الاحـد 14 ذو القعـدة 1428 هـ 25 نوفمبر 2007 العدد 10589
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

المركز المصري للدراسات الاقتصادية.. «مطبخ اقتصادي» للحكومة

تحول إلى المعمل الرئيسي لإنتاج السياسات الاقتصادية الكلية واختبارها

القاهرة: مروة مجدي
تدل الشواهد يوما بعد يوم على أن المركز المصري للدارسات الاقتصادية الذي أنشئ عام 1992 بمبادرة من القطاع الخاص، قد أصبح بمثابة «المطبخ الرئيسي» لبلورة سياسات الاقتصاد الكلي واختبارها وتقديمها للحكومة، ويلاحظ المراقبون أنه لم يتم إصلاح أي من القطاعات الاقتصادية إلا وسبق ذلك وضعه على الأجندة السنوية لمؤتمرات ومناقشات المركز.

والأمثلة على ذلك كثيرة وموثقة، من اتفاقيات التجارة العالمية «الغات» إلى تحرير سعر الصرف وإصلاح الضرائب والجمارك وسياسة استهداف التضخم، بل وإصلاح الهيئة القومية للبريد، وإذا راجعنا الأجندة السنوية لخطة عمل المركز للعام الحالي 2007 والمعتمدة من أعضاء مجلس إدارته، نجد أن أبرز موضوعاتها هي ذاتها التى عرضها المؤتمر السنوي للحزب الوطني الذي عقد بداية نوفمبر(تشرين الثاني) الحالي، ومنها التوظيف والإنتاجية والفقر، والتضخم والعوامل المحددة لمستويات الأسعار وإمكانات استخدام الطاقة النووية في مصر، والمشاركة بين القطاعين العام والخاص في تقديم الخدمات الاجتماعية.

ولا يقف الأمر عند مؤتمر سنوي، بل تتوزاى أجندة المركز مع الخطة العامة للدولة، فإذا نظرنا الى الأبحاث التي اهتم بها المركز في السنوات الاخيرة نجد نتائجها أو توصياتها تتردد على مسامعنا يوميا من المؤسسات والهيئات الرسمية، مثل السياسة الصناعية والاستدامة المالية وتطوير وإعادة هيكلة الدعم ودعم دور القطاع الخاص وحوكمة الشركات والاندماج الاقتصادي والإقليمي وتفعيل دور القطاع غير الرسمي وإعادة توزيع الدخل وتطوير القطاع الصحي وتحسين كفاءة استخدام موارد الطاقة في مصر. كل ذلك لم يأت من فراغ؛ فإذا نظرنا الى اعضاء مجلس الادارة وهم المعنيون بوضع الاجندة السنوية للمركز بل والممولون للابحاث والدراسات الاقتصادية الآن، سنعرف حل اللغز. لقد ظل المركز يمول نشاطات من عدة مصادر منها منحة الوقف التي حصل عليها طبقا لاتفاق بين الحكومة المصرية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ومن مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومركز أبحاث التنمية الدولية ومركز المشروعات الدولية لكن التمويل بالكامل أصبح مصريا. إن القائمين على إدارة المركزهم توليفة من قيادات القطاعين العام والخاص وكلمة السر بين هذين هى جمال مبارك نجل رئيس الجمهورية وأمين السياسات بالحزب الوطني، الذي أعطى وجوده للمركز دفعة وثقلا ودورا منذ التأسيس. كان الأمر مجرد «اقتراح» وأمنية للدكتور طاهر حلمي شريك مؤسسة «بيكر وماكنزى» الأميركية الشهيرة للاستشارات القانونية، وكان الهدف كما يروي حلمي الذي عاش في الولايات المتحدة سنوات طويلة وكان والده وزيرا في إحدى الحكومات الناصرية، انه نظر الى مستودعات الأفكار الموجودة في اميركا المعروفة بـ((think tanks، وكيف تساعد متخذي القرار وواضعي السياسات الكلية في الدولة باتخاذ قرارات منطلقة من أبحاث ودراسات علمية تم عرضها على جمهور واسع من المعنيين وتقليب النظر فيها وتعديلها للتوافق مع اتجاهات النقاش الغالبة. ولاحظ غيابها في مصر، فاقترح هذه الفكرة على أصدقاء وفي مقدمتهم جمال مبارك وكان عمره وقتها 28 عاما ولم يكن يشغل اي منصب سياسي في الدولة، وانما كان اقتصاديا يعمل في المؤسسات المصرفية العالمية بلندن، والدكتور إبراهيم كامل رئيس مجموعة «كاتو اروماتيك»، باعتبارهما صاحبي فكر اقتصادي ويشجعان التحول الى اقتصاد السوق الحر، وبعد حوارات اتفقوا على إقامة المركز واختيار اسم له والرمز إليه «E C E S »، ثم ضموا إليهم مجموعة من رجال الاعمال كمؤسسين ـ أصبح لبعضهم ثقل حكومي بعد ذلك ـ مثل أحمد المغربي رئيس شركة اكور للفنادق وقتها ووزير الإسكان الآن ورجل الأعمال محمد فريد خميس والدكتور مصطفى خليل رئيس الوزراء الأسبق وأول من تولي رئاسة المركز، وتلاه في رئاسته طاهر حلمي، لمدة 13 عاما ثم جلال الزوربا (رئيس اتحاد الصناعات حاليا) وهم جميعا من المؤسسين.

ويقول حلمي «في التسعينات، كنا في مرحلة انتقالية مهمة، وهي التحول من الاقتصاد الاشتراكي الى الحر والذي سيقوده بطبيعة الحال القطاع الخاص، وكان لا بد ليتم ذلك من عمل دراسات وأبحاث اقتصادية دقيقة تتبع جميع المناهج والأطر العالمية من المنحاز الى الضد، وترصد كيفية تطبيق ما وصلت إليه الدول المتقدمة والتي سارت قبلنا على طريق التقدم والنمو على المجتمع المصري واختيار ما يناسبه أي انه «مطبخ للدراسة».

ويعضد مصدر مطلع ما ترصده الدوائر المتابعة فيقول: «إن الملاحظ بشكل جيد لنشاط المركز وأجندته السنوية ومدى توازيها مع اجندة الدولة، يري ان المركز هو المطبخ الرئيسي والأساسي لواضعي السياسات الاقتصادية فى الدولة المصرية في الفترة الأخيرة».

لقد حل المركز المصري بذلك محل «مركز الأهرام للدراسات السياسة والاستراتيجية» التابع لمؤسسة «الأهرام»، حيث كان المطبخ الخلفي لصانعي السياسات منذ نشأته في الستينات والى منتصف الثمانينات، لكن خفت دوره نسبيا حاليا. يتردد طاهر حلمي في الجزم بهذا المنطق، قائلا «لم يطلب منا ان نكون المطبخ للدولة... وحتى لو كان الأمر كذلك، فلن يكون المركز وحده».

وبالرغم من نجاح المركز في مساعدة متخذي القرار السياسي بشأن الإصلاح الاقتصادي «الليبرالي» الجاري وعمل تعاون مع المؤسسات والمراكز البحثية العالمية الموجودة في أعرق الجامعات ذات الصيت العالمي من حيث المعاصرة والدقة العلمية مثل جامعات هارفارد وواشنطن واكسفورد.. بل والتعاون مع اقتصاديين حائزين على نوبل في الاقتصاد، إلا ان المركز اخفق فى عدم دراسة موضوعات مهمة كان لا بد من دراستها قبل وقت مضى كما يقول أيضا احد قادته مثل: «التعليم والتدريب، التنمية المجتمعية، زيادة الفجوة بين الاغنياء والفقراء». كما ان المركز يتجنب الخوض في قضايا الإصلاح السياسي بشكل مباشر بدأ المركز بمجموعة قليلة من رجال الاعمال والاقتصاديين في مجلس الإدارة، إلا انه الآن يضم كوكبة من رجال الاعمال والتنفيذيين في الدولة مثل رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة ومحمد منصور وزير النقل، وأخيه ياسين منصور الرئيس التنفيذي لمجموعة «المنصور والمغربي للتنمية والاستثمار»، بالإضافة إلى محمد تيمور رئيس مجلس الإدارة الآن خلفا لجلال الزوربا، وهو رئيس «هيرميس» سابقا ومؤسسها ورئيس الجمعية المصرية للأوراق المالية، وهناك أيضا عمر مهنا نائب رئيس مجلس إدارة المركز وهو رئيس الغرفة الأميركية للتجارة بالقاهرة ورئيس مجلس إدارة مجموعة السويس للإسمنت، ويتولى موقع أمين الصندوق السياسي الوفدي المعارض منير فخري عبد النور.

ووراء هذا المشهد العريض لإدارة المركز، نخبة من أفضل الباحثين وأستاذة الاقتصاد في الجامعات المصرية والأجنبية. «من يملك يحكم، فكيف لنا أن نصدق أن دراسات المركز لا تخدم رجال الأعمال فقط، خاصة وأنهم واضعو أجندته وممولوه؟ هناك دائما شعرة معاوية التى نحافظ عليها لتربط بين مصداقيتنا واستقلالنا وبين من يدفعون من اعضاء مجلس الإدارة». هكذا تقول الدكتورة هناء خير الدين المديرة التنفيذية للمركز المصري للدراسات الاقتصادية حاليا وأستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، وتضيف: اننا مركز بحثي مستقل في الابحاث والدراسات التي نقوم بها، ولا نخرج بنتائج «لطيفة» محببة لأذن من يدفع، ولكن نتائجنا البحثية مستقلة وواقعية ومنطقية وتصب في المصلحة العامة وليست الخاصة لمجموعة بعينها. و«لكن بالطبع من الضروري التنسيق بين الباحثين وأعضاء مجلس الإدارة، والدليل على استهدافنا المصلحة العامة للوطن كله الأبحاث التي تهتم بالمنظور الاجتماعي الاقتصادي مثل الفقر وسوء توزيع الأجور وغياب العدالة وانتشار البطالة وقضايا التشغيل، كما أن جميع المناقشات في المؤتمرات العلمية يتم فيها الاستماع لأكثر من اتجاه سياسي، وأنتم كصحافيين بالذات شهود على ذلك وسمعتم قوة النقد الذي وجهه اليساريون من أمثال الدكاترة جودة عبد الخالق ومصطفى كامل السيد وإبراهيم العيسوي وغيرهم الى سياسات الحكومة والى عمليات التحرير الاقتصادى في ندواتنا».

والمعروف أن المركز يعقد منذ سنوات لقاء سنويا مع الصحافيين والإعلاميين والمثقفين بالتعاون مع شعبة المحررين الاقتصاديين بنقابة الصحافيين المصريين.

إن المهمة الرئيسية للمركز كما تقول الدكتورة هناء تتمثل في مساندة جهود التنمية في مصر من خلال إعداد ونشر الدراسات التطبيقية حول سياسات الإصلاح الملائمة للواقع المصري.

يعتزم المركز إصدار سلسلة مطبوعات جديدة تحت عنوان «الإحصاءات الاقتصادية» التي لا تزال تشكل معاناة حقيقة أمام المستثمرين ومجتمع الأعمال، بسبب غياب البيانات والمعلومات ذات الجودة والتي يمكن الوثوق بها وبناء قرارات على أساسها، حيث سيقدم المركز بيانات ومعلومات مختصرة حول الجوانب المختلفة للاقتصاد المصري.

وكان المركز قد أصدر من قبل ولايزال «بارومتر الأعمال» لقياس تطور أداء الشركات في المجالات المختلفة وفي ضوء تطورات العملية الإصلاحية.

ويشغل المركز طابقا في أبراج «النايل سيتي» وكان عند التأسيس في طابق ببرج مركز التجارة العالمي؛ والموقعان على نيل مصر، وقد رفض مديره السابق الدكتور احمد جلال ـ الخبير بالبنك الدولي والمدير الحالي لمنتدى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا وإيران ـ التعليق حول ما إذا كان المركز سيلعب ذات الدور لو لم يكن جمال مبارك مساندا له، وقال «أنا باحث وما باتكلمش في السياسة، لكن السؤال الأهم هو هل سيظل المركز المصري للدراسات الاقتصادية محافظا على بريقه، أم سيخفت وهجه بعد ان تحولت أفكاره التبشيرية حول الإصلاح الاقتصادي، إلى خطاب دارج في لغة صانعي القرار وأعمالهم ولم تعد هناك ايديولوجيات مناوئة يعتد بحضورها فى المشهدين السياسي والاقتصادي؟ الإجابة متروكة للزمن وللتطورات السياسية التي يمكن أن تحصل في أي وقت».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال