الثلاثـاء 04 ذو الحجـة 1432 هـ 1 نوفمبر 2011 العدد 12026
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

تونس: سوق العطارين.. سبعة قرون من الطيوب الزكية والعطور الفواحة

أنشطها في المدينةالعتيقة وفيه كل ما تحتاجه المرأة من مواد زينة

الدريدي يفخر بعطوره («الشرق الأوسط»)
تونس: المنجي السعيداني
سوق العطارين بالمدينة العتيقة التونسية سوق تجذب حرفاء من نوع خاص، بل قل حريفات من نوع خاص؛ فهن فتيات في مقتبل العمر يأتين طوعا إلى السوق التي توفر لهن ما لا تحلم به عين ولا سمعت به أذن من عطور ذائعة الصيت لدى العائلات التونسية. سوق العطارين بمثابة الممر الإجباري من قبل كل العائلات التونسية، فلا يمكن أن تحصل على مبتغاها من أدوات الزينة المختلفة وبأسعار غير قابلة للمنافسة وبجودة محترمة، إلا في هذه السوق التي عمرها الآن قرابة سبعة قرون.

عطور الياسمين والورد والعنبر والقماري والحناء القابسية (نسبة إلى مدينة قابس بالجنوب التونسي) كلها تباع هنا في سوق العطارين. وحكاية هذه السوق طريفة للغاية؛ فقد بناها أبو زكرياء الأول، مؤسس الدولة الحفصية، منذ القرن الثالث عشر للميلاد، وهي موجهة للعائلات التونسية الميسورة التي عادة ما تحبذ العيش والشراء من المدينة العتيقة دون غيرها، لاقتناء كل ما تحتاجه المرأة من مواد زينة وطيب. وهذه السوق، التي لا تزال من بين أنشط الأسواق التونسية بالمدينة العتيقة، يمكن للزائر أن يصل إليها عبر نهج البلاغجية ونهج الغرابلية ونهج سيدي بن عروس شمالا، وعبر سوق الترك من الناحية الغربية، وعبر سوق «الفكة» جنوبا.

وتقع هذه السوق بالقرب من مجموعة كبيرة من المعالم التاريخية على غرار جامع الزيتونة المعمور، الذي يقع على بعد أمتار من السوق، والمدرسة الخلدونية، ودار الكتب الوطنية، وهي من بين أنبل الأسواق في المدينة العتيقة إذا قارناها ببقية الأسواق التي غالبا ما تتوفر فيها مواد أولية تترك الكثير من الروائح، في حين أن كل روائح سوق العطارين جذابة، «فطيوبه زكية وعطوره فواحة»، على حد تعبير الكثير من المؤرخين التونسيين والعرب، الذين زاروا السوق طوال حقب من الزمن.

وعن هذه السوق، يقول التونسي محمد الحشايشي في كتابه «عادات وتقاليد تونسية»، إن سوق العطارين مشهورة بعطور الياسمين والوردة، بالإضافة إلى العنبر والقماري والحناء، وكلها مواد متوفرة في الأسواق المحلية التونسية.. فالياسمين على سبيل المثال معروف عن البلاد التونسية، وهو منتشر لدى الكثير من العائلات التونسية ضمن أشجار الحدائق، أما الورد فهو من أهم منتجات بعض المدن القريبة من العاصمة على غرار «ورود أريانة».

شذى المسك والعنبر ومستخلصات القرفة والمرغين و«الداد» و«الوشق» وكذلك الجاوي والوشق والزنجبيل كلها مواد فواحة تجذب المارة، حتى إن الكثير من طلبة كلية العلوم الإنسانية المعروفة تحت اسم «كلية 9 أفريل» القريبة من المدينة العتيقة يفضلون المرور من سوق العطارين دون غيرها من الأسواق، ورائحة العطور والرياحين والطيوب هي التي تؤثر عليهم وتجعلهم ينتظرون الفرصة للمرور من هناك.

ويستورد بعض التجار خلال السنوات الأخيرة خلطات جاهزة من إسبانيا، في حين يفضل البعض الآخر الاعتماد على العطور والطيوب المحلية، ويقبل شق آخر على الطيوب والبخور المقبلة من الأسواق الخليجية. إلا أن الأسواق الشرقية بباكستان وتايلاند وماليزيا وتركيا والهند تسيطر بصفة كبيرة على سوق الطيب والبخور في جزء من سوق العطارين، وهي مفتوحة على كل أصناف العطور، ولكن بعض العطور التونسية المحلية المنبت غير قابلة للمنافسة لجودتها العالية ونوعيتها غير القابلة للتقليد بحكم جودة نوعيتها، وارتباط ذلك بالمناخ والتربة على غرار ماء الورد والياسمين والحناء المقبلة من مدينة قابس.

وحول هذه السوق قال نبيل المختار (تاجر عطور وطيب بسوق العطارين): «إن إقبال التونسيين على البخور والعطور والطيب معروف على مر العصور، وتعطر أهل المدينة من العادات القديمة المنتشرة بكثرة بين سكان العاصمة، فهم يجدون في ذلك راحة نفسية قلما توفرها مادة غيرها».

وأضاف محدثنا، معددا مناقب سوق العطارين قائلا، إنها فريدة من نوعها في تونس، فقلما تجد سوقا بذاك الحجم في أي منطقة أخرى من البلاد، لذلك لا يمكن للعروس أن تجهز نفسها دون المرور من سوق العطارين؛ فهي بمثابة «المغناطيس» الذي يجذب كل أنواع البشر.

ويشير المختار بافتخار إلى أن سوق العطارين ليست موجهة للسوق المحلية فقط، بل إن السياح المقبلين من الجزائر وليبيا يجعلون الطلب يتضاعف على كل المواد، ويضيف أن هاتين السوقين الشقيقتين تستحوذان لوحدهما على نسبة 70 في المائة من المشتريات، وذلك قبل اندلاع الثورة في ليبيا، ويؤكد أن الطلب بقي مستقرا، على الرغم من هول الحرب هناك.

ويروي محدثنا لـ«الشرق الأوسط» أن العنبر والجاوي والوشق والمسك كلها مواد مصنعة في تونس، وهي غير قابلة للتقليد لأن صانعيها غالبا ما يضيفون لها بعض العناصر العطرية المحلية، التي تجعلها مختلفة تمام الاختلاف عما يروج في بقية الأسواق.

ويرى المنجي الدريدي (صاحب محل لبيع العطور في السوق) أن سوق العطارين سوق لا تموت؛ فهي ساكنة في الذاكرة الجماعية للتونسيين منذ مئات السنين. والذي يزور المدينة العتيقة ولا يدخل العطارين فكأنه لم يدخل السوق، ويتساءل الدريدي إن كان ذلك مرتبطا ببركة جامع الزيتونة المعمور المحاذي لسوق العطارين. وقال إن كثيرا من العطور لا تزال عمليات تقطيرها تعتمد على الوسائل التقليدية، مثل ماء الزهر والياسمين و«العطرشية» وماء الورد. واعتبر أن للعطور حرفاءها الذين يأتون من كل مكان من أجل عطور محلية قلما نجد لها مثيلا، ويرى الدريدي أن الحريف ابن البلد أفضل من السائح، فالتونسي يدرك ويفصل بين العطور المحلية والعطور المستوردة ذات الجودة المتدنية، في حين أن السائح يحاول إنزال السعر مع كل المنتجات، وهذا خطأ كبير في التقدير، على حد تعبيره.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال