الاثنيـن 22 شـوال 1433 هـ 10 سبتمبر 2012 العدد 12340
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

صناعة مشموم الفل والياسمين في تونس هواية وحرفة توارثتهما العائلات

زهرات فتية قليلة الحيلة تلين على وقع ضربات الشمس

المشموم .. صناعة تونسية بدأت عن طريق الهواية والاعتناء بالفل والياسمين («الشرق الأوسط»)
تونس: المنجي السعيداني
في أمسيات الصيف الطويلة يخرج سكان مدينة الحمامات، الرابضة على شاطئ البحر المتوسط في شرق تونس، متباهين ومتزينين بعقود من الزهور يطلق عليها «المشموم». ومن يقصد هذه المدينة، خلال الفترة بين 15 يونيو (حزيران) ومنتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول)، يحظى بمشاركة الأهالي استنشاق روائح زهور الفل والياسمين التي تعبق الشوارع والأزقة، ويتعرف على صناعة تقليدية تاريخية تعود إلى الثلاثينات من القرن الماضي.

المشموم هو عبارة عن باقة تتكون من أزرار – أو أكمام – زهرات الفل أو الياسمين أو كليهما معا، تتميز ببياضها الناصع ورائحتها الفواحة ويحملها الرجال والنساء على السواء، إما في اليد أو فوق إحدى الأذنين أو في جيب القميص، وما أن تفتح أزهارها حتى تزداد جاذبية عطرها.

جمال بن زهرة، وهو ابن عائلة من عائلات كثيرة توارثت صناعة المشموم في الحمامات، «عاصمة» صناعة المشموم وموطنها، قال لـ«الشرق الأوسط»، «تحبذ زهرات الفل والياسمين من يستفيق باكرا لجنيها خشية أن تداهمها أشعة الشمس الصيفية الحارة. وهي زهرات فتية قليلة الحيلة تلين على وقع ضربات الشمس الحارقة ولا تنفع بقايا قطرات الندى الصباحي العالقة فوق أهدابها».

وتابع جمال، قائلا إن «عائلته توارثت الصناعة أبا عن جد منذ عقود من الزمن، وهي تعشق النباتات وتتعامل معها ككائنات حساسة لا يجوز جرح أحاسيسها»، وأردف: «إنها صناعة نظيفة وتحب من يتفنن في التعامل مع تلك الزهرات الخجولة على الرغم من بياض ورقاتها الصغيرة».

الواقع أن الحمامات تحتفل بصناعة المشموم من خلال مهرجان يقام سنويا مع نهاية شهر أغسطس (آب)، ويعد هذا الاحتفال ورشة حية لصناعة مشموم الفل والياسمين. ويؤكد منظمو المهرجان أهمية هذا الحدث موضحين «أن كثرة من الناس يصلهم المشموم جاهزا، بيد أنهم لا يدركون مدى التعب الذي يرافق مراحل الصناعة، وكيف يحصل أصحابها على المواد الأولية خاصة خلال أيام الصيف الحارة».

من جهة ثانية، يتضح من خلال المهرجان أن أزهار الفل والياسمين لم تكن تخضع للتجارة ولم تكن العائلات تفكر في الأساس ببيع الياسمين، بل كانت ترعى تلك الأزهار في الحدائق العائلية من دون أن تذهب بها إلى الأماكن التجارية وإلى شوارع ومحلات في المدن لترويجها بين الزبائن.

إلى ذلك، أفادت بعض اللوحات الوثائقية التي قدمها مهرجان هذا العام لزائريه، بمعلومات عن أن استغلال زهرة الفل كصناعة بمدينة الحمامات يعود إلى عام 1930. وفي وقت لاحق، بدا للبعض أن الياسمين كذلك يمكن استغلاله وباتت تلك الزهرات تعطر بروائحها الزكية الأمسيات الصيفية. ويمتد موسم الأزهار على طول أشهر الصيف، وتزهر نبتة الفل لأصحابها أربع مرات في السنة بحساب مرة كل ثلاثة أشهر، وبإمكانها أن تعمر إذ يتجاوز عمرها الستين سنة.

وعودة إلى أصول صناعة مشموم الفل والياسمين، ذكر جمال بن زهرة أن «العناية بالنبتة يمتد على طول السنة ويتطلب الأمر عدد المراحل الضرورية للوصول إلى ما يوصف بصناعة فعلية انطلقت على مستوى الاستهلاك العائلي قبل أن تتحول إلى أنشطة متممة لمعظم باعة الزهور، وبات إنتاجها يتوافر في محلاتهم، وغدا اليوم ضرورية لزينة الحفلات والمناسبات العائلية».

ثم شرح أن صناعة مشموم الفل والياسمين: «تبدأ بعملية إعداد أعواد الحلفاء، التي تستعمل كمحامل لزهرات الفل والياسمين، إذ يقصها الصانع بأطوال متساوية. وفي مرحلة لاحقة ترصف على (أعناقها) الزهرات التي يصار اختيارها أزرارا قبل أن تتفتح، ذلك أن عمرها الافتراضي مرتبط بالحرارة.. فهي التي تحدد أعمارها وهي التي تضطرها على التفتح والبوح بروائحها الزكية. وتربط الزهرات بعد ذلك بخيوط رفيعة، ويصار إلى اختيار الأحجام، حسب الطلب، من منطقة إلى أخرى، وبحسب المناسبات العائلية ومدى قدرة العائلة على دفع ثمن المشموم، الذي قد يتجاوز عشرات الدنانير التونسية إذا كان (مخصوصا)».

وفيما يتعلق بعمليات التوزيع، أشار بن زهرة إلى أن فل الحمامات وياسمينها يصل يوميا إلى العاصمة التونسية تونس وإلى مدينة نابل المجاورة، وكذلك إلى مدينة سوسة السياحية. كذلك فإن كمية محدودة من مشموم الفل والياسمين تقطع البحر الأبيض المتوسط، وتحط الرحال في الضفة الشمالية الغربية للمتوسط، وتحديدا في فرنسا؛ حيث تنتظر فضاءات الزهور «مشموم تونس».

هذا، ويجد المشموم المحلي رواجا كبيرا بين العائلات التونسية وتتراوح أسعاره بين ستمائة مليم تونسية (نحو نصف دولار أميركي) ودينار تونسي، وهي أسعار في متناول معظم التونسيين، وغالبا ما تعتني العائلة التونسية بنبتة الفل والياسمين في حدائقها الخاصة بنية استغلالها صيفا.

وعلى صعيد حفلات الزفاف والمناسبات، يعتمد المنتجون على المشموم إذ تصنع منه قلائد من الحجم الكبير توضع حول رقبة العروسة والعريس. وهذا إلى جانب، أن معظم حفلات المهرجانات الصيفية توزع خلالها روائح الفل والياسمين على معظم المدعوين خاصة الفنانين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال