حكومة فاشلة وميليشيات سائبة!

TT

كل من يمتلك بصرًا أو بصيرة أو قليلًا من الضمير والإنصاف يستطيع أن يتبين النتائج الخطيرة والكوارث والمصائب والأحزان التي حدثت في العراق بعد دورتين من حكم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، والذي يبدو أنه غير مهتم بكل ما جرى وما يجري في العراق المشتعل هذه الأيام، حيث ما زالت معظم الأنباء تتوالى عن إصراره على الولاية الثالثة، وعدم تقديم التحالف الوطني أي مرشح آخر في الجلسة الأولى للبرلمان المقبل.

فشل في كل شيء، ودمار حوَّل الكثير من مدن العراق إلى خرائب بسبب القصف الجوي والعمليات العسكرية المتواصلة منذ عدة أشهر، وضحايا بالمئات والآلاف وأعداد مليونية من المهجرين والنازحين من مدنهم وبيوتهم، ومع هذا فهو مستمر وبعناد على ترشيح نفسه، وفرض رئاسته على الرغم من أن الجميع يرفضونه علنًا وجهارًا، ومن أقرب أركان البيت الشيعي، والذي أصبح المالكي عبئًا وعقبة كبيرة في التواصل بين أعضائه وباقي الكتل والأحزاب العراقية.

الوصف الأقرب إلى واقع الحال لحكومة المالكي أنها حكومة فاشلة ذات سلطة غائبة لصالح الميليشيات السائبة، التي تصول وتجول في بغداد وبعض المدن، فتخطف وتقتل من غير أي وجود أو حضور للحكومة، التي لا يسمع صوتها إلا من خلال المؤتمرات والكلمات الأسبوعية في خطاب مكرر ملّ منه الناس من قبيل وجوب الوحدة والمصالحة والدفاع ومحاربة الإرهابيين الذين يوصف به كل من يخالف أو يعارض المالكي بالحق أو بالباطل.

وعليه، لا بد أن يرتفع الصوت إدانة وشجبًا واستنكارًا لضحايا من نوع آخر يسقطون في العراق الجريح، وهم السجناء أو المعتقلون والمحتجزون في السجون والمواقف والتسفيرات والذي أشارت الكثير من الأنباء إلى وجود تعليمات من أعلى المناصب في الحكومة بتصفيتهم وقتلهم في حملات إعدام جماعية قبل الانسحاب أو ترك المواقع التي تتعرض لهجوم واكتساح من المسلحين أو الجماعات التي تقاتل ضد الحكومة.

فقد توالت الأنباء أولًا عن تصفية 52 معتقلًا في مركز شرطة الوحدة في مدينة بعقوبة، بعد قرب وصول المسلحين إلى قوات الحكومة، في هذه الأثناء قتلت ميليشيات جميع الضحايا في زنزاناتهم، وقد نجا سجين واحد روى ما جرى، وبعدها تم اختطافه من مستشفى بعقوبة، وعثر على جثته مرمية بعد عدة أيام أمام الطب العدلي.

هذه الحادثة كان يمكن أن تمر أمام سيل الأخبار والقتل والحرب التي تجري في العراق، إلا أن تكرار تصفية وإعدام العشرات من السجناء في تلعفر، وعملية قتل 69 سجينًا أثناء عملية نقلهم من سجن الحلة إلى آخر، لكن قبل وصولهم إلى وجهتهم، كان كل السجناء قد قتلوا.

الرواية الرسمية التي أدلى بها محافظ بابل عن الواقعة التي حدثت في الحلة يوم الاثنين تقول إن متشددين هاجموا القافلة فقتلوا عشرة سجناء وشرطيا في تبادل لإطلاق النار، إلا أن ضابطين في الشرطة ومسؤولا محليا كبيرا من المنطقة التي قتل فيها السجناء في الحلة، تحدثوا شريطة عدم ذكر أسمائهم، وقدموا رواية مختلفة عن الرواية الرسمية، قائلين إنه لم يقع أي هجوم، وإن الشرطة أعدمت السجناء جميعهم، وإن بعض السجناء لم يقتلوا عند تبادل إطلاق النار، لكن أطلق عليهم الرصاص لمنعهم من الهرب.

إن إدانة منظمة العفو الدولية (هيومان رايتس ووتش) لهذه الجرائم وتأكيدها حسب مصادرها الخاصة من أن ميليشيات من مكون ما قد قامت بعمليات الإعدام الجماعية لهؤلاء المعتقلين، والذين أغلبهم موقوفون في قضايا جنائية عادية لا علاقة لها بالإرهاب، إلى جانب التحذيرات التي أطلقها الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق نيكولاي ملادينوف إزاء البعد الطائفي المتصاعد للقتال في العراق والتقارير الواردة عن تنفيذ عمليات إعدام واختطاف لمعتقلين بدافع الانتقام، وتأكيده أن مكتب حقوق الإنسان التابع لـ«يونامي» تحقق من حوادث تؤكد وقوع إعدامات جماعية في العراق، وأعمال خطف لأشخاص من مجتمعات دينية وعرقية، كما رصد المكتب تقارير بشأن أعمال انتقامية واضطهاد ضد مواطنين من قبل بعض أفراد القوات الأمنية والميليشيات، وأنه يتوجب على الحكومة العراقية أن تتأكد من التزامها بحقوق الإنسان والقانون الدولي في مسار عملياتها الرامية إلى محاربة الإرهاب، قائلا إن البعض من هذه الأعمال قد يرقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، وهو ما يؤكد أن الوضع في العراق قد وصل إلى حالة الطريق المسدود مع هذه الحكومة الفاشلة ذات السلطة الغائبة لصالح الميليشيات السائبة!

* نائب المدعي العام - إقليم كردستان العراق