الثلاثـاء 14 ربيـع الاول 1433 هـ 7 فبراير 2012 العدد 12124
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

تونس: «عصيدة الزقوقو».. أكلة الفقراء أصبحت رمز الغنى والرفاه

انتهت بانتهاء المجاعة وعادت في السبعينات من القرن الماضي

الزقوقو.. له حضوره في حسابات العائلة التونسية («الشرق الأوسط»)
تونس: المنجي السعيداني
تفوح رائحة البخور والجاوي والروائح الطيبة في معظم البيوت التونسية. ويتحلق الأطفال حول كبار السن يسردون على مسامعهم السيرة النبوية ويستعيدون الأحداث التي عرفها مولد الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم. أما النسوة فينهمكن بإعداد عصيدة الزقوقو، وقد انقسمت العائلات بين عصيدة عربي وعصيدة بلدي، ولكل نوع منها مساندوه.

وحبات الزقوقو - أو الصنوبر الحلبي - لها قصة طريفة تناولتها بعض كتب التاريخ، حيث يقول عبد الستار عمامو، الباحث في التراث التونسي، إن «العبارة عامية، وهي تسمية شعبية.. إذ لم يكن معظم التونسيين يعتمدون على الزقوقو كمادة غذائية، ذلك أن أمر تناول هذه النبتة المتأتية من أشجار الصنوبر الحلبي للاستهلاك البشري لم يعتمد إلا خلال عام 1864 إبان ما يعرف لدى التونسيين بـ(ثورة علي بن غذاهم)»، ويضيف عمامو أن تلك الثورة «رافقتها حالة حادة من الجفاف مما اضطر سكان الشمال التونسي إلى استهلاك الزقوقو، الذي يتشابه في تركيبته مع حب الدرع. وانتهى استهلاك الزقوقو بنهاية المجاعة ولم ترجع عادة استهلاكه إلا خلال السبعينات من القرن الماضي، ليصبح مثل الموضة التي انتشرت بين العائلات، وصار استهلاكه دلالة على الرفاه الاجتماعي لارتفاع كلفته».

سكان تونس العاصمة، والمدن الكبرى أيضا، كانوا يستنكفون من استهلاك عصيدة الزقوقو، وكانوا يربطون بينها وبين الفقر، في إشارة إلى المجاعة التي ذكرتها المصادر التاريخية والراجعة إلى عام 1864. إلا أن العادات تغيرت، وتبادل سكان المدن مع سكان الريف الأدوار والمواقع، وبات سكان المدن يتهافتون على عصيدة الزقوقو التي صارت باهظة الثمن. وفي المقابل، غدا سكان الأرياف الذين أكلوا عصيدة الزقوقو هربا من الجوع يقبلون على ما يسميه التونسيون «العصيدة البيضاء». وسافرت هذه العادة الغذائية إلى إسطنبول، بتركيا، من خلال إعداد «البوزة»، وهي نفس تركيبة مادة الزقوقو.

ونتيجة إقبال التونسيين، موسميا، على عصيدة الزقوقو ارتفعت أسعار الكيلوغرام منها إلى أرقام قياسية. وبعدما كان في حدود 12 دينارا تونسيا (9 دولارات أميركية) قبل أيام من تاريخ مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - أصبح في حدود 18 دينارا للكيلوغرام الواحد، وهو لا يتجاوز في الأيام العادية حد 6 دنانير تونسية. وللعلم، تستقبل السوق التونسية قرابة 300 طن من الزقوقو، وتضطر السلطات التونسية إلى استيراد جزء من حاجاتها السنوية من الجزائر المجاورة، بل وتحبذ بعض العائلات اقتناء العصيدة الجاهزة التي باتت بعض محلات المرطبات تعدها لهذه المناسبة بشكل خاص. إلا أن عائلات أخرى تعد العصيدة العائلية بمختلف مراحلها في البيت، حيث تعد حبات الزقوقو وتنظفها من الشوائب، وتتولى بعض العائلات رحي الحبات وحدها وحفظها واستعمالها في أوقات لاحقة. وترى الجازية الظريفي، وهي ربة بيت، أن «إعداد حبات الزقوقو في البيت أفضل، فكل المراحل تتم تحت نظر العين، وهي تقلص كل أنواع الغش التي قد ترافق عمليات البيع والشراء».

وحول ارتفاع أسعار الزقوقو وتضاعفها أكثر من ثلاث مرات، قالت نبيلة الشواشي، وهي أيضا ربة بيت، إن «جشع بعض التجار وراء هذا الارتفاع في الأسعار، فجامعو حبات الزقوقو في أعالي الجبال يفوتون فيها بثمن لا يتجاوز خمسة دنانير تونسية، لكن السعر الذي يسوق به الآن في حدود 18 دينارا. إنه سعر مرتفع للغاية». وتضيف «مقاومة هذا الغلاء تكون عبر الاستغناء عن هذه النوعية من العصيدة والرجوع إلى عصيدة الأولين، أي العصيدة البيضاء».

على أي حال، تعتبر عصيدة الزقوقو مكلفة للغاية، وهي تتطلب الكثير من الفواكه الجافة لزوم إعدادها وتزيينها تمهيدا لعرضها على بقية أفراد العائلة الموسعة، ويلزمها الفستق (الصنوبر في تونس) والبوفريوة (البندق) والجوز والنشا والكريمة لصنع طبقات مزينة موزعة بين الزقوقو والكريمة والفواكه الجافة. وعموما لا تقدر عائلات كثيرة على إعداد عصيدة الزقوقو.. التي لا تقل تكلفتها في أحسن الحالات عن 70 دينارا تونسيا (قرابة 52 دولارا).

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال