الاربعـاء 08 شـوال 1432 هـ 7 سبتمبر 2011 العدد 11971
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

حي النحاسين في القاهرة.. عزف الأيدي على ذكريات الماضي

يجتذب شغف السياح.. ومشغولاته لا تزال تجد مكانها في بيوت المصريين

عم فخري أقدم نحاس بالحي («الشرق الأوسط»)
القاهرة: رانيا سعد الدين
كانت روايات الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ أكبر تجسيد لمصر الفاطمية وأحيائها، خاصة حي الجمالية الذي يحوي بين جنباته مراكز الفن والثقافة في منطقة «مصر القديمة»، ابتداء من أحياء الحسين وخان الخليلي والغورية وانتهاء بحي النحاسين. وما إن تعبر «باب النصر» حتى تستشعر تاريخ المكان وتلاحقك عظمته في كل خطوة ستؤدي بك إلى دهاليز القاهرة الفاطمية.

كان يقتصر الدخول من باب النصر في الماضي على الجنود العائدين من الحروب رافعين رايات النصر، إلا أنه الآن يبقى فقط شاهدا على تاريخ ولّى وينتظر من يعيد له أمجاده مرة أخرى. ومن هذه البوابة العملاقة تتفرع عدة شوارع أشهرها «المعزّ لدين الله» الذي يعد أكبر متحف إسلامي مفتوح، يليه حي النحاسين الذي يمكن التعرف إليه قبل رؤيته من خلال أصوات المطارق، التي تنبعث من الورش المنتشرة فيه، والتي لا تكف عن الطرق من الصباح حتى المساء.. وكأنها في عزف مستمر على أسطح النحاس المختلفة.

ما إن تقع عيناك على المحال المتراصة على جانبي الحي، حتى تبهرك محتوياتها. فأنت هنا أمام أكبر تجمع لباعة ومصنعي النحاس في مصر، وترى قطع النحاس التي تتراص في إبهار وجاذبية تجبرك على أن تقف تتفقدها، فجميع القطع صنعت ببراعة متقنة من مختلف أنواع النحاس.

يقول «عم فخري السيد»، أقدم نحاس في الحي «مهنة النحاس تعتمد على الدقة والمهارة والذوق الرفيع بالإضافة إلى قوة الملاحظة في جميع مراحل التصنيع، وتعتبر خامة النحاس سواء المصري أو المستورد مادة لها طواعية في التصنيع وتعطي نتائج مبهرة وجميلة».

«عم فخري» لا يعتبر فقط أقدم نحاس في الحي، لكنه أيضا على دراية بكل جزء من هذا الحي التاريخي. وهو يذكر أن «سبب تسمية هذه المنطقة بحي النحاسين هو أن تجار النحاس منذ العصر الفاطمي كانوا يتمركزون فيه لبيع وتصنيع أواني المطبخ والنجف وقدر الفول وصواني الطعام وأباريق المياه ومستلزمات المقاهي، والكثير من قطع الديكور المتنوعة ذات الاستخدامات المتعددة في القصور والبيوت ودور العبادة».

وعلى الرغم من الأهمية الفنية والجمالية لوجود هذه المهنة فإنها تراجعت نتيجة اختلاف نمط حياة المصريين الذين أصبحوا يعتبرون المصنوعات النحاسية لا تعدو كونها قطعا فنية للزينة. ويقول «عم فخري» في هذا المجال «قديما كانت الفتاة تحرص على أن يكون أغلب جهاز عرسها من أواني المطبخ واحتياجات المنزل من النحاس الأصفر، لكي تتباهى به أمام أهل الزوج. وكانت تحرص من فترة إلى أخرى على إحضار هذه الأواني إلى مبيّض النحاس لكي يعيد طلائها من الداخل وتلميعها من الخارج، فتعود إلى حالتها الأولى. لكن كل هذا اختفى وانقرضت مهنة مبيّض النحاس، وباتت ذكراه باقية فقط على ألسنة الجدات كذكرى من الزمن الجميل».

لكن «عم فخري» لم يتعود قط على فقدان الأمل والتسليم للواقع بل المثابرة والعمل الدؤوب، قائلا «الأواني النحاسية ظلت صامدة في وجه الزمن. وعلى الرغم من كل هذه المدنية التي حلت في البيوت، نجد أرقى المنازل تتخللها ديكورات النحاس. كما أننا نقوم بتصنيع قطع نحاسية متطورة لتساير العصر الحديث وتتناسب مع البيت الحديث، ولكنها تضيف على الأماكن فخامة وأناقة بيوت الأجداد. هذا بالإضافة إلى أن مشغولات النحاس من السلع الرائجة لدى السياح الذين يحرصون على اقتنائها.. فهي من روائح الشرق وسمة خاصة بالصناعات المصرية».

ثم يضيف «لقد ورثت هذه المهنة أبا عن جد، ورأيت تطورها أمام عيني. وفي جميع الأوقات كانت اليد الماهرة في هذه الحرفة لها تقدير عال وذات سعر مرتفع لما تنتج. واليوم (الأسطوات) الكبار حريصون على تدريب الشباب حتى لا تنقرض المهنة، فلدى الجيل السابق الخبرة والحرفة بينما لدى الجيل الجديد المعرفة وروح الشباب التي يجب أن تعم المكان ليظل صامدا أمام الزمن».

ويتابع سرده، فيقول «حي النحاسين يضم عدة أماكن أثرية رائعة قد لا يعرفها كثيرون - يشير بيده -، على بعض خطوات من دكاني تقع مدرسة النحاسين، التي سميت على اسم الشارع لشهرته في مصر المحروسة وقتها، وإلى غرب الشارع تقع المدرسة الكمالية التي بناها السلطان الكامل عام 622هـ، وكانت تعد المدرسة الثانية لتدريس الحديث بعد المدرسة التي أنشأها الملك العادل نور الدين زنكي في دمشق، وكانت في القدم عبارة عن (بنايتين) بينهما صحن مكشوف، إلا أنها هدمت مع مرور الزمن ولم يبق منها إلا المبنى الغربي. وفي منتصف حي النحاسين يقع «سبيل محمد علي»، وقد أنشئ كصدقة على روح الخديو إسماعيل، وواجهته تعد تحفة فنية بلا منازع فهي مكونة من 4 أضلاع يغطي كلا منها شباك من النحاس المنقوش بدقة وحرفية عالية، أما الأضلاع فقد اكتست برخام المرمر المزركش ويعلو كل عمود لوحة منقوشة بالحروف التركية».

ويختم «عم فخري» كلامه معربا عن الأمل بالمستقبل فيقول: «مع أنه لا يوجد اليوم في حي النحاسين عدد الورش التي كانت موجودة في الماضي، إلا أن هذا العدد القليل المتبقي صامد ضد غزو الزمن وما زال يجود ويحسن في الصنعة حتى يظل محل إبهار الزائر المصري أو الأجنبي».\

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال