الاربعـاء 28 ربيـع الثانـى 1423 هـ 10 يوليو 2002 العدد 8625 الصفحة الرئيسية
 
خالص جلبي
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
مصير الكون
في الوقت الذي ينحر البشر بعضهم بعضا على سطح ذرة من غبار في المحيط الكوني هناك من العلماء من يقلب نظره في السماء يبحث في مصير الكون. وإلى أين يمشي؟ ومنذ القديم شغل هذا السؤال بال الفلاسفة وحاولوا حله على المستوى النظري ومنهم الفيلسوف (ابن رشد) الذي قال بقدم العالم. فالموجودات حسب نظره ثلاثة: الله والطبيعة والأجسام. يحكمها قانون ثلاثي عقلي. فالأجسام وجدت (من) شيء و(عن) شيء أي سببها فاعل و(الزمن) متقدم عليهما. أما الله فهو (من) غير شيء ولم ينشأ (عن) شيء ولم يتقدمه (زمن). أما العالم فهو لم ينشأ (من) شيء ولم يتقدمه زمن ولكن نشأ (عن) شيء أي عن الله وهنا نقطة الجدل. وموضع الجدل هو في العالم هل هو محدث أم قديم؟ وهو حسب مذهب ابن رشد ليس محدثا حقيقيا وليس قديما حقيقيا. فالمحدث فاسد والقديم ليس له علة. والذي حل هذه المعضلة لم تكن الفلسفة بل علم الكوسمولوجيا.. ولو بعث ابن رشد من مرقده لذهل من النتيجة ان العالم ليس قديما كما تصور بل ان الكون له عمر حدده العلماء بدقة مذهلة. ففي عام 1913 تقدم (جورج لوميتر) البلجيكي بنظرية مزدوجة تفسر ولادة الكون وموته. بأن الكون بدأ من نقطة انفجرت مثل شظايا قنبلة في كل الاتجاهات. ومنه تشكل كوننا الذي نعيش فيه والذي يضم مائة مليار مجرة في كل مجرة مائة مليار نظام شمسي. أو كما يصفها (كارل ساجان) الفلكي الامريكي في كتابه (الكون) لو تصورنا ان قبضة من رمال البحر فيها عشرة آلاف حبة فإن الكون الذي نعيش فيه يضم رمال شواطئ العالم أجمعين. وهو رقم يخشع القلب عنده. أما نهاية الكون فقد تنبأ (لوميتر) بأن الكون سيموت على نحو هادئ وتدريجي كما تذوي الشمعة.

ولكن تصورات (لوميتر) قوبلت بالاستهجان مرتين: من وسط المتدينين ان يكون الرجل ضل السبيل. ومن جهة غير المتدينين لأن تصورا من هذا النوع يوحي بعمل الهي يقترب من نظرية الخلق التي تحدثت بها الكتب السماوية. وبسبب اشكالية العلم والكنيسة فقد فضل العلماء الفرار من قبضة الكنيسة مع انطلاقة العلم الى اي شاطئ خوفا من سقوط العقل في مصادرة الفكر الدوغمائي.

لم تكن اقوال (لوميتر) الوحيدة فقد جاء (الكسندر فريدمان) عالم الرياضيات الروسي بمفاجأة تقول إن الكون الذي نعيش فيه يمشي باتجاه التمدد. وكان هذا اشتقاقا من معادلات آنشتاين في النسبية. كما ان (آنشتاين) وقع في ورطة عندما أدخل الى معادلاته (الثابت الكوني) في محاولة منه لضبط انفلات الكون بعد ان قادته نتائج المعادلات الى توسع الكون وأن الكون له بداية. وفي حياته اعتبر آنشتاين ان هذه اكبر غلطة ارتكبها وبتعبيره (حمرنة) ولكن لم تكن غلطة كاملة فقد جاءت معلومات جديدة قبل بضع سنوات تقول باشياء غريبة عن بناء الكون ان هناك طاقة في الكون هي (ضد الجاذبية) وهي أقوى من الجاذبية بمرتين. بحيث ان معادلات آنشتاين القديمة يمكن نفض التراب عنها لاستيعاب حقائق جديدة في تطور الكون. اما المفاجأة الكبرى فجاءت من عالم فلك امريكي هو (ادوين هبل 1889 ـ 1953) الذي طور تقنية خاصة لدراسة النجوم بمرصد قوي فاكتشف ان الكون يضم من المجرات اكثر مما نتصور. وأن كل المجرات تتباعد عن بعضها البعض مثل نقط موجودة على ظهر بالونة. لا تكف عن التوسع تنفخ فيها قوة خفية بدون ملل. وتوصل الى توسع الكون هذا عن طريق تقنية (الزحزحة الحمراء) لطيف الضوء. فمن المعروف ان الضوء ليس أبيض كما نتصور بل هو مزيج من ألوان سبعة بموجات مختلفة في طيف يتراوح بين الاحمر والازرق. فهو يهجم علينا برأس ازرق اذا كان الضوء متوجها نحونا، وهو بذيل احمر اذا هرب مبتعدا عنا. وبواسطة هذه التقنية ادرك ان كل المجرات من حولنا ترسل ضوءاً أحمر وان الكون كله في حالة توسع مذهلة. وفي عام 1929 تم ضبط حركة التوسع بقانون اطلق عليه (قانون هبل) وبثباتة كونية لهذا التوسع هي معدل 50 ـ 100 كم في الثانية الواحدة لكل ثلاثة وربع مليون سنة ضوئية. وبوضع يدنا على معدل السرعة يمكن قلب الحساب ومعرفة بداية الكون في رحلته ومتى تمت؟ فكل عودة للخلف لكون يتوسع تعني انه كان أصغر. واليوم يقررها العلماء بأن عمر الكون هو في حدود 15 مليار سنة. بدءا من انفجار كوني يفوق كل تصور من نقطة رياضية (متفردة) معها تنهار كل القوانين الفيزيائية فلم يكن هناك زمان ومكان ومادة. وفي أقل من سكستليون من الثانية تمدد الكون على شكل غير متناسق الى السعة الحالية. وهذا الانفجار ترك اثره على صورة أشعة كونية يمكن التقاطها من كل مكان، وهو الشيء الذي اثبته كل من (آرنو نزياس) و(روبرت ويلسون) عام 1965 وكان ذلك بمحض الصدفة ونالا على ذلك جائزة نوبل. وهي اليوم المؤشر المادي على حدوث الانفجار العظيم Big Bang وعرف انه يبلغ درجة حرارة 3.5 فوق الصفر المطلق.

والآن يأتي السؤال الحرج؟ اذا كان الكون قد بدأ رحلته قبل 15 مليار سنة فإلى أين يمضي هذا التوسع؟ هل هو بدون نهاية أم انه سوف يتعرض للانكماش مرة ثانية؟ حاول الفيزيائي البريطاني (ستيفن هوكينج) الاجابة عن السؤال في كتابه (قصة قصيرة للزمن): ان هذا يعتمد على مقدار المادة في الكون، فإذا كانت أقل من المتوقع مضى الكون في رحلة التوسع الى اللانهاية، واذا كانت كمية المادة أكثر انكمش ورجع باتجاه عكسي الى نقطة الانكماش الاولى بانخماص عظيم مقابل الانفجار العظيم. وكانت التقديرات ان هذا سيحتاج الى خمسين مليار سنة. لم يستطع (ستيفن هوكنج) تحديد سيناريو الكون في اي اتجاه سيمضي واختار جواب ملكة سبأ عن عرشها، قيل أهكذا عرشك قالت: «كأنه هو». قال هوكينج جائز ان يكون أحدهما.

ومع مطلع عام 2002 بدأت ابحاث الفلكيين تمشي باتجاه جديد من خلال دراسة استعار السوبرنوفا والاشعة الاساسية الخلفية في الكون بارسال بالونات في القطب الجنوبي للقياس. مما اوصل الى اكتشاف شيء قلب التصورات بأن الكون أخف بكثير مما كانوا يتصورون وان الكون ماض في توسعه الى اللانهاية في الوقت الذي تذوي الشموس ويستمر بقاء الكون الميت يتوسع الى اللانهاية. ولكن هذا سيحدث بعد 100 ألف مليار سنة أي اننا نعيش الآن الساعة الأولى من سنة كاملة جديدة.

أما مصير الارض فاصبح مختلفا في ضوء هذا الكشف فلن تعيش مع الشمس خمسة مليارات سنة بل ستنتهي بعد 500 مليون سنة، بسبب ارتفاع توهج الشمس واحد بالمائة كل مائة مليون سنة، مما يجعل المياه تتبخر أكثر وينضب غاز الفحم وتموت النباتات ومع موت النباتات نموت نحن بفقد الاكسجين الذي تضخه النباتات، ولكن الفلكي الكندي (ارنولد بوثرويد) يعطينا أملاً في استعمار المجرة بوجود ما لا يقل عن خمسين مليون كوكب صالح للسكن والانتقال اليه. وفي الوقت الذي تتهاوى الانظمة الشمسية ستطبق نفس النهاية على الذرات فتتحلل، وما يصمد في النهاية ستكون الثقوب السوداء لتعيش فترة خرافية هي عشرة مرفوعة لقوة مائة من السنين، ويتوقف الزمن عند سطح الثقب الاسود بسبب هول الجاذبية التي تمسك بكل شيء بما فيها الضوء. وفي النهاية ينفجر الثقب الاسود بقوة مليار قنبلة ذرية. ولكن المفاجأة التي يطلع بها علينا ميكانيكا الكم انه من غبار هذا الكون يشاد كون آخر، ومن رحم هذا الكون الميت يمكن ان تتشكل منطقة انفراغ كاذب تنفصل فيها فقاعة من حجم (ميكرو) لتتحول في اجزاء من المليارات من الثانية الى كون جديد. تنقلب فيها الطاقة الى مادة والميكرو الى ماكرو يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون.

انها قصة أعجب من الخيال ولكن هكذا يقول العلم في آخر تفصيلاته.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال