الاربعـاء 13 شعبـان 1433 هـ 4 يوليو 2012 العدد 12272
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«الخرنفش».. حي أثري في عمق القاهرة الفاطمية

يضم عددا من الأسبلة والمساجد ومدرسة «الفرير»

يضم حي الخرنفش عددا من ورش الفضة والذهب والمشغولات النحاسية («الشرق الأوسط»)
القاهرة: رانيا سعد الدين
يعتبر «حي الخرنفش» في القاهرة ضمن 18 حيا وشياخة تتوزع على جنبات شارع «المعز لدين الله»، فعندما بنى القائد جوهر الصقلي القاهرة المعزية بنى في سورها الشمالي بوابتين بعيدتين عن بعضهما هما باب النصر وباب الفتوح، وفي السور الجنوبي بنى بوابتين بجانب بعضهما أطلق عليهما «باب زويلة» وجعل شارعا رئيسيا من باب الفتوح إلى باب زويلة هو شارع المعز لدين الله، ليضم بعد هذا 18 شياخة منها «الجمالية، والبرقوقية، وقايتباي، والبندقدارية، والمنصورية، والدرّاسة، والعطوف، وقصر الشوق، والخواص، وباب الفتوح، وخان الخليلي، وبين السورين، والخرنفش».

و«حي الخرنفش» يحده من الغرب حارة خميس العدس وحارة اليهود، ومن الجنوب عطفة المصفى وعطفة الذهبي، ومن جهة الشرق حارة البرقوقية، وقد اكتسب الحي شهرة واسعة نظرا للآثار التي تقع فيه، كما أنه عبر العصور التالية كان مكان إقامة كثير من المشاهير.

ويبين مشرف الآثار بحي الجمالية، مصطفى جمال، أن اسم «الخرنفش» حرف من كلمة «الخرنشف» الذي كان في العصر الفاطمي عبارة عن ميدان صغير وإسطبل للخلفاء بجوار بستان الكافوري والقصر الغربي الصغير للعزيز بالله نزار بن المعز الموجودين داخل الشارع وقتها.

وشهد العصر الفاطمي بناء عدد من الأسبلة الصغيرة، وأشهرها يحمل اليوم اسم سبيل طه حسين، كما يضم الشارع كنيسة زويلة تعود لنفس العصر. ومنذ العصر الفاطمي بدأ الناس بالتخطيط وتشييد المنازل والإسطبلات والأسواق داخل حي الخرنفش، وكانت الدكاكين كلها ذات واجهة موحدة ومميزة، حتى تعطي شكلا جماليا مميزا لهذا الحي من دون غيره.

وفي العصر العثماني أنشئ بالحي عدد من المساجد أشهرها مسجد عبد اللطيف القرافي الذي بني عام 995هـ-1586م، والذي لم تتبق منه غير واجهته، ومسجد محب الدين أبو الطيب الموجود بخان أبو طاقية، والذي أنشئ أوائل القرن السادس عشر، وهو مسجد عظيم البنيان، له إيوانان وصحنه مفروش بالرخام، ومنبره دقيق الصنعة مرصع بالعاج والأبنوس.

ويضيف مشرف الآثار لـ«الشرق الأوسط»: «يضم حي الخرنفش كذلك مبنى مهما وهو (دار كسوة الكعبة) التي تأسست عام 1233هـ، وما زالت هذه الدار موجودة إلى الآن، بعد أن ظلت تعمل حتى عام 1962م. وكان يقام حفل رسمي كبير في (حي الخرنفش) أمام مسجد القاضي عبد الباسط قاضي قضاة مصر ووزير الخزانة العامة والمشرف على صناعة الكسوة الشريفة، ثم تخرج الكسوة في احتفال بهيج ويخرج وراءها معظم جموع الشعب المصري إلى ميدان (الرملية) بالقرب من القلعة».

في العصور الحديثة ارتبط حي الخرنفش بكثير من أسماء الزعماء والمشاهير، وذلك لتخرجهم ودراستهم في مدرسة «القديس يوسف» التي تم إنشاؤها في يوليو (تموز) عام 1858م، حيث أهدى سعيد باشا خديو مصر إلى الإخوة الرهبان الذين أسسوا المدرسة قطعة أرض في «حي الخرنفش» لبناء مدرسة كبيرة عليها سميت بمدرسة «القديس يوسف» أو «الفرير» كما يطلق عليها حاليا، واستقبلت المدرسة وقتها أبناء الفقراء والأغنياء على حد سواء في فصول متجاورة وبمصروفات رمزية، وفي عام 1864 أرسل الخديو إسماعيل اثني عشر من شباب الأسرة العلوية لتلقي العلم في مدرسة القديس يوسف بالخرنفش بهدف إعدادهم لشغل بعض الوظائف الرئيسية في الدولة.

وشهدت هذه المدرسة طوال تاريخها التحاق عدد من التلاميذ بها أصبحوا في ما بعد من المشاهير في المجالات المختلفة، فمن بين تلاميذها الزعيم سعد زغلول، والزعيم مصطفى كامل، ومن الفنانين نجيب الريحاني، والموسيقار فريد الأطرش، ورشدي أباظة، وعبد الفتاح القصري، والمغني والملحن داود حسني، وغيرهم كثيرون، وفي عام 1995 تم افتتاح المبنى الجديد لمدرسة «القديس يوسف» التي أطلق عليها «الفرير».

ويستطرد مشرف الآثار بحي الجمالية قائلا «من يبحث بين بيوت وجدران حي الخرنفش سيجد الكثير والكثير من المشاهير سكنوه أو ارتبطوا معه بقصص وحكايات، فقد سكنه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عام 1933م، عندما انتقل والده من محافظة السويس إلى القاهرة ليصبح مأمورا لمكتب بريد (حي الخرنفش)، وقد استأجر والد الرئيس الراحل منزلا من أحد اليهود قريبا من مكتب البريد عاش فيه حتى توفي».

وفي قلب «حي الخرنفش» تقع عطفة «أبو طاقية» المليئة بالبنايات والبيوت القديمة المتلاصقة، والتي اكتسبت شهرتها لكونها تعتبر مركزا رئيسيا لكثير من ورش الفضة والذهب ومشغولات النحاس، حيث يعيش ويعمل في هذا الحي منذ مئات السنين شيوخ هذه الصنعة الذين عملوا وتتلمذوا على يد اليهود المصريين، الذين اشتهروا بإتقان وحرفية صناعة المشغولات الذهبية والنياشين والميداليات والكثير من المشغولات المعدنية والهدايا التذكارية، ليخرجوا للعالم تحفا فنية دقيقة الصنع تبهر زوار منطقة الحسين وخان الخليلي، فمع التقدم التكنولوجي وغزو الميكنة ظل التصميم اليدوي والحفر والعمل بـ«الزنكوغراف» وتقطيع المعدن والتلوين يدويا، هو السمة السائدة في هذه الورش.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال