الاربعـاء 21 رمضـان 1431 هـ 1 سبتمبر 2010 العدد 11600
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الرسم على الرمال في زجاجات.. حرفة أقبل عليها الشباب السوري

أدخلها شاب عراقي إلى دمشق قبل 15 سنة

عبد الباسط محمود يعمل ويرسم على الرمل بزجاجات أمام زبائنه في سوق القباقبية بدمشق («الشرق الأوسط»)
دمشق: هشام عدرة
قبل نحو 15 سنة جاء أحد الشبان العراقيين الموهوبين إلى العاصمة السورية دمشق ومعه حرفة فنية كان يجيدها، هي الرسم والكتابة على الرمال داخل الأواني الزجاجية.

يومذاك اختار ذلك الشاب سوق القباقبية القديمة في «المدينة القديمة» للعمل من خلال بسطة صغيرة؛ إذ استطاع هذا الشاب إقناع صاحب دكان في السوق بأن يجلس أمامه مع أدوات عمله القليلة والبسيطة.. التي هي عبارة عن طاولة صغيرة وأوان زجاجية ورمل ناعم وريش رسم. وكان اختيار هذا الشاب للمكان موفقا لأن سوق القباقبية تعد من أكثر أسواق دمشق القديمة ازدحاما بالناس والسياح، وتربط بين عدة أسواق وأماكن مهمة وتجاور الجامع الأموي ومقهى النوفرة وسوق الحميدية وغيرها.

وبالفعل، لقي هذا الفن اليدوي الوافد حديثا إلى دمشق، الذي ما كان ليعرفه الدمشقيون إلا بفضل هذا الشاب العراقي، إقبالا كبيرا من مواطني المدينة وزوارها وسياحها. ولما غادر ذلك الشاب السوق عائدا إلى بلده.. كان عدد من الشبان السوريين قد استهواهم هذا الفن اليدوي الجميل فقرروا متابعة ما بدأه الشاب العراقي، وفي المكان نفسه بالسوق نفسها.

وحقا، انتشر هذا الفن خلال السنوات الخمس الماضية على أيدي عدد من الشباب الدمشقي، ومنهم من درس الفن في معهد الفنون التطبيقية بدمشق، في دكاكين سوق القباقبية.. وهم الآن يمارسون هذه الحرفة الفنية، وبشكل مباشر أمام الزبائن؛ إذ ينفذون عملهم الفني من كتابة أسماء ورسم أعمال فنية، بل وحتى تصوير أشخاص على الرمل خلال دقائق، ويبيعون منتجاتهم للمتسوقين والعابرين. وبالتالي، غدت سوق القباقبية العريقة، المختصة بالتراثيات والشرقيات، تحتضن في جانب منها هذا الفن.

من أبرز وأقدم العاملين في هذا الفن اليدوي عبد الباسط محمود، وهو خريج قسم الخط العربي في معهد الفنون التطبيقية بدمشق. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط» قال عبد الباسط شارحا عن هذه الحرفة الفنية اليدوية الوافدة حديثا إلى سورية: «بعد انتشار حرفة الرسم على الرمال في دمشق تخصص عدد من زملائي في ممارسة هذه الحرفة ووصل عددهم حاليا على نحو 15 حرفيا شابا. ونحن بجانب إتقاننا مفردات العمل بهذه الحرفة الوافدة، عملنا على تطويرها. فبالنسبة لي، استطعت إضافة الجديد إليها من خلال رسم الصور الشخصية للأشخاص والزبائن.. وهذه ناحية لم تكن معروفة عندما دخل هذا الفن إلى دمشق قبل 15 سنة. كذلك رسمت شجرة عائلة على الرمل ضمن زجاجيات، ورسمت أيضا (اللوغو) والشعارات.. وهذا أيضا لم يكن معروفا من قبل».

ويقدم عبد الباسط فكرة عن المواد والأدوات الأولية لهذه الحرفة، فيقول «إنها بشكل أساسي الرمل الطبيعي الصحراوي والجبلي، الذي يحتاج لتعامل خاص معه، ونحن نأتي به خشنا فنعمل على تنعيمه، ومن ثم نصبغه بألوان معينة، وبعد ذلك ننخله.. لأنه بعد الصبغ يخشن قليلا، وبعدها نستخدم جميع الألوان ونرسم من خلالها المناظر التي نرغب فيها أو تلك التي يطلبها الزبون.. ومنها مناظر من خيالي ومخزوني البصري الجمالي، أو مناظر معروفة كشجرة النخيل، والبحر، والجمل. ومن الأدوات أيضا، القلم الذي نكتب به الأسماء والعبارات، والمدكّ الذي يستخدم لدكّ الزجاجة بعد اختتام العمل فيها. ثم هناك (القمع) وهو أداة مهمة نستخدمها لتنفيذ المناظر التي نريد».

وحول مراحل العمل منذ بداية تحضير المواد وحتى الإنجاز النهائي، يوضح عبد الباسط، قائلا: «عملية الكتابة يمكنني أن أنفذها مباشرة بالرمل، ولكن هذه تحتاج إلى وقت طويل نسبيا.. فنضطر لكتابتها بمادة الغراء اللاصقة في حين الرسوم تنفذ بشكل مباشر ومن دون غراء وأرسم - كما تلاحظ - أمام الزبائن والزوار».

وحول دخول هذه الحرفة اليدوية إلى دمشق، يقول عبد الباسط إن الحرفة «كانت معروفة في سورية قبل إدخالها من قبل الشاب العراقي أواسط تسعينات القرن الماضي، ولكن خارج دمشق، وتحديدا في بلدة يبرود (90 كلم شمال دمشق). وأنا تعلمتها على يدي الشاب العراقي الذي نشرها في (دمشق القديمة) كونها تستقطب السياح بكثرة... فقيل إنه هو من أدخلها لدمشق. ولكن الرسم على الرمال كفن يدوي هو ابتكار أردني». وحول الوقت الذي يستغرقه إنجاز عمل منها، قال: «الأعمال التي تأخذ وقتا طويلا هي تلك التي تتضمن صورا شخصية. فإنجاز عمل منها يحتاج ليومين.. وأضطر في هذه الحالة لإنجازها في المنزل وليس في الدكان حيث توجد صعوبة في العمل أمام الناس. فالعابرون قد يربكونني، وبالتالي، فأي خطأ في رسم الصورة الشخصية على الرمل يجعلني أرمي كل ما أنجزته من العمل في سلة المهملات وأعيد العمل فيه من جديد.. إنجاز الصورة يحتاج لـ(رواق) وهدوء».

وحول إقبال الزبائن عليها، قال عبد الباسط: «في البداية كان الإقبال ضعيفا، ولكن بعد انتشارها وشهرتها وتطويرها صار هناك إقبال جيد، خاصة، أننا نعمل أمام الناس بشكل مباشر، وهذا ما يسعد الزبائن».

ويفتخر عبد الباسط بأن بين من اقتنى من أعماله الفنية الرئيسان الحاليان للنمسا وإيطاليا، اللذان زارا العاصمة السورية في الأشهر الماضية وجالا في الأسواق القديمة وتوقفا أمام فن الرسم على الرمال في سوق القباقبية، وطلبا من عبد الباسط اقتناء عمل منها، فنفذ لهما ما أراداه.

عبد الباسط يؤكد أن مثل هذه الأعمال الفنية اليدوية تبقى لدى الزبون لسنوات طويلة من دون أن تتلف، إلا إذا كسرت الزجاجة أو كان العمل قليل الإتقان؛ إذ إن بعض الحرفيين لا يدكّ الزجاجة بشكل جيد ومتين بسبب التسرع في العمل ومحاولته الحصول على ربح سريع فتتلف القطعة، ويضيف: «مرحلة الدكّ مهمة جدا ومفصلية في جودة العمل حتى ولو انكسرت الزجاجة أثناء الدكّ، يجب أن يعيد العمل فيها من جديد لتكون في النتيجة متينة ولا تتخرب الرسمة بعد ساعات من إنجاز العمل». وحول النماذج التي ينجزها عبد الباسط، هناك الزجاجات الكبيرة التي تعرض في صالونات المنازل على الطاولات أو في واجهات زجاجية وفي المكاتب، وهي تضم مناظر طبيعية وتراثية، وهناك زجاجيات صغيرة ينفذها على شكل ميداليات يعلق فيها الشخص مفاتيحه، ويرسم في الزجاجة المحشوة بالرمل رسمة بسيطة، وغالبا ما يطلب مقتني هذه الميداليات وضع أسمائهم أو عبارات بكلمات قليلة كالحكم والأقوال المأثورة داخل الزجاجة على الرمل. أما عن الرسوم فهناك أكثر من 400 رسمة يبدعها بالرمل ويشارك بها في معارض تراثية وسياحية خارج سورية، ومنها معرض في دبي حيث عمل لفترة من الزمن.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال