الجمعـة 30 ذو الحجـة 1430 هـ 18 ديسمبر 2009 العدد 11343
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

أبو رمانة.. حي السفارات ومقصد الأثرياء في دمشق

«شارع بريطانيا سابقا» شقّ قبل سبعين سنة بجوار شجرة رمّان

جانب من شارع أبو رمانة الدمشقي الشهير («الشرق الاوسط»)
دمشق: هشام عدرة
قبل نحو 65 سنة، وتحديدا عام 1945، شقّت الجهات المسؤولة في محافظة دمشق طريقا تربط بين منطقتين دمشقيتين قديمتين يعود عمرانهما إلى القرون الوسطى وخارج أسوار المدينة القديمة، عند سفوح جبل قاسيون.. هما المهاجرين والصالحية.

اتخذت هذه الخطوة بعدما توسع الامتداد السكاني في المنطقتين جنوبا وغربا. وأطلق على الشارع المشقوق حديثا تسمية شعبية هي «أبو رمانة» نسبة إلى شجرة رمّان على مقربة منها قبر شيخ جليل، موقعه اليوم في الطرف الشمالي للشارع الشهير بجوار حديقة المعرّي. وكان الناس ببركة الشيخ يتبركون برمان الشجرة عندما تثمر.

غير أن الاسم الرسمي الذي أطلق على الشارع يومذاك كان «شارع بريطانيا»، ولم يخطر في بال السلطات المسؤولة في تلك الحقبة أن هذا الشارع سيتحوّل إلى حيّ متكامل مع تفرعاته وأزقته وتمدّده نحو الساحة المرتفعة في الجهة الغربية منه.. والتي أطلق عليها اسم «ساحة المالكي» نسبة للضابط السوري العقيد عدنان المالكي الذي اغتيل أواسط خمسينات القرن الماضي وأقيم له تمثال وسط الساحة المذكورة. ولقد شيد الدمشقيون الأبنية الراقية حول الساحة غربا وشرقا حتى لاصقت ساحة الأمويين جنوبا وجادات حي المهاجرين شمالا.

كذلك لم يتصوّر أحد في حينه أن «أبو رمانة» سيصبح الشارع الأرقى والأغلى في سعر أبنيته بين كل أحياء دمشق، وسيحتل موقعا استراتيجيا لافتا اجتذب معظم السفارات العربية والأجنبية. فبعد استقلال سورية وجلاء الفرنسيين عنها عام 1946 ازدحم حي أبو رمانة وشقيقه المالكي بالسفارات.

واحتفظ أبو رمانة بموقعه على رأس المناطق السكنية الراقية، وظل المنطقة الأرقى والأغلى على الرغم من نشوء عدد من الضواحي السكنية الجديدة غرب دمشق وجنوبها، وبالأخصّ ضاحية المزة الراقية التي انطلقت بدايات سبعينات القرن المنصرم، وكذلك ضاحية دمّر (غرب دمشق) في الفترة ذاتها، ثم في عقد الثمانينات نهضت منطقة تنظيم كفر سوسة المجاورة لضاحية المزّة، وباتت هذه الضواحي تعرف بـ«دمشق الجديدة»، على الرغم من انتقال عدد من السفارات منه إلى المزة وكفر سوسة وإطلاق وزارة الخارجية السورية مشروع «حي السفارات» في ضاحية يعفور غربي العاصمة.

أحمد الشيخ، وهو أحد سكان أبو رمانة وورث منزله عن والده، يشرح لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «لا يمكن أن ينافس أي شارع دمشقي جديد شارعنا، لأن أبو رمانة يتميز بموقع استراتيجي بوسط دمشق، ومن معظم مبانيه يمكن مشاهدة جبل قاسيون. وكذلك فهو مجاور للكثير من الأسواق والأماكن المهمة، إذ يلاصق سوق الشعلان الذي بدوره يجاور سوق الحمراء الشهير، ومن ثم سوق الصالحية، كما يجاور حي الروضة الهادئ والراقي. ويوجد فيه الكثير من الأماكن والأبنية البارزة والمهمة منها في بدايته من الجهة الجنوبية الشرقية فندق الميريديان (ديدمان حاليا) ومبنى قصر الضيافة واتحاد نقابات العمال واتحاد الصحافيين السوريين، وفي وسط الشارع الرئيسي السفارة السعودية التي تتميز ببناء جميل، والسفارة اليابانية ببنائها الجديد الجميل في بداية شارع أبو رمانة من الجهة الجنوبية الشرقية. وهناك في الشارع أيضا مجموعة أخرى من السفارات التي لم تنتقل إلى الضواحي الجديدة كالسفارات الإماراتية والأردنية والقطرية والليبية وغيرها. ومعها يضم الشارع الكثير من المراكز الثقافية الأجنبية والعربية كالمركز البلغاري والمركز الروماني ومعهد غوته (الألماني) ومعهد الدراسات الفرنسي للشرق الأدنى. بل ويضم الشارع أقدم مركز ثقافي عربي بدمشق، وهو الذي احتضن قبل خمس سنوات تأسيس وإطلاق مديرية ثقافة دمشق (دمشق عاصمة الثقافة العربية). ولا ننسى أيضا وجود الكثير من الوزارات والمؤسسات الرئيسية ومقرات النقابات المهنية السورية كنقابتي الأطباء والمهندسين الزراعيين وغيرها».

وتابع الشيخ: «قبل نحو 25 سنة بدأت محلات وطوابق شارع أبو رمانة والمالكي الأرضية تتحول إلى مطاعم من الفئة الممتازة. وصارت هناك ساحة مجاورة لحديقة المعرّي تُعرف بـ«ساحة المطاعم»، حيث افتتحت فيها، خصوصا خلال السنوات العشر الأخيرة، مطاعم أجنبية تقدم المأكولات الغربية والشرقية بمختلف أصنافها ومطابخها، ومنها الروسي والصيني والهندي والتركي وغيرها، كما افتتحت محلات الوجبات السريعة والمقاهي الفخمة. وطبعا لم يتخلَّ الدمشقيون عن تراثهم في المطبخ الدمشقي أيضا.. ففتح البعض مطاعم دمشقية تقدم التسقية والفتات الشامية والفول المدمس والفلافل بالإضافة إلى الكبّة بأنواعها واللحوم المشوية على الطريقة الدمشقية.. ونالت شهرة واسعة وبخاصة أنها تفتح طيلة اليوم نهارا وليلا، ومن أشهرها اليوم في حي أبو رمانة مطاعم (الشاميات) و(مرّوش) و(ست الشام) و(الريف) و(الفاندوم) و(البندقية) و(أونو) و(الفارس) و(الكوخ) وغيرها. كذلك، قبل بضع سنوات، مع الترخيص للوكالات الأجنبية العاملة في مجال الوجبات السريعة والألبسة وغيرها شهد الشارع افتتاح الكثير منها، وبالتالي توجد في الحي اليوم محلات الألبسة الثمينة الفرنسية والإيطالية والألمانية ووكالات الكومبيوتر والمعلوماتية الشهيرة ووكالات العطور العالمية ومحلات الجواهر النفيسة».

من ناحية ثانية، لمحبي البيئة والخضرة، اشتهر شارع أبو رمانة والمالكي بوجود الحدائق العامة الجميلة، ومنها حديقة المدفع الصغيرة نسبيا التي تتوسط الشارع وحديقة المعرّي، وحديقة الجاحظ، وهي كبيرة المساحة تقع في منطقة المالكي. واليوم يشهد الشارع إقبالا كبيرا من قبل السوريين المغتربين على شراء الشقق فيه. ويقول أبو محمود، وهو سمسار عقارات يعمل في مكتب عقاري دمشقي، إن «كثيرين من السوريين المقيمين في بلدان الاغتراب الذين يرغبون في شراء منزل في دمشق نعرض عليهم منازل في أحياء دمشق الجديدة.. لكنهم يطلبون مباشرة أن نؤمن لهم منازل في أبو رمانة والمالكي. ولا يهم هؤلاء الثمن لأنهم ميسورون ويدفعون بالعملة الصعبة.. وهذا أحد الأسباب الرئيسية لمحافظة منازل أبو رمانة والمالكي على أسعارها المرتفعة، فهي مرغوبة جدا من قبل الأثرياء رغم أن بعض الأبنية، وخصوصا في أبو رمانة، صارت قديمة. ونحن عندما نشير إلى هذه الحقيقة للمشترين يجيبوننا فورا أنهم على استعداد لترميمها وإصلاحها.. فالمهم أن يشتروا في هذا المنطقة الهادئة والراقية حيث يصل معدل سعر المنزل المتوسط المساحة فيها إلى نحو مليوني دولار أميركي، ويزيد عن ذلك في منطقة المالكي كون مبانيها أحدث ومخدومة أكثر في مجال الفسحات الأرضية الواسعة ومواقف السيارات.. وهذه الأسعار أعلى من كل أسعار منازل أحياء دمشق الأخرى الحديثة والقديمة».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال