الاحـد 20 رمضـان 1429 هـ 21 سبتمبر 2008 العدد 10890
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«المعمول» يأخذ من الشمس شكله ومن التمر حلاوته

صنعه الفراعنة قبل آلاف السنين وازدهر في فترة الفاطميين

الرياض: وائلة عبد الكريم
المعمول، أو كعك العيد، هو أحد أهم مظاهر الاحتفال والفرح المصاحبة لعيد الفطر المبارك، ويتم تحضيره عادة خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، وقد تضاربت الأراء واختلفت حول مسميات المعمول أو «كعك العيد»، فهو يعرف باسم «الكعك» لدى عامة المصريين، فيما يسميه الفلاحون في ريف مصر «كعك»، ويسميه الخليجيون «المعمول».

والمعمول له تاريخ يمتد إلى عهد الفراعنة، فالنقوشات التي تحملها حبة المعمول في ذلك الوقت ما هي إلا رسمة للشمس، التي عرفت عند الفراعنة بالإله «آتون»، أحد آلهة الفراعنة، كما تشير كتب التاريخ، حيث كان الفراعنة يضعون المعمول مع الموتى داخل المقابر، وقد استمر المصريون في صنعه وتقديمه في الأعياد أو عند زيارة الموتى والقبور الى أيامنا هذه.

وهناك من يقول إن كلمة «كعك» فارسية، وإن أول من صنعه هم العثمانيون، بينما يقر الجميع أن صناعة الكعك شهدت فترة ازدهارها في ظل الحكم الفاطمي، حيث خصص الفاطميون إدارة حكومية عرفت باسم «دار الفطرة» كانت تهتم بتجهيز الكعك وتوزيعه، ويضم متحف الفن الإسلامي بعض الآثار لما كان يكتب على الكعك بواسطة القوالب التي يتشكل منها، وكانت أبرزها عبارات مثل: «كل هنيئا، كل واشكر، بالشكر تدوم النعم».

وفي عصرنا الحالي تطور المعمول وتنوعت أشكاله ليشمل أنواعاً وأشكالاً جديدة، فهناك معمول التمر التقليدي، وهو الأكثر شيوعا ورواجا، إضافة إلى معمول المكسرات والسميد والجوز والفستق، كذلك معمول التفاح، وهو آخر مستجدات سوق المعمول. وفي حين كان المعمول يصنع في المنزل، حيث كانت تجتمع النساء لصنعه، ثم مع تطور المجتمع وانحصار نطاق المعارف، إضافة إلى ضيق الوقت اعتمد كثير من الأسر على شرائه من السوق، الا أن طعم المعمول المنزلي يختلف حيث له نكهة خاصة تميزه، ما دفع الكثير من ربات البيوت الماهرات الى صنعه وبيعه من بيوتهن للراغبات، وقد لقيت هذه الطريقة رواجا واقبالا كبيرين، خاصة مع اقتراب شهر رمضان. حيث تقول (أم سامي) في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إنها بدأت في عمل كميات كبيرة من المعمول استعدادا للشهر الكريم، حيث تزداد الطلبات على معمولها كثيرا، حتى أنها قد تصل إلى 400 طلب، وذكرت (أم سامي) أنها بدأت العمل في هذا المجال قبل عشر سنوات من الآن عندما كان سعر الكيلو من المعمول ثلاثين ريالاً سعودياً، أما في وقتنا الحالي ومع ارتفاع الأسعار اصبح سعر الكيلو ستين ريالا. وأشارت إلى أنها كانت تعمل في مدرسة، وكان لديها أطفال مرضى تعيلهم فاقترحت عليها المعلمات أن تقوم ببيع المعمول الذي تصنعه بعد أن تذوقنه، ومن هنا بدأت في ممارسة هذا النشاط، الذي عاد عليها بأرباح كبيرة، إلا أنها حاليا كبرت في العمر ولم تعد تستقبل طلبات كثيرة كالسابق، خاصة أن لديها نقصاً في الأيدي العاملة. وتقول (أم سامي) إنها ورثت كل ذلك من والدتها حيث تعلمت على يدها عمل المعمول الذي لم تعتقد يوما أنه سيكون باباً من أبواب الرزق لها ولأطفالها المرضى.

وتروي لنا (سمية عبد الله)، وهي ربة منزل تقوم بصنع المعمول المنزلي وبيعه، ذكرياتها الجميلة مع المعمول والعيد، حيث كان في السابق شراء كعك العيد من السوق بدلا من صنعه في المنزل أمراً يعيب ربات المنازل، حيث تقول: كنا نجمع قبل شهر رمضان «تنكات» الحليب المجفف لحفظ المعمول فيها، حتى نضمن أن يحافظ على جودته أطول مدة ممكنة، أما في أيامنا هذه فيحفظ المعمول في أطباق زجاجية خاصة. وذكرت (سمية) أنها وقريباتها من العائلة كن يجتمعن في أحد منازل العائلة لصنع المعمول مما يضفي على الاجتماع جواً عائلياً جميلاً، حيث كانت تعلن حالة طوارئ في المنزل لمدة ثلاثة أيام تقريبا حتى ينتهوا من صنع المعمول، وكانت النساء يبدعن في النقش على المعمول وكأنه لوحة فنية بينما الأطفال يلعبون بما تبقى من العجين، ثم يتم ارسال المعمول الى الأفران داخل صوان حديدية كبيرة ليتم خبزه وتجهيزه. وتضيف (سمية عبد الله) أنه كان من ضمن العادات التي تقوم بها أسرتها، وهي الأروع كما ذكرت ، توزيع المعمول المنزلي على الجيران والعائلة والأصدقاء كنوع من التقارب والتراحم، ولا تخفي (سمية) أنه كان هنالك تنافس لطيف بين الأسر على صناعة وخبز أفضل معمول، أما في وقتنا الراهن فربات البيوت اصبحن يتفاخرن باسم المحل أو الشخص الذي اشترين منه المعمول. وأشارت الى أن الإسراف في أكل المعمول كان يجعلها تزيد عدة كيلوجرامات تظل شهوراً طويلة تحاول انقاصها حتى تعود لوزنها الطبيعي، وقد استعاضت عن السكر العادي بسكر الفواكه حتى تقلل من السعرات الحرارية للمعمول، لأنها، كما ذكرت، لا تتخيل العيد دون معمول.

في حين يحكي (منصور المنصور) عن تجربة مختلفة كانت له مع المعمول كما رواها لـ «الشرق الأوسط»، حيث كان له قرابة بسيدة تعتبر من أمهر النساء في صنع المعمول والأكلات الشعبية السعودية، وكانت تعمل على بيع اكلاتها التي تقوم بإعدادها من منزلها، حتى أصبحت لا تستطيع أن تجاري حجم الطلبات التي تصلها بشكل يومي، فاتفق معها «منصور» على جلب عاملات آسيويات لتعليمهن الطبخ بحرفية عالية، مقابل مبلغ مالي لهذا التعليم ويقوم هو بالتسويق، ثم قام بالاستغناء عن هؤلاء العاملات تدريجيا لكي يقوم بفتح مصنع وجلب عمال من الرجال وقام بتدريبهم على أيدي هؤلاء العاملات الآسيويات، حيث قام بافتتاح معمله الذي يعمل فيه أكثر من عشرين عاملاً قبل عام ونصف. ويضيف (المنصور) أنه كان يطمح دوماً لإحياء التراث السعودي، وتمكن من ذلك عن طريق مشروعه البسيط والذي لاقى اقبالا كبيراً حتى من خارج السعودية، حيث يصله كثير من الطلبات من الكويت والإمارات، وهو يستعد حالياً لافتتاح أول متجر له بشكل رسمي في أحد أشهر المجمعات التجارية في مدينة الرياض لعرض منتجاته، وقد اختار اسم «حلويات البلد اللذيذة» اسماً تجارياً لمنتجاته، أما بالنسبة لنوعية هذه المنتجات فيقول (منصور) إن سر الجودة واللذة التين يجدهما عملاؤه في منتجاته، في أنها لا تحوي أي مواد حافظة، كما يحرص أن تكون طازجة ومن الفرن مباشرةً، ولديه تشكيلة كبيرة من المعمول، مثل معمول بالتمر والقرفة، معمول بالفستق، معمول بالتفاح، ومعمول بجوز الهند وقائمة لا تنتهي من الخيارات. وفيما يتعلق بالجوانب الصحية للمعمول كان لـ«الشرق الأوسط» لقاء خاص مع الدكتورة نوف الخالدي، أخصائية التغذية الإكلينيكية في مستشفى قوى الأمن، التي أوضحت أن كعكة العيد تعطي نحو 500-600 سعرة حرارية، فهي تحتوي على 35 في المائة نشويات، و30 في المائة سكر و35 في المائة دهون، فتناول ثلاث كعكات يمنح الجسم الطاقة التي يحتاجها طوال اليوم، أم الزائد عن ذلك فيخزن على شكل دهون، قد تؤدي الى اضطراب في نسبة الجلوكوز بالدم وارتفاع في ضغط الدم وتصلب الشرايين، وما إلى ذلك من امتلاء المعدة وانتفاخ البطن والحموضة والمغص والإسهال لأنها تتسبب في عجز أنزيمات الهضم عن تحويل هذه الكميات الى مواد بسيطة يستطيع الجسم الاستفادة منها، خاصة لكبار السن، حيث يصبحون عرضة للإصابة بالبول السكري.

وأشارت الدكتورة الخالدي إلى أن الحلوى تشكل خطراً على مرضى السكر والضغط، فلذلك يجب أن يتوخوا الحرص ويكتفوا بكعكة واحدة. ونصحت الدكتورة الخالدي بتناول الأغذية الغنية ببعض الألياف قبل تناول الكعك أو بعده مباشرة للتقليل من امتصاص الدهون بالجسم، ومن أمثلة هذه الأغذية الخضراوات والفواكه وكذلك البقوليات، وكذلك البدء في تناول كمية بسيطة من حلوى العيد في وجبة واحدة فقط لمدة يومين، ثم يمكن تناولها في وجبتين بعد ذلك مع مراعاة عدم إدخال الطعام على الطعام حتى موعد الوجبة التالية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال