخاطر الاستدانة وآثارها أو لكيفية السداد، حيث تثقل كاهلهم بالديون، وتقض مضاجعهم تفكيرا في السداد.

وأشار غيث إلى أن المؤسسين للمصرف الإسلامي يحذرون المداينات، حرصا على إبعاد البنك الإسلامي عن تراكم الديون، مع ضرورة أن تحد قدرته على توليد الائتمان، مؤكدا أنه إذا تراكمت توقع بضحاياها من الفقراء.

من جانبه أكد المصرفي الإسلامي، عثمان بن ظهير، أن كثرة الديون وانتشارها مؤشر على ضرورة إعادة نظر المصارف الإسلامية في تعاملاتها؛ كونها بعيدة عن مقصد الشارع، وإن وافقت الضابط الشرعي، وأن عليها البعد عن البيوع الآجلة، مما يبرز دور هيئات الفتوى في المصارف الإسلامية في قيادة العملية، موضحا أهمية نقل البنوك الإسلامية من منتجات الديون إلى منتجات المشاركة والعودة إلى الفلسفة التي قامت عليها المصرفية الإسلامية.

وقال: «لا يفوتنا هنا أن نثني على جهود مؤسسة النقد العربي السعودي الدائمة في تثقيف المواطنين وتشريع ما يقلل من مديونياتهم كما هو الواقع من تخفيض مدة التمويل من 10 إلى 5 سنوات، ومنع استقطاع أكثر من ثلث الراتب في غير التمويل السكني، بالإضافة إلى الكثير من الجهود الأخرى، ونأمل أن نرى المزيد».

وأسدى ظهير عدة نصائح للمستهلكين، محذرا من اللجوء إلى الاقتراض إلا عند الحاجة الشديدة مع سبق نية أداءها وأن لا يستخف العميل بالدين مع ضرورة إدراك أبعاد التعامل مع البنوك، خصوصا عندما يأخذ بطاقة ائتمانية أو يدخل في الأقساط، وأن يكون على بينة من تبعات عقود البنوك ويعرف ما له وما عليه.

كما حذر ظهير عن ممارسة بعض العادات والتقاليد التي توقع في الديون كالمبالغة في إكرام الضيف لدرجة الإسراف، وتكليف النفس ما لا يطاق، مع أهمية عدم الإقدام على أي مشروع تجاري أو الاقتراض دون معرفة الجدوى الاستثمارية الحقيقة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال