الخميـس 23 رمضـان 1426 هـ 27 اكتوبر 2005 العدد 9830 الصفحة الرئيسية
 
صالح القلاب
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
البعث هو الذي اجتث البعث.. وها هي النهاية مأساوية
حتى في أحسن التقديرات والأحوال، وحتى لو استطاع نظام الرئيس بشار الاسد الصمود في وجه هذا الإعصار العنيف الذي بات يضرب بلا هوادة، فإن ما يتبادر الى الأذهان بعد كل هذا الذي جرى هو: هل أن مصير حزب البعث، إن في سوريا وإن في العراق، غدا محسوم، وهل ان ورقة هذا الحزب الذي تأسس في السابع من إبريل (نيسان) عام 1947، غدت بحكم الساقطة وأنه بات في نهاية خريف العمر وأصبح غيابه مسألة محسومة ومنتهية..؟!.

ربما ان الصدفة وحدها هي التي جعلت ظهور صدام حسين وسبعة من أركان نظامه في قفص الاتهام امام محكمة، توصف بأنها ستكون تاريخية، يتزأمن مع صدور تقرير المحقق الدولي ديلتس ميليس المتعلق باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وهو تقرير فتح الابواب على مصاريعها امام رياح باردة عاتية ستهب على دمشق، وستجعل إمكانية نجاة سفينة الحكم البعثي لسوريا الذي بدأ في الثأمن مارس (آذار) عام 1963 مسألة في غاية الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة.

لم يكن البعثان، البعث السوري والبعث العراقي، على أي وفاق ولو بالحدود الدنيا، بل ولقد بقي الصراع بينهما محتدماً منذ ذلك الافتراق الكبير عندما نفذت مجموعة وصفت نفسها بأنها يسارية، واتهمت «القيادة القومية» وعلى رأسها «الرفيق المؤسس» ميشيل عفلق بأنها يمينية، حركة الثالث والعشرين من فبراير (شباط) عام 1966 التي أعقبها انقلاب عسكري أبيض قاده الرئيس السوري السابق حافظ الاسد ضد رفاقه «الشباطيين» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970 أسماه الحركة التصحيحية.

ثم تعزز هذا الافتراق واتسع واتخذ هيئة المواجهات المكشوفة والحرب السافرة بعد وصول جناح «القيادة القومية»، الذي كان فعلياً بقيادة التحالف الثنائي أحمد حسن البكر وصدام حسين وشكلياً بقيادة ميشيل عفلق ومنيف الرزاز، الى سدة الحكم في العراق من خلال ذلك الانقلاب الذي جرى تنفيذه على مرحلتين في يوليو (تموز) عام 1968.

لقد بلغ الصِدام ذروته بعد انقلاب يوليو (تموز) هذا بين دمشق التي كانت ترفع رايات اليسار و«الاشتراكية العلمية» والتحالف الأقرب مع الاتحاد السوفياتي والمنظومة الشيوعية، وبين بغداد التي حملت راية «الشرعية البعثية» ولقد أُزهقت أرواح كثيرة في هذا الصراع وتبادلت العاصمتان «البعثيتان» الهدايا المتفجرة وإرسال المتسللين بالقنابل عبر الحدود، وكان النظام البعثي في سوريا يخصص جزءاً كبيراً من وقته وقدراته وإمكانياته لإلحاق الضرر بالنظام البعثي في العراق الذي كان يبادله هذه التحية بأسوأ منها.

لم يتوقف التآمر المتبادل بين هذين النظامين اللذين كان كل منهما يدعي انه هو نظام البعث الحقيقي وأنه هو الذي يمتلك «الشرعية البعثية»، اللهم باستثناء هدنة لم تستمر طويلاً في عام 1978، كان عنوانها بياناً اطلق عليه اسم «الميثاق القومي»، وانتهت بمذبحة ارتكبها صدام حسين ضد «وجبة» من كبار القادة البعثيين بعد اتهامهم بالتآمر على الحزب «طبعاً»، والسعي لتسليم رقبة السلطة في العراق ورقبة هذا الحزب أيضاً الى «الزمرة الانشقاقية»!! بقيادة حافظ الأسد وحزبه.

مواجهات في كل مكان.. فبالإضافة الى العمليات الإرهابية المتبادلة بين العراق وبين سوريا التي استخدم فيها المتقاتلون كل إمكانياتهم الاستخبارية وكل تحالفاتهم وكل قواهم فقد انخرط البعثان، البعث السوري والبعث العراقي في حروب وتصفيات وتفجيرات وانحيازات تآمرية في لبنان، على مدى عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولقد شملت هذه التصفيات المتبادلة صحافيين وكتاباً وقيادات حزبية.. ومن بين هؤلاء بلقيس زوجة الشاعر الكبير نزار قباني التي قضت في انفجار انتحاري استهدف مقر السفارة العراقية في منطقة الرملة البيضاء في بيروت الغربية.

عندما كانت دمشق البعثية تختلف مع ياسر عرفات وتبتعد عنه وتتآمر عليه، كانت بغداد البعثية أيضاً تحتضنه وتقف الى جانبه وتدعمه بكل وسائل الدعم، وهذا انطبق على الجنرال ميشال عون وأمين الجميل وعلى كل الأطراف الفلسطينية واللبنانية التي كانت تستخدم كأدوات، في إطار حروب تصفية الحسابات الإقليمية والدولية في تلك الفترة الصاخبة والملتهبة.

لسنوات طويلة بقي بعث العراق يحاول إطاحة بعث سوريا وبقيت دمشق البعثية تستهدف بغداد البعثية، وكان اكبر تحدٍ بين البعثيْن والعاصمتين البعثيتين عندما اندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية، في مطلع ثمانينات القرن الماضي، حيث تحالفت سوريا مع إيران وحيث لم تتورع صواريخ «الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة» عن قصف عاصمة العباسيين التي تتوسطها قيادة قومية على رأسها ولو شكلياً «الرفيق المؤسس» ميشيل عفلق، وترفع الشعار ذاته الذي ترفعه عاصمة الأمويين البعثية: «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة».

حربٌ كحرب داحس والغبراء خاضها «البعثان»، بَعْثُ دمشق وبعْثُ بغداد ضد بعضهما بعضاً، ولقد انتهكت خلال هذه الحرب التي امتدت أكثر من عقدين كل المحرمات من تفجير السيارات المفخخة في الشوارع الى زرع القنابل في الفنادق، الى حلقة طويلة السلسلة من الاغتيالات، الى تحالف كل خصم مع خصم خصمه رغم ما بينهما من تعارضات وتناقضات.

وأيضاً وبالمقدار ذاته فإن كل بعثٍ من هذين البعثين قد بادر بالإضافة الى حروبه مع البعث الآخر الى القيام بسلسلة تصفيات داخلية ضد رفاقه، وضد الاعضاء في التنظيم ذاته، وذلك الى حد إنه يمكن القول ان الذي طبق قانون «اجتثاث البعث» هم البعثيون أنفسهم. فبالإضافة الى مواجهة «بعث» صدام لبعث حافظ الأسد فإن كلاً من البعثيْن لجأ الى اجتثاث بعثييه الداخليين الذين خالفوه الرأي أو باتوا يشكلون خطراً على نفوذه وانفراده بالسلطة.

ولعل ذروة «التراجيدا» بالنسبة لهذا الامر ان دمشق البعثية أصدرت، في ذروة اشتداد صراعها مع بغداد البعثية، حكماً غيابياً بالإعدام على ميشيل عفلق الذي هو مؤسس هذا الحزب وأمينه العام لسنوات طويلة، وكذلك فإنها اتهمت بأنها هي التي وقفت وراء اغتيال المؤسس الثاني صلاح البيطار في باريس... هذا في حين ان المؤسس الثالث الذي هو أكرم الحوراني قد أدركه الموت في عمان ودفن فيها بعد رحلة عذاب طويلة، وهجرات متلاحقة قادته الى عواصم عربية وغير عربية كثيرة.

وكما حصل مع ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني وصلاح جديد ونور الدين الآتاسي وجلال السيد وإبراهيم ماخوس والدكتور يوسف زعين وقائمة طويلة من أقدم قادة هذا الحزب حصل الشيء نفسه مع سلسلة طويلة مع كبار البعثيين العراقيين الذين ساقهم صدام حسين الى ميادين الإعدامات في «وجبات» متلاحقة والذين فجر «الرفيق الضرورة» بكواتم الصوت رؤوسهم وثقَّب صدورهم بالرصاص، ومن بين هؤلاء حردان التكريتي وعبدالكريم مصطفى نصرت ومهدي عماش ومنيف الرزاز ومحمد عايش وعبدالخالق السامرائي وزكريا مشهدي وعدنان الحمداني... وغيرهم.

والآن وإذْ تُحاصَرُ سوريا على هذا النحو بعد مغامرة غير موفقة في لبنان، بعد نحو عامين ونصف من سقوط نظام بعث العراق، في أعقاب مغامرة حمقاء ومشبوهة في الكويت، فإنه يمكن القول ان هذا الحزب الذي استقطب جزءاً كبيراً من الشباب العرب، بشعاراته وأحلامه وببلاغة شعرائه وبخاصة في عقد خمسينات القرن الماضي، قد انتهى نهاية مأساوية بالفعل..!.

> > >

التعليــقــــات
علي الدهان، «البحرين»، 27/10/2005
النهاية الطبيعية لفكر دموي سادي إجرامي مبني على القتل وانتهاك الحرمات والاغتصاب والتغييب وإن طالت فترة هذه النهاية.
عقيل الحلفي، «فرنسا ميتروبولتان»، 27/10/2005
تحيه من شاب عراقي عاش ويلات النظام البعثي المقبور إلى الكاتب صالح القلاب وأرجو منك أن تبين للمجتمع ماهية النظام البعثي. أشكرك على تقصي الحقائق وأدعو الله لك بالتوفيق والنجاح في مقالاتك.
حسين الركابي / أسترالية، «فرنسا ميتروبولتان»، 27/10/2005
قال العقاد: زنت الشيوعية فولدت البعث. حصلت ولادة أول دولة شيوعية في الإتحاد السوفييتي عام 1917وجاءت ولادة البعث عام 1947، بعد أن جرى غزل مختصر بين ميشيل عفلق والشيوعية التي تبرّأ منها مفضّلا أن يفتتح دكانه الخاص به. لم يمر عقدان على انهيار جدار برلين الذي تحطمت بعده دول الدّمى الشيوعية حتى انهار بعث العراق بالأمس وبعث سورية يبدو سائراً على نفس الطريق بالرغم من دمى المظاهرات المليونية. ماتت الشيوعية فما طاق ان يعيش بعدها ولدها البعث. أتخم الحكام الحزبيون في البلدين الشقيقين أنفسهم عيشا رغيدا، فهل من المنصف أن تحتسب السنون العجاف الطوال في عمر العراقيين والسوريين عمراً عليهم؟
وليد فواز، «المملكة العربية السعودية»، 27/10/2005
مقال رائع أستاذ صالح والحقيقة أن مابني على باطل فإنه لايدوم ، وهذا الحزب الذي تورم في جسد الأمة العربية سبب لها قلقا وصداعا مزمنا وهاهي نار ظلم هذا الحزب تأكل بعضها بعد أن قضت على أبناء الأمة الشرفاء ثم جاءت العقوبة الإلاهية لتسلط على هذا الحزب من لا يرحمه.
فتح الله مجيد، «المانيا»، 27/10/2005
السيد صالح القلاب أصاب كبد الحقيقة في هذا المقال. ولكن يبدو أن البعثيين في سورية لم يستوعبوا الدرس من العراق وسوف يرتكبون نفس حماقات البعث العراقي. والسؤال الذي يطرح نفسه هو إذا كان البعثيون يتعاملون هكذا مع بعضهم البعض فكيف يتعاملون مع أبناء شعبهم الذين لاحول لهم ولا قوة؟
علي عبد الرؤوف صلاح الدين، «المملكة العربية السعودية»، 27/10/2005
نتائج متوقعة لحزب البعث الذي حمل أفكارا هدامة، ورؤى مشوشة، نهاية حتمية لخدعة الشعب، وسارقي أرزاقه وحريته، ولا غرو سيدي في هذه النهاية التي حملت مآسٍ لأصحابها وكانت وبالا عليهم بدءا من مؤسس الخراب مشيل عفلق وأعوانه، وانتهاءً بصدام داهية عصره، ومشتت ومفرق العروبة ومضرها، ولا ندري فهشيم النيران التي حرقت هؤلاء تقترب وتزحف باتجاه آخرين تشوقا لتذويبهم، واقتلاع جذورهم، كم تلقى الشعب من أهوال، وتجرع من آلام من المؤسسين ومن ينتمون لهذا الحزب، على العقلاء الآن وقبل فوات الأوان إعلان التوبة والبراءة من هذا الحزب وما دعا إليه، عليهم أن يدركوا أن ما بني على باطل هو باطل، وأن البناء الهش مهما علا فلا أمان له ولا بد أن تقتلعه العواصف، وتذروه الرياح، وصدق الله العظيم حيث قال :( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله خيرٌ أم من أسس بنيانه على شفا جرفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم) نعم هذا هو مصير من لعب بأرواح الشعوب، وليتعظ الغير بأن النار على مرمى بصر منه فليحذرها.
ليدرك العقلاء ما حدث لأعوان صدام وما لحقهم من أذى على يد رجاله وأفراد حزبه، تمت تصفيتهم، قتل وترويع، تفخيخ الأبدان، وإخفاء الجثث، وهنا أتساءل أبعد هذا يصر البعث السوري على المضي في طريق مظلم لا نجاة منه ولا نهاية طيبة للسائرين فيه؟! طريق موحش لمرتاديه رصد به كلاب السلطة، ومؤيدي الحزب وبائعي الضمائر لاصطياد من يحلو لهم ممن خالف مذهبهم أو فكر في التطاول على سادته.
أبعد هذا يصر مسؤولو سورية على تناطح الصخر والسير عكس الأمواج والرياح العاتية التي تهدد أركانه وتتشوق لاقتلاعه، وزرع من يخدم سيده، ويورط شعبه إرضاء للأقوى، من ينفذ السياسات، ويشبع الغرائز؟
سامر حيدر عبدالله، «المملكة العربية السعودية»، 28/10/2005
تحليل موضوعي ونتيجة منطقية، وياليت الذين أثقلوا آذاننا طوال عقود طويلة ومريرة بالخطب الجوفاء والمرجلة المصطنعة يحافظون على ما تبقى من هيبة هذه الأمة ويختارون طريق الإنسحاب وفتح قنوات الحرية والشورى أمام شعوبهم علها تنهض بواقعها وتجابه تحديات أعدائها الذين يجنون اليوم ثمرات عقود الزيف والباطل التي صنعها هؤلاء.
azzam ali، «المملكة العربية السعودية»، 28/10/2005
شكرا لك سيدي على ما كتبته. النظامين البعثيين في سورية والعراق هما وجهان لعملة واحدة. فما أشبه الأمس بالغد حيث أن نظام صدام ظل يكابر ويعاند حتى أوصل العراق إلى ما هو عليه الآن وكل ذلك لعدم قدرته وفهمه للواقع العالمي الجديد ومحاربته للحفاظ على السلطة غير مكترثا لمصير شعبه.
وأنا متأكد أن النظام البعثي السوري الهرم سيقود سورية لنفس مصير العراق غير مكترث للشعب ولا لمعاناته ولفقره وكل همه المحافظة على السلطة أيضا.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال