الجمعـة 08 ربيـع الثانـى 1433 هـ 2 مارس 2012 العدد 12148
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«الإبراهيمية».. حي البهجة عند الجالية اليونانية في الإسكندرية

أطلق عليه اسم «الحي الأحمر».. واحتضن طبقتهم المتوسطة

شارع «لا غيتيه» في حي الإبراهيمية بالإسكندرية.. كان حقاً «شارع البهجة» («الشرق الأوسط»)
الإسكندرية (مصر): داليا عاصم
يسير ميخالي سولومونيدس في طريقه إلى النادي اليوناني عبر الدروب الحميمة في حي الإبراهيمية بمدينة الإسكندرية، ثاني كبرى المدن المصرية، يدندن مطالع من ملحمتي هوميروس «الإلياذة» و«الأوديسة»، حاملا ذكرياته وتاريخ جاليته التي تركت بصماتها جلية في هذا الحي العريق، فحاراته الضيقة وبيوته المتلاصقة لا تزال تنطق بحكايات أحفاد الإغريق.

الإبراهيمية، في الواقع حي «سكندري» مزدحم ليلا ونهارا، سكنته الطبقة المتوسطة من الجاليات اليونانية والإيطالية والأرمنية والفرنسية.. وما زال بعضهم لا يقوى على مفارقته، بينما عاش فيه اليهود الأثرياء في عهود سحيقة، وكانوا يخرجون في مظاهرات كبيرة ضد حكم الإمبراطورية الرومانية.

ميخالي، الذي يعمل في مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، من الجيل الثالث لليونانيين المولودين في مصر، ويترأس حاليا مجلس إدارة الجمعية اليونانية آسيا الصغرى في الإبراهيمية. وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال: «تربيت هنا في هذا الحي وما زلت أقطن فيه، لكنني ولدت في السيوف عام 1968. جدي جاء إلى مصر من أزمير بآسيا الصغرى - تركيا اليوم – وحصل على الجنسية المصرية في الثلاثينات.. وولد والدي بالجنسية المصرية وأنا كذلك».

ملامح ميخالي الإغريقية جعلته أسيرا للقب «خواجة»، ذلك أهالي الحي ما فتئوا ينادونه به وهو يعتبر هذا اللقب نوعا من أنواع «التمييز الإيجابي» باعتبار أن كلمة «خواجة» كانت تطلق على الأجانب والأقباط أحيانا. ومن ثم يعلق «كونهم ينادونني (خواجة) فإن هذا لا يمنع من أنني أحمل بطاقة هوية مصرية».

ويعتبر ميخالي نفسه «آخر المحظوظين» الذين عاصروا نهايات الإسكندرية المجيدة. ويروي في رحلة مع الذكريات: «كنا نطلق على الإبراهيمية اسم (كوكينيا)، أي (الحي الأحمر)، وهو نفس اسم الحي المماثل في اليونان الخاص بالطبقة العاملة. لقد كان حي الإبراهيمية معقلا للطبقة المتوسطة من اليونانيين. كان أغلبها فيللات لأجانب طلاينه (إيطاليين) وأرمن تفوح منها رائحة نبات الدفنباخيا (وِدن الفيل) والفل والياسمين، وروائح مميزة نتنسمها ليلا. للأسف حاليا كل الفيلات تهدمت وبنيت مكانها عمارات ضخمة».

ويضيف: «حاليا ينحصر عمل اليونانيون بين محلات الميني ماركت والبقالة وصالونات الحلاقة أو الورش المهنية الصغيرة مثل ورش الكهرباء واللحام والحدادة. وهناك أيضا، بالطبع، المخابز ومحلات الحلويات.. ومن أشهرها فرن (فينو) الذي كان اسمه (فورنوس ذي ميثرا) على اسم الإلهة الإغريقية الأسطورية الـ(ميترا). وحتى الآن يحافظ الفرن على العادات والتقاليد اليونانية اليونانيين. أما الـ(فينيكيا)، وهي حلويات رأس السنة، فاشتهر بها الحلواني (خاموس)».

وبفخر شديد يشرح ميخالي: «كنا واخدين على بعض.. الإبراهيمية كان لها طابع خاص في التسامح والتنوع، وأذكر أن خالي وجدتي عندما كانا أحيانا يحملان معهما شتلة زهور ويطرقان باب أي من ملاك الفيللات دون سابق معرفة ويقولون له: (إيه رأيك لو تزرع ديه؟) من منطلق الحرص على جمال الحي». ثم يستطرد: «ما عادت الإبراهيمية كما كانت.. ما عاد هناك المستوى نفسه من التسامح. طبيعة التعامل أصبحت جافة وهناك عدوانية وأنانية وغياب للحس الجمالي».

وعن أشهر شوارع الإبراهيمية، شارع «لا غيتيه» (La Gaité) - أي «البهجة» - يقول ميخالي بحسرة: «كان فعلا شارع البهجة. كان فيه مسرح (لونا بارك) وسينما (لا غيتيه)، وكان مالكوها يونانيين، وكانت سينما كبرى فيها أكثر من ألف مقعد و11 (لوج) (أريكة جناح). كذلك في الشارع مطعم (باناجوس) الشهير، وأيضا استوديوهات تصوير كثيرة يديرها إيطاليون وأرمن وفرنسيون، كما كان الحال في شارع هليوبوليس حيث كنت أقطن في صغري. لقد تغيرت أسماء تلك الشوارع الآن. إنهم يظنون أن تغيير أسماء الشوارع سيغير من المحتوى والذكريات».

وعن روح البهجة التي كانت تبثها الجالية اليونانية في الحي، يسترجع ميخالي ذكريات احتفالات «شم النسيم» وتزيين العربات بالورود التي كانت تكسر هدوء الحي وسط التهليل والتصفيق، ويقول: «كل يوم سبت كان لازم تنظم حفلة تنكرية في النوادي اليونانية. وقبل الصيام الذي يبدأ يوم الاثنين عند الروم الأرثوذكس يكون فيه أكلات خاصة لا توجد فيها لحوم وفيها أسماك ومأكولات بحرية وفول حراتي (أخضر)، ولا بد يومها من أن نطير طائرات ورق.. وهي عادات متوارثة».

وحول النادي اليوناني، الذي يعتبر أحد معالم الإبراهيمية، يقول ميخالي: «كان ناديا وجمعية منذ عام 1906، وكان مقره في فيللا بشارع الأمير إبراهيم بين حيي الإبراهيمية وكامب شيزار، لكن ذلك المقر تهدم إبان الحرب العالمية الثانية. وبعدها انتقلنا إلى المقر الحالي، وكانت الجمعية اليونانية تشرف اجتماعيا على النوادي اليونانية بالإسكندرية».

وعن بلاج (شاطئ) الإبراهيمية، الذي اختفى بعد توسعات الكورنيش، قال: «زمان الناس كانت تحافظ على المكان الذي تعيش فيه، وكان معظم رواد البلاج من الأجانب، لأن سكان المنطقة كانوا أجانب، ولذا كان الزائر يسمع اللغات اليونانية والفرنسية والإيطالية والأرمنية، أما المصريون الذين يرتادون تلك البلاجات فكانوا إما من عائلات مختلطة أو من يعملون مع الأجانب أو من المثقفين. ولم يكن معظم المصريين يشعرون بالارتياح هنا، وكانوا لا يميلون للاختلاط بالجاليات في هذه الشواطئ بل يذهبون لشواطئ أخرى».

من جهة أخرى، يشتهر حي الإبراهيمية بسوق «شيديا»، أشهر أسواق الإسكندرية، ومعروفة بتنوعها الكبير. ولقد ذكرت المؤلفة السويسرية إستر هارتمان هذه السوق في كتابها «حياتي في مصر - مذكرات فتاة سويسرية عاشت في الإسكندرية»، في الفترة ما بين (1934 - 1950) قائلة: «كنا نعيش في الإسكندرية في الأربعينات من القرن العشرين، وكنت أذهب كثيرا إلى سوق الإبراهيمية (سوق شيديا حاليا). وفي حي السوق كان يسكن مواطنون من بلدان البحر المتوسط في منازل تتكون من طابق أو طابقين. وكان من بين هؤلاء - بالإضافة إلى المصريين - اليهود والشوام (السوريون واللبنانيون) واليونانيون والمالطيون والأرمن والإيطاليون وكثيرون من بلدان البحر المتوسط. وبينما كان صوت المغني الفرنسي (تينوروس) ينبعث من إحدى النوافذ مرددا أشهر أغانيه، كان هناك بعض الفتيات يقفن أمام منازل قديمة، ويتبادلن الشتائم باللغة العربية أو اليونانية أو الإيطالية، في حين كانت إحدى بنات الشام تقف على مقربة منهن، وقد فهمت كل حديثهن، وأخذت تضحك من قلبها».

أيضا، كان حي الإبراهيمية طوال فترة التسعينات وجهة لكبار الفنانين المصريين عقب انتهائهم من أداء أدوارهم على مسرح الريحاني، القريب بمنطقة كامب شيزار، فكانوا يواصلون السهر على المقاهي حتى الصباح. وحاليا تحول المسرح إلى قاعة أفراح بعدما ظل لفترة ناديا للبلياردو.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال