السبـت 10 ربيـع الثانـى 1431 هـ 27 مارس 2010 العدد 11442 الصفحة الرئيسية
 
محمد صادق دياب
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
فتنة جدة

في عام 1858 تعرضت مدينة جدة للغزو البحري من إحدى قطع الأسطول الإنجليزي، وسبب ذلك أن صالح جوهر، وهو أحد ملاك السفن بجدة، اشترى مركبا عليه العلم الإنجليزي، فسعى إلى تغييره وإحلال علم الدولة العثمانية - التي كانت تحكم الحجاز آنذاك - محله، فغضب القنصل الإنجليزي، وذهب إلى المركب، وأعاد العلم الإنجليزي إلى مكانه من السارية، وأشيع يومها في جدة أن القنصل الإنجليزي قد وطأ العلم العثماني بقدمه، وهو يطلق الكثير من الشتائم، فثارت ثائرة الناس، واقتحموا - بحسب أحمد زيني دحلان - دار القنصل الإنجليزي وقتلوه، وقتلوا معه 20 من الدبلوماسيين والتجار الغربيين، بينما اضطر آخرون إلى الهرب سباحة إلى حيث ترسو إحدى قطع الأسطول الإنجليزي «سيكلوب».

ويورد البروفسور بيترز هذه الحادثة في كتابه «مكة» بتفاصيل تختلف في بعض جزئياتها عن رواية دحلان، ويشير إلى أن الأجواء النفسية في جدة كانت مهيأة لمثل تلك الحادثة، فلقد أشيع قبلها أن شركة أجنبية للسفن البخارية تسعى إلى احتكار شؤون الملاحة بمساعدة بعض تجار المدينة وأثريائها، فجاءت تلك الحادثة لتشعل فتيل الغضب في مدينة غمست لقمة عيشها في ملوحة البحر، وتأرجحت أحوالها بين مده وجزره.

وعلى أثر تلك الحادثة، فتحت إحدى السفن الحربية الإنجليزية نيران مدافعها على جدة في 25 يوليو (تموز) 1858، فلقي سبعة من السكان حتفهم من جراء تلك الغارة، وواصلت بريطانيا وفرنسا ضغطهما على الحكومة العثمانية، فساقت إلى ساحة الإعدام 11 شخصا، ثم ألحقت بهم اثنين آخرين، أحدهما محتسب مدينة جدة، وسجنت ونفت آخرين ممن حامت حولهم الشكوك بالمشاركة في ذلك اليوم الذي اصطبغت فيه المدينة بالدم.

وبعد مرور أكثر من 150 سنة على تلك الحادثة تأتي الرواية السعودية الحديثة لتتخذ من هذه الحادثة التاريخية مطيتها لعمل إبداعي جميل حمل اسم «فتنة جدة»، كتبه الروائي مقبول موسى العلوي، مستخدما «تكنيكا» روائيا خاصا للمزج بين الحقيقة التاريخية والإبداع الفني، ووفق إلى حد كبير في المحافظة على بنية الحادثة الأساسية دون أن يسمح لذلك بأن يطغى على فنيات الرواية، وقد انتقى شخوص روايته من الحقيقة والخيال أمثال: منصور التهامي، وفتنة، وصالح جوهر، ونامق باشا.

إن مقالي هذا تحية لروائي لم أعرفه، ولم ألتق به، ولكنني أشعر بأن روايته التي عثرت عليها بالصدفة في معرض الرياض الدولي للكتاب تستحق أن يكون لها حضورها في قائمة الروايات الجادة والمميزة، التي اختطت لنفسها مسارا بعيدا عن الشائع والمألوف والمتهافت عليه في الرواية السعودية الحديثة.

m.diyab@asharqalawsat.com

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال