من قتل المستقبل في ديارنا؟

TT

تعجبني كتابات توماس فريدمان كثيراً، والإعجاب لا يعني الإتفاق على أية حال. فهو صريح في ارائه، قوي في اسلوبه، ولكنه ليس دائماً دقيقاً في أحكامه واستنتاجاته. ربما مرد ذلك إلى كونه يعتبر نفسه خبيراً في شؤون الشرق الأوسط، وقد يكون ذلك صحيحاً، إلا أنها خبرة لا تتجاوز السطح في كثير من الأحيان، ومغلفة بالحرص المبالغ فيه على أمن إسرائيل، مما يعرقل من موضوعية الرؤية في أكثر الأحيان. في تعليقه المنشور هنا يحاول فريدمان أن يضع أصبعه على أسباب الجرح دائم النزف في منطقة الشرق الأوسط، انطلاقاً من مقولة الرئيس جورج دبليو بوش بأن «المستقبل يموت» في الشرق الأوسط. يتفق فريدمان مع الرئيس بأن المستقبل يموت فعلاً، ونتفق نحن معهما بذلك، ولكن السؤال ليس عن النتيجة بقدر ما هو عن الأسباب. هنا يحاول فريدمان أن يجيب عن لماذا يموت المستقبل في الشرق الأوسط، وهو حر في طبيعة اجابته وتحليله وابداء وجهة نظره، سواء اتفقنا معها أو لم نتفق. ولكن في كل الأحوال، فإن التحليل، أي تحليل، يجب أن يكون متماسكاً منطقياً من أوله إلى آخره، بحيث تنسجم النتائج مع المقدمات، وهذا ما يفرق بين وجهة نظر وأخرى. هكذا تعلمنا في الجامعات الأميركية ذاتها، التي يتحدث عنها فريدمان بتمجيد في تعليقه هذا.

في البدء، يرى فريدمان أن المشكلة تكمن في «المواقف» الزمنية لثلاثة قادة يبدو أنه يعتبرهم الأبرز في الشرق الأوسط اليوم: ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون. مشكلة الأمير عبدالله أنه يريد نسيان الأمس، أو تجاهله وفق الكلمة التي استخدمها فريدمان. ومشكلة عرفات أنه يريد تجاهل اليوم، ومشكلة شارون أنه يريد تجاهل الغد. بالنسبة للأمير عبدالله، فإنه يريد تجاهل ما حدث في سبتمبر وتداعياته، والتنصل من مسؤولية أن خمسة عشر سعودياً من أصل تسعة عشر، شاركوا في العملية، بينما تريد الولايات المتحدة أن تعيد السعودية كل حساباتها الداخلية، من أجل فهم ما حدث، وضمان أن لا يحدث مستقبلاً، فـ «إف. بي. أي.» ما زالت تجهل ما حدث على وجه الدقة والشمول في ذات الوقت. لن نعلق هنا على وجهة نظر فريدمان حتى لو اختلفنا معها، ولكن السؤال المنطقي هو: لماذا يُلام الأمير عبدالله على محاولة نسيان الأمس، في ذات الوقت الذي لا يلام فيه بوش على ذلك، ويلام فيه ياسر عرفات على أنه لا يريد نسيان الأمس؟ فإذا كانت موضوعية المعايير هي الأساس، فلماذا لا يلام الجميع، أو يُبرر للجميع، أو لا هذا ولا ذاك؟ هذا من ناحية منطق التحليل، أما من ناحية المضمون، فيبدو أن أحداث سبتمبر أصبحت نوعاً من «قميص عثمان» أميركي، أو حرب بسوس تلعب فيها الولايات المتحدة دور المهلهل الذي يريد الثأر لأخيه كليب من الجميع، لتبرير أي شيء وكل شيء، وتعليق المشكلات على مشاجب الآخرين. أن لا تعلم الـ «إف. بي. أي.» عن كل شيء، فهذه مشكلتها لا مشكلتنا. نعم لدينا مشاكلنا ومعضلاتنا السياسية والاجتماعية وغيرها، وأنا شخصياً لدي موقف من كل ذلك، ولكنها في النهاية تبقى مشاكلنا، ونحن من يحلها، حتى لو اخطأنا. حلي لمشاكلي يعني أن لدي القدرة الذاتية على استمرار الحياة، وإلا فإن الإندثار أفضل من استمرار الحياة على مغذيات صناعية. تحليل فريدمان في هذه النقطة يذكرني بموقف للمهاتما غاندي أيام المفاوضات مع البريطانيين للخروج من الهند. فقد حاول البريطانيون اقناع الهنود بأنهم باقون في الهند لحل مشكلاتها، ومنع الانفجار المتوقع بين الهندوس والمسلمين، فقال لهم غاندي إن هذه مشكلاتنا، وليست مشكلاتكم، ونحن كفيلون بحلها، فلا تجعلوها مبرراً لبقائكم. نعم، أحداث سبتمبر بيّنت أن لدينا خللاً في مجتمعنا، ولكنه يبقى مجتمعنا، وتبقى مشكلتنا نحن، وإن لم نستطع حل مشكلاتنا بأنفسنا، فنحن غير جديرين بالحياة ذاتها.

وفي ذات الوقت الذي يلام فيه الأمير عبدالله على محاولة تجاهل الأمس، ولا يلام في ذلك بوش وعرفات، ويلام عرفات على تجاهل اليوم، ولا يلام في ذلك شارون، ويلام شارون بتجاهل المستقبل، ولا تُذكر المبادرة العربية للسلام بصفتها خطة مستقبلية ممكنة ومقبولة، يؤكد الأمير عبد الله وعرفات، ومعهما كل قادة دول العرب، انهم مستعدون للسلام الكامل مع إسرائيل، ولكن شارون لا يريد ذلك، هنا تكمن المشكلة بكل بساطة. عندما تقبل إسرائيل بالأيدي الممدودة لها بالسلام، يمكن الحديث عندها عن هارفارد والصين ونحو ذلك من موضوعات، وساعتها اؤكد بثقة أن السفير غازي القصيبي لن يكتب قصيدة في تمجيد انتحارية فلسطينية، لأن أسباب هذه العمليات تكون قد زالت وولت. وغازي القصيبي عندما يكتب مثل هذه القصيدة، فهو يكتبها بصفته الشخصية لا الرسمية، وهذا من باب حرية الرأي التي مارسها الكاهن «عوفادا» حين وصف العرب بالأنجاس، وطالب بقتلهم، من دون أن يقول توماس فريدمان في ذلك شيئاً. ربما يكون هذا جزءاً من «الديمقراطية اليهودية»، التي أوردها فريدمان في تحليله. والحقيقة أنني لا أدري كيف تكون ديمقراطية ويهودية في ذات الوقت، فالديمقراطية إما أن تكون بذاتها أو لا تكون، ولا وسط بين الاثنين. ومن الغريب في تحليل فريدمان أنه يربط الانتفاضة بالفساد في السلطة الفلسطينية، في اختزال كامل لكل الأبعاد الأخرى. فعرفات حوّل الانتفاضة ضد الإسرائيليين، وهي التي كانت في الأساس ضد فساد السلطة. كلا يا سيدي الكريم، الانتفاضة نتيجة معاناة شعب يريد أن يعيش مثل غيره من الناس، وإذا كان هناك فساد في السلطة الفلسطينية أو غيرها، فهو مشكلتهم، وهم من يحلها بطريقتهم، ولكن اعطوهم الفرصة ليفعلوا ذلك. الانتفاضة هي نوع من محاولة استرداد القرار والمصير، كي لا يكون في قبضة الإسرائيليين وحدهم، سواء من اليمين أو من اليسار الذي يرى فريدمان أنه وحده القادر على تحقيق دولة فلسطينية مستقبلاً. شكراً لمعسكر السلام في إسرائيل، ولكن الشكر والتعاون لا يعنيان اتخاذ القرار بدلاً من صاحب القرار. مشكلة الولايات المتحدة أنها تريد أن تكون وصية على العالم، ومشكلة إسرائيل أنها تريد أن تكون وصية على الشرق الأوسط، ولا أحد يريد أن يُعامل على أنه من القاصرين، حتى لو كان كذلك، فما بالك حين لا يكون. قد لا نستطيع إعادة تشكيل العقل الأميركي، ولكننا نستطيع الحديث بصراحة إلى عقول لا تدري في أي اتجاه تسير.